بَاب مَا جَاءَ فِي الْكَنْزِ
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : مَنْ كَانَ عِنْدَهُ مَالٌ لَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ ، يَطْلُبُهُ حَتَّى يُمْكِنَهُ يَقُولُ : أَنَا كَنْزُكَ . 596 597 - ( مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ) ذَكْوَانَ ( السَّمَّانِ ) بَائِعِ السَّمْنِ ، ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ ) مَوْقُوفًا ، وَرَفَعَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَتَابَعَهُ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَسَاقَهُ مُطَوَّلًا ، وَكَذَا رَفَعَهُ أَبُو الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ ، وَسُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَالْقَعْقَاعُ بْنُ حَكِيمٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ ، وَخَالَفَهُمْ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ فَرَوَاهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَرَجَّحَهُ ، لَكِنْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : رِوَايَةُ عَبْدِ الْعَزِيزِ خَطَأٌ بَيِّنٌ فِي الْإِسْنَادِ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عِنْدَ ابْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَا رَوَاهُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ أَصْلًا ، قَالَ الْحَافِظُ : وَفِي هَذَا التَّعْلِيلِ نَظَرٌ ، وَمَا الْمَانِعُ أَنَّ لَهُ فِيهِ شَيْخَيْنِ ، نَعَمْ ، الَّذِي عَلَى طَرِيقَةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ أَنَّ رِوَايَةَ عَبْدِ الْعَزِيزِ شَاذَّةٌ ; لِأَنَّهُ سَلَكَ طَرِيقَ الْجَادَّةِ ، وَمَنْ عَدَلَ عَنْهَا دَلَّ عَلَى مَزِيدِ حِفْظِهِ .
( مَنْ كَانَ عِنْدَهُ مَالٌ لَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ ) ، وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ : مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ . ( مُثِّلَ ) بِضَمِّ الْمِيمِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ، أَيْ صُوِّرَ ( لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) مَالُهُ الَّذِي لَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ ( شُجَاعًا ) بِضَمِّ الشِّينِ وَالنَّصْبِ مَفْعُولٌ ثَانٍ لِمُثِّلَ ، وَالضَّمِيرُ الَّذِي فِيهِ يَرْجِعُ إِلَى مَالٍ وَقَدْ نَابَ عَنِ الْمَفْعُولِ الْأَوَّلِ . وَقَالَ الطِّيبِيُّ : نُصِبَ لِجَرْيِهِ مَجْرَى الْمَفْعُولِ الثَّانِي ، أَيْ صُوِّرَ مَالُهُ شُجَاعًا .
وَقَالَ الدَّمَامِينِيُّ : نُصِبَ عَلَى الْحَالِ وَهُوَ الْحَيَّةُ الذَّكَرُ . وَقِيلَ : الَّذِي يَقُومُ عَلَى ذَنَبِهِ وَيُوَاثِبُ الْفَارِسَ وَالرَّاجِلَ ، وَرُبَّمَا بَلَغَتْ وَجْهَ الْفَارِسِ ، تَكُونُ فِي الصَّحَارَى . ( أَقْرَعَ ) بِرَأْسِهِ بَيَاضٌ ، وَكُلَّمَا كَثُرَ سُمُّهُ ابْيَضَّ رَأْسُهُ ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ .
وَفِي الْفَتْحِ : الْأَقْرَعُ الَّذِي تُقْرَعُ رَأْسُهُ أَيْ تُمَعَّطُ لِكَثْرَةِ سُمِّهِ . وَفِي كِتَابِ أَبِي عُبَيْدٍ : سُمِّيَ أَقْرَعَ ; لِأَنَّ شَعْرَ رَأْسِهِ يَتَمَعَّطُ لِجَمْعِهِ السُّمَّ فِيهِ . وَتَعَقَّبَهُ الْقَزَّازُ بِأَنَّ الْحَيَّةَ لَا شَعْرَ بِرَأْسِهَا فَلَعَلَّهُ يَذْهَبُ جِلْدُ رَأْسِهِ .
وَفِي تَهْذِيبِ الْأَزْهَرِيِّ : سُمِّيَ أَقْرَعَ ; لِأَنَّهُ يَفْرِي السُّمَّ وَيَجْمَعُهُ فِي رَأْسِهِ حَتَّى تَتَمَعَّطَ فَرْوَةُ رَأْسِهِ ، قَالَ ذُو الرُّمَّةِ : فَرَى السُّمَّ حَتَّى انْمَارَ فَرْوَةُ رَأْسِهِ عَنِ الْعَظْمِ صِلٌّ فَاتِكُ اللَّسْعِ مَارِدُهُ ( لَهُ زَبِيبَتَانِ ) بِفَتْحِ الزَّايِ وَمُوَحِّدَتَيْنِ ، تَثْنِيَةُ زَبِيبَةٍ ، وَهُمَا الزَّبَدَتَانِ اللَّتَانِ فِي الشِّدْقَيْنِ ، يُقَالُ : تَكَلَّمَ فُلَانٌ حَتَّى زَبَتْ شِدْقَاهُ ، أَيْ خَرَجَ الزَّبَدُ مِنْهُمَا . وَقِيلَ : هُمَا النُّكْتَتَانِ السَّوْدَاوَانِ فَوْقَ عَيْنَيْهِ ، وَهِيَ عَلَامَةُ الْحَيَّةِ الذَّكَرِ الْمُؤْذِي . وَقِيلَ : نُقْطَتَانِ يَكْتَنِفَانِ فَاهُ .
وَقِيلَ : هُمَا فِي حَلْقِهِ بِمَنْزِلَةِ زَنَمَتَيِ الْعَنْزِ . وَقِيلَ : لَحْمَتَانِ عَلَى رَأْسِهِ مِثْلُ الْقَرْنَيْنِ . وَقِيلَ : نَابَانِ يَخْرُجَانِ مِنْ فِيهِ ( يَطْلُبُهُ حَتَّى يُمْكِنَهُ ) وَلِلْبُخَارِيِّ ، وَالنَّسَائِيِّ : فَلَا يَزَالُ يَتْبَعُهُ حَتَّى يُلْقِمَهُ أُصْبُعَهُ ( يَقُولُ : أَنَا كَنْزُكَ ) وَلِلْبُخَارِيِّ : أَقْرَعُ يُطَوِّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ يَأْخُذُ بِلَهْزَمَتَيْهِ يَعْنِي شِدْقَيْهِ ثُمَّ يَقُولُ : أَنَا مَالُكَ أَنَا كَنْزُكَ ثُمَّ تَلَا : وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ( سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ : الْآيَةُ 180 ) الْآيَةَ ، وَفَائِدَةُ هَذَا الْقَوْلِ زِيَادَةُ الْحَسْرَةِ فِي الْعَذَابِ حَتَّى لَا يَنْفَعَهُ النَّدَمُ ، وَفِيهِ نَوْعٌ مِنَ التَّهَكُّمِ .
وَلِابْنِ حِبَّانَ فِي حَدِيثِ ثَوْبَانَ يَتْبَعُهُ فَيَقُولُ : أَنَا كَنْزُكَ الَّذِي تَرَكْتَهُ بَعْدَكَ ، فَلَا يَزَالُ يَتْبَعُهُ حَتَّى يُلْقِمَهُ يَدَهُ فَيَمْضُغُهَا ، ثُمَّ يَتْبَعُهُ سَائِرُ جَسَدِهِ . وَلِمُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ : يَتْبَعُ صَاحِبَهُ حَيْثُ ذَهَبَ وَهُوَ يَفِرُّ مِنْهُ ، فَإِذَا رَأَى أَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي فِيهِ ، فَجَعَلَ يَقْضَمُهَا كَمَا يَقْضَمُ الْفَحْلُ . وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ اللَّهَ يُصَيِّرُ نَفْسَ الْمَالِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ .
وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ مُثِّلَ كَمَا هُنَا ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : أَيْ صُوِّرَ أَوْ نُصِبَ وَأُقِيمَ مِنْ قَوْلِهِمْ مُثِّلَ قَائِمًا أَيْ مُنْتَصِبًا أَوْ ضَمِنَ مِثْلَ مَعْنَى التَّصْيِيرِ أَيْ صَيَّرَ مَالَهُ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ . وَقَالَ عِيَاضٌ : ظَاهِرُهُ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ هَذَا الشُّجَاعَ لِعَذَابِهِ ، وَمَعْنَى مُثِّلَ نُصِبَ كَقَوْلِهِ : مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ النَّاسُ قِيَامًا أَيْ يَنْتَصِبُونَ . وَقَدْ يَكُونُ مَعْنَاهُ صُوِّرَ مَالُهُ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ كَقَوْلِهِ : أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا الْمُمَثِّلُونَ أَيِ الْمُصَوِّرُونَ .
وَيَشْهَدُ لَهُ رِوَايَةُ : إِلَّا جَاءَ كَنْزُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا . ثُمَّ لَا تَنَافِي بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مَرْفُوعًا : مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحَ مِنْ نَارٍ ، فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جَبْهَتُهُ وَجَنْبُهُ وَظَهْرُهُ لِأَنَّهُ يَجْتَمِعُ لَهُ الْأَمْرَانِ جَمِيعًا . فَحَدِيثُ الْبَابِ يُوَافِقُ الْآيَةَ وَهِيَ : سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ( سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ : الْآيَةُ 180 ) ، وَرِوَايَةُ مُسْلِمٍ تُوَافِقُ الْآيَةَ : فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ( سُورَةُ التَّوْبَةِ : الْآيَةُ 35 ) ؛ لِأَنَّهُ جَمَعَ الْمَالَ وَلَمْ يَصْرِفْهُ فِي حَقِّهِ لِتَحْصِيلِ الْجَاهِ وَالتَّنَعُّمِ بِالْمَطَاعِمِ وَالْمَلَابِسِ ، أَوْ لِأَنَّهُ أَعْرَضَ عَنِ الْفَقِيرِ وَوَلَّاهُ ظَهْرَهُ ، أَوْ لِأَنَّهَا أَشْرَفُ الْأَعْضَاءِ الظَّاهِرَةِ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الْأَعْضَاءِ الرَّئِيسِيَّةِ .
وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِهَا الْجِهَاتُ الْأَرْبَعُ الَّتِي هِيَ مُقَدَّمُ الْبَدَنِ وَمُؤَخَّرُهُ وَجَنْبَاهُ ، نَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ . هَذَا وَفِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّطْوِيقِ فِي الْآيَةِ الْحَقِيقَةُ ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ مَعْنَاهُ : سَيُطَوَّقُونَ الْإِثْمَ ، وَفِي تِلَاوَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهَا كَمَا صُرِّحَ بِهِ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ الْحُمَيْدِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَلا يَحْسَبَنَّ ( سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ : الْآيَةُ 180 ) الْآيَةَ ، وَلِلتِّرْمِذِيِّ : ثُمَّ قَرَأَ مِصْدَاقَهُ : سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ دَلَالَةً عَلَى أَنَّهَا فِي مَانِعِي الزَّكَاةِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ عُلَمَاءِ التَّفْسِيرِ . وَقِيلَ : نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ الَّذِينَ كَتَمُوا صِفَتَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
وَقِيلَ : فِيمَنْ لَهُ قُرَابَةٌ لَا يَصِلُهُمْ ، قَالَهُ مَسْرُوقٌ .