حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
شرح الزرقاني على الموطأ

بَاب اشْتِرَاءِ الصَّدَقَةِ وَالْعَوْدِ فِيهَا

622
حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ : سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَهُوَ يَقُولُ : حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ عَتِيقٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَكَانَ الرَّجُلُ الَّذِي هُوَ عِنْدَهُ قَدْ أَضَاعَهُ ،فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهُ مِنْهُ ، وَظَنَنْتُ أَنَّهُ بَائِعُهُ بِرُخْصٍ ، فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : لَا تَشْتَرِهِ وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ وَاحِدٍ ؛ فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ .
26
بَابُ اشْتِرَاءِ الصَّدَقَةِوَالْعَوْدِ فِيهَا 624
622
( مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ) الْعَدَوِيِّ مَوْلَاهُمُ الْمَدَنِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ أَسْلَمَ الْمُخَضْرَمِ مَوْلَى عُمَرَ ، مَاتَ سَنَةَ سِتِّينَ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَمِائَةِ سَنَةٍ ( أَنَّهُ قَالَ : سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَهُوَ يَقُولُ : حَمَلْتُ ) رَجُلًا ( عَلَى فَرَسٍ ) أَيْ : تَصَدَّقْتُ بِهِ ، وَوَهَبْتُهُ لَهُ لِيُقَاتِلَ عَلَيْهِ ( عَتِيقٍ ) أَيْ : كَرِيمٍ سَابِقٍ ، وَالْجَمْعُ عِتَاقٌ ، وَالْعَتِيقُ الْفَائِقُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ، وَاسْمُ هَذَا الْفَرَسِ الْوَرْدُ ، أَهْدَاهُ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَعْطَاهُ عُمَرَ فَحَمَلَ عَلَيْهِ ، أَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ، وَلَا يُعَارِضُهُ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَلَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ ، وَسَاقَهُ أَبُو عَوَانَةَ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ حَمَلَ عَلَى فَرَسٍ فَأَعْطَاهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلًا لِأَنَّهُ يَحْمِلُ ، عَلَى أَنَّ عُمَرَ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ فُوِّضَ إِلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اخْتِيَارَ مَنْ يَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَيْهِ أَوِ اسْتَشَارَهُ فِيمَنْ يَحْمِلُهُ عَلَيْهِ فَأَشَارَ عَلَيْهِ فَنُسِبَتْ إِلَيْهِ الْعَطِيَّةُ لِكَوْنِهِ أَمَرَ بِهَا ( فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) الْجِهَادِ لَا الْوَقْفِ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِمَنْ أَجَازَ بَيْعَ الْمَوْقُوفِ إِذَا بَلَغَ غَايَةً لَا يُتَصَوَّرُ الِانْتِفَاعُ بِهِ فِيمَا وُقِفَ لَهُ ، ( وَكَانَ الرَّجُلُ الَّذِي هُوَ عِنْدَهُ ) أَيِ : الَّذِي حَمَلَهُ عَلَيْهِ ، قَالَ الْحَافِظُ : لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ ( قَدْ أَضَاعَهُ ) أَيْ : لَمْ يُحْسِنِ الْقِيَامَ عَلَيْهِ وَقَصَّرَ فِي مُؤْنَتِهِ وَخِدْمَتِهِ ، وَقِيلَ : لَمْ يَعْرِفْ مِقْدَارَهُ فَأَرَادَ بَيْعَهُ بِدُونِ قِيمَتِهِ ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ اسْتَعْمَلَهُ فِي غَيْرِ مَا جُعِلَ لَهُ ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ ، وَيَدُلُّ لَهُ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ رَوْحِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ : فَوَجَدَهُ قَدْ أَضَاعَهُ ؛ وَكَانَ قَلِيلَ الْمَالِ ، فَأَشَارَ إِلَى عِلَّةِ ذَلِكَ وَإِلَى عُذْرِهِ فِي إِرَادَةِ بَيْعِهِ ، انْتَهَى . وَقَالَ الْبَاجِيُّ : أَيْ لَمْ يُحْسِنِ الْقِيَامَ عَلَيْهِ ، وَهَذَا يَبْعُدُ فِي حَقِّ الصَّحَابَةِ إِلَّا لِعُذْرٍ ، أَوْ صَيَّرَهُ ضَائِعًا مِنَ الْهُزَالِ لِفَرْطِ مُبَاشَرَةِ الْجِهَادِ وَالْإِتْعَابِ لَهُ فِيهِ .

( فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهُ مِنْهُ وَظَنَنْتُ أَنَّهُ بَائِعُهُ بِرُخْصٍ ) بِضَمِّ الرَّاءِ ، مَصْدَرُ رَخُصَ السِّعْرُ وَأَرْخَصَهُ اللَّهُ فَهُوَ رَخِيصٌ ، ( فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : لَا تَشْتَرِهِ ) بِلَا يَاءٍ قَبْلَ الْهَاءِ جَزْمٌ عَلَى النَّهْيِ ، وَلِابْنِ مَهْدِيٍّ : لَا تَبْتَعْهُ ( وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ وَاحِدٍ ) مُبَالَغَةً فِي رُخْصِهِ وَهُوَ الْحَامِلُ لَهُ عَلَى شِرَائِهِ ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الْبَائِعَ مَلَكَهُ وَلَوْ كَانَ وَقْفًا كَمَا قِيلَ ، وَجَازَ لَهُ بَيْعُهُ لِأَنَّهُ لَا يَنْتَفِعُ فِيمَا حُبِسَ عَلَيْهِ لِمَا كَانَ لَهُ بَيْعُهُ إِلَّا بِالْقِيمَةِ الْوَافِرَةِ ، وَلَا كَانَ لَهُ أَنْ يُسَامِحَ مِنْهَا بِشَيْءٍ وَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي هُوَ الْمُحْبِسُ . وَيُسْتَفَادُ مِنَ التَّعْلِيلِ الْمَذْكُورِ أَيْضًا أَنَّهُ لَوْ وَجَدَهُ مَثَلًا يُبَاعُ بِأَغْلَى مِنْ ثَمَنِهِ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ النَّهْيُ كَذَا فِي الْفَتْحِ . وَفِي رِوَايَةِ التِّنِّيسِيِّ : لَا تَشْتَرِهِ وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ .

وَعَلَيْهَا سَأَلَ ابْنُ الْمُنِيرِ أَنَّ الْإِغْيَاءَ فِي النَّهْيِ عَادَتُهُ أَنْ يَكُونَ بِالْأَخْفَى وَالْأَدْنَى كَقَوْلِهِ تَعَالَى : فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ ( سُورَةُ الْإِسْرَاءِ : الْآيَةُ 23 ) وَلَا خَفَاءَ أَنَّ إِعْطَاءَهُ إِيَّاهُ بِدِرْهَمٍ أَقْرَبُ إِلَى الرُّجُوعِ فِي الصَّدَقَةِ مِمَّا إِذَا بَاعَهُ بِقِيمَتِهِ ، وَكَلَامُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ الْحُجَّةُ فِي الْفَصَاحَةِ ، وَأَجَابَ بِأَنَّ الْمُرَادَ : لَا تُغَلِّبُ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَإِنْ وَفَّرَهَا مُعْطِيهَا ، فَإِذَا زَهِدَ فِيهَا وَهِيَ مُوَفَّرَةٌ فَلِأَنْ يَزْهَدَ فِيهَا وَهِيَ مُقَتَّرَةٌ أَوْلَى ، فَهَذَا عَلَى وَفْقِ الْقَاعِدَةِ . ( فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ ) الْفَاءُ لِلتَّعْلِيلِ ؛ أَيْ : كَمَا يُقْبَحُ أَنْ يَقِيءَ ثُمَّ يَأْكُلُ ، كَذَلِكَ يُقْبَحُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ ثُمَّ يَجُرُّهُ إِلَى نَفْسِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ ، فَشُبِّهَ بِأَخَسِّ الْحَيَوَانِ فِي أَخَسِّ أَحْوَالِهِ تَصْوِيرًا لِلتَّهْجِينِ وَتَنْفِيرًا مِنْهُ ، وَبِهِ اسْتَدَلَّ عَلَى حُرْمَةِ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْقَيْءَ حَرَامٌ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُ : وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ سِيَاقِ الْحَدِيثِ .

وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى الْكَرَاهَةِ ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْكَلْبِ لَا يُوصَفُ بِتَحْرِيمٍ لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِ ، فَالتَّشْبِيهُ لِلتَّنْفِيرِ خَاصَّةً ؛ لِأَنَّ الْقَيْءَ مِمَّا يُسْتَقْذَرُ ، وَوَجْهُ الشَّبَهِ أَنَّهُ أَخْرَجَ فِي الصَّدَقَةِ أَوْسَاخَهُ وَأَدْنَاسَهُ ، فَأَشْبَهَ تَغَيُّرَ الطَّعَامِ إِلَى حَالِ الْقَيْءِ ، وَأَلْحَقَ بِالصَّدَقَةِ مَا شَابَهَهَا مِنْ كَفَّارَةٍ وَنَذْرٍ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْقُرُبَاتِ ، وَبِالشِّرَاءِ الْهِبَةَ وَنَحْوَهَا مِمَّا يَتَمَلَّكُهُ بِاخْتِيَارِهِ ، وَأَمَّا إِذَا وَرِثَهُ فَلَا كَرَاهَةَ ، وَأَبْعَدُ مَنْ قَالَ يَتَصَدَّقُ بِهِ ، قَالَ الطَّبَرِيُّ : يَخُصُّ مِنْ عُمُومِ هَذَا الْحَدِيثِ مَنْ وَهَبَ بِشَرْطِ الثَّوَابِ ، وَوَالِدٌ وَهَبَ وَلَدَهُ ، وَالْهِبَةُ الَّتِي لَمْ تُقْبَضْ وَالَّتِي رَدَّهَا الْمِيرَاثُ إِلَى الْوَاهِبِ لِثُبُوتِ الْأَخْبَارِ بِاسْتِثْنَاءِ كُلِّ ذَلِكَ ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ كَالْغَنِيِّ يَهِبُ الْفَقِيرَ ، وَنَحْوَ مَنْ يَصِلُ رَحِمَهُ فَلَا رُجُوعَ لِهَؤُلَاءِ ، وَمِمَّا لَا رُجُوعَ فِيهِ مُطْلَقًا الصَّدَقَةُ يُرَادُ بِهَا ثَوَابُ الْآخِرَةِ ، وَاسْتَشْكَلَ ذِكْرُ عُمَرَ لِذَلِكَ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ إِذَاعَةِ عَمَلِ الْبِرِّ وَكِتْمَانِهِ أَرْجَحُ ، وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ تَعَارَضَ عِنْدَهُ الْمَصْلَحَتَانِ ؛ الْكِتْمَانُ وَتَبْلِيغُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ ، فَرَجَّحَ الثَّانِيَ فَعَمَلَ بِهِ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَقُولَ : حَمَلَ رَجُلٌ رَجُلًا عَلَى فَرَسٍ مَثَلًا ، وَلَا يَقُولُ : حَمَلْتُ فَيَجْمَعُ بَيْنَ الْمَصْلَحَتَيْنِ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَحَلَّ رُجْحَانِ الْكِتْمَانِ إِنَّمَا هُوَ قَبْلَ الْفِعْلِ وَعِنْدَهُ ، وَأَمَّا بَعْدَ وُقُوعِهِ فَلَعَلَّ الَّذِي أُعْطِيَهُ أَذَاعَ ذَلِكَ فَانْتَفَى الْكِتْمَانُ ، وَيُضَافُ إِلَيْهِ أَنَّ فِي إِضَافَةِ ذَلِكَ إِلَى نَفْسِهِ تَأْكِيدًا لِصِحَّةِ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ ؛ لِأَنَّ الَّذِي تَقَعُ لَهُ الْقِصَّةُ أَجْدَرُ بِضَبْطِهَا مِمَّنْ لَيْسَ عِنْدَهُ إِلَّا وُقُوعُهَا بِحُضُورِهِ ، فَلَمَّا أَمِنَ مَا يَخْشَى مِنَ الْإِعْلَانِ بِالْقَصْدِ صَرَّحَ بِإِضَافَةِ الْحُكْمِ إِلَى نَفْسِهِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ مَحَلَّ تَرْجِيحِ الْكِتْمَانِ إِنْ خَشِيَ عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الْإِعْلَانِ الْعُجْبُ وَالرِّيَاءُ ، أَمَّا مَنْ أَمِنَ ذَلِكَ كَعُمَرَ فَلَا ، انْتَهَى . وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الزَّكَاةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَفِي الْهِبَةِ عَنْ يَحْيَى بْنِ قَزَعَةَ - بِفَتْحِ الْقَافِ وَالزَّايِ وَالْمُهْمَلَةِ - ، وَفِي الْجِهَادِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، وَمُسْلِمٌ فِي الْوَصَايَا وَالصَّدَقَةِ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ ، وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ مَهْدِيٍّ ، الْخَمْسَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث