بَاب جَامِعِ الْجَنَائِزِ
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ : أَسْرِعُوا بِجَنَائِزِكُمْ ، فَإِنَّمَا هُوَ خَيْرٌ تُقَدِّمُونَهُ إِلَيْهِ ، أَوْ شَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ . 574 576 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ ) كَذَا وَقَفَهُ جُمْهُورُ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ . وَرَوَاهُ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
وَلَمْ يُتَابَعْ عَلَى ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ ، وَلَكِنَّهُ مَرْفُوعٌ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . وَمِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَمِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : ( أَسْرِعُوا ) بِهَمْزَةِ قَطْعٍ ( بِجَنَائِزِكُمْ ) أَيْ بِحَمْلِهَا إِلَى قَبْرِهَا ، إِسْرَاعًا خَفِيفًا فَوْقَ الْمَشْيِ الْمُعْتَادِ وَالْخَبَبِ ، بِحَيْثُ لا يشق عَلَى ضَعْفَةِ مَنْ يَتْبَعُهَا وَلَا عَلَى حَامِلِهَا ، وَلَا يَحْدُثُ مَفْسَدَةٌ بِالْمَيِّتِ ، وَالْأَمْرُ لِلِاسْتِحْبَابِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ ، وَشَذَّ ابْنُ حَزْمٍ فَقَالَ بِوُجُوبِهِ ، وَقِيلَ : الْمُرَادُ شِدَّةُ الْمَشْيِ ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ وَبَعْضِ السَّلَفِ ، وَمَالَ عِيَاضٌ إِلَى نَفْيِ الْخِلَافِ ، فَقَالَ : مَنِ اسْتَحَبَّهُ أَرَادَ الزِّيَادَةَ عَلَى الْمَشْيِ الْمُعْتَادِ ، وَمَنْ كَرِهَهُ أَرَادَ الْإِفْرَاطَ كَالرَّمَلِ ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْإِسْرَاعُ لَكِنْ بِحَيْثُ لَا يَنْتَهِي إِلَى شِدَّةٍ يُخَافُ مِنْهَا حُدُوثُ مَفْسَدَةٍ بِالْمَيِّتِ وَمَشَقَّةٍ عَلَى الْحَامِلِ أَوِ الْمُشَيِّعِ ، لِئَلَّا يُنَافِيَ الْمَقْصُودَ مِنَ النَّظَافَةِ ، وَإِدْخَالِ الْمَشَقَّةِ عَلَى الْمُسْلِمِ .
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : مَقْصُودُ الْحَدِيثِ أَنْ لَا يُبَطَّأَ بِالْمَيِّتِ عَنِ الدَّفْنِ ، وَلِأَنَّ الْبُطْءَ رُبَّمَا أَدَّى إِلَى التَّبَاهِي وَالِاحْتِفَالِ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَتَأَوَّلَهُ قَوْمٌ عَلَى تَعْجِيلِ الدَّفْنِ لَا الْمَشْيِ وَلَيْسَ كَمَا ظَنُّوا ، وَيَرُدُّهُ قَوْلُهُ : تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ ، وَتَبِعَهُ النَّوَوِيُّ فَقَالَ : إِنَّهُ بَاطِلٌ مَرْدُودٌ بِهَذَا ، وَتَعَقَّبَهُ الْفَاكِهَانِيُّ : بِأَنَّ الْحَمْلَ عَلَى الرِّقَابِ قَدْ يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الْمَعَانِي كَمَا يَقُولُ : حَمَلَ فُلَانٌ عَلَى رَقَبَتِهِ دُيُونًا ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى اسْتَرِيحُوا مِنْ نَظَرِ مَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ ، قَالَ : وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ الْكُلَّ لَا يَحْمِلُونَهُ . قَالَ الْحَافِظُ : وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ فَلَا تَحْبِسُوهُ وَأَسْرِعُوا بِهِ إِلَى قَبْرِهِ . أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ .
وَلِأَبِي دَاوُدَ ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ وَحْوَحٍ مَرْفُوعًا : لَا يَنْبَغِي لِجِيفَةِ مُسْلِمٍ أَنْ تَبْقَى بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَهْلِهِ . ( فَإِنَّمَا هُوَ خَيْرٌ تُقَدِّمُونَهُ ) كَذَا فِي الْأُصُولِ ، وَالْقِيَاسُ : تُقَدِّمُونَهَا ، أَيِ الْجَنَائِزَ ( إِلَيْهِ ) أَيِ الْخَيْرِ بِاعْتِبَارِ الثَّوَابِ وَالْإِكْرَامِ الحاصل لَهُ فِي قَبْرِهِ فَيُسْرِعُ بِهِ لِيَلْقَاهُ قَرِيبًا . قَالَ ابْنُ مَالِكٍ : وَرُوِيَ إِلَيْهَا بِتَأْنِيثِ الضَّمِيرِ عَلَى تَأْوِيلِ الْخَيْرِ بِالرَّحْمَةِ أَوِ الْحُسْنَى ( أَوْ شَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ ) فَلَا مَصْلَحَةَ لَكُمْ فِي مُصَاحَبَتِهِ ; لِأَنَّهَا بَعِيدَةٌ مِنَ الرَّحْمَةِ ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ تَرْكُ صُحْبَةِ أَهْلِ الْبَطَالَةِ وَغَيْرِ الصَّالِحِينَ ، وَفِيهِ نَدْبُ الْمُبَادَرَةِ بِدَفْنِ الْمَيِّتِ لَكِنْ بَعْدَ تَحَقُّقِ أَنَّهُ مَاتَ ، أَمَّا مَثَلُ الْمَطْعُونِ وَالْمَسْبُوتِ وَالْمَفْلُوجِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُسْرِعَ بِتَجْهِيزِهِمْ حَتَّى يَمْضِيَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ لِيَتَحَقَّقَ مَوْتُهُمْ ، نَبَّهَ عَلَيْهِ ابْنُ بَزِيزَةَ ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .