حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
شرح الزرقاني على الموطأ

بَاب كَفَّارَةِ مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ

658
حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَجُلًا أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُكَفِّرَ بِعِتْقِ رَقَبَةٍ ، أَوْ صِيَامِ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ، أَوْ إِطْعَامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا ،فَقَالَ لَا أَجِدُ ، فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِعَرَقِ تَمْرٍ فَقَالَ : خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا أَجِدُ أَحْوَجَ مِنِّي ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ ، ثُمَّ قَالَ : كُلْهُ .
9
بَابُ كَفَّارَةِ مَنْأَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ 660
658
( مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) قَالَ الْحَافِظُ : هَكَذَا تَوَارَدَ عَلَيْهِ أَصْحَابُ الزُّهْرِيِّ ، وَهُمْ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِينَ نَفْسًا جَمَعْتُهُمْ فِي جُزْءٍ مُفْرَدٍ ، مِنْهُمْ : ابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَاللَّيْثُ ، وَمَنْصُورٌ ، وَمَعْمَرٌ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَشُعَيْبٌ ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ ، وَمَالِكٌ ، وَابْنُ جُرَيْجٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، وَعِرَاكُ بْنُ مَالِكٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ ، وَعَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ عُمَرَ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُسَافِرٍ عِنْدَ الطَّحَاوِيِّ ، وَعُقَيْلٌ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ ، وَابْنُ أَبِي حَفْصَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَيُونُسُ ، وَحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَأَةَ ، وَصَالِحُ بْنُ أَبِي الْأَخْضَرِ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عِنْدَ الْبَزَّارِ ، وَخَالَفَهُمْ هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ ، فَرَوَاهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَجَزَمَ الْبَزَّارُ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَأَبُو عَوَانَةَ بِأَنَّ هِشَامَ بْنَ سَعْدٍ أَخْطَأَ فِيهِ ، وَقَدْ تَابَعَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ عِنْدَ الزُّهْرِيِّ عَنْهُمَا فَقَدْ جَمَعَهُمَا عَنْهُ صَالِحُ بْنُ أَبِي الْأَخْضَرِ ، أَخْرَجُهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ . وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَأَبِي أُوَيْسٍ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ التَّصْرِيحُ بِالتَّحْدِيثِ بَيْنَ حُمَيْدٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ( أَنَّ رَجُلًا ) هُوَ سَلْمَانُ ، وَيُقَالُ فِيهِ : سَلَمَةُ بْنُ صَخْرٍ الْبَيَاضِيُّ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَابْنُ الْجَارُودِ ، وَبِهِ جَزَمَ عَبْدُ الْغَنِيِّ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ سَلَمَةَ هُوَ الْمَظَاهِرُ فِي رَمَضَانَ ، وَإِنَّمَا أَتَى أَهْلَهُ لَيْلًا رَأَى خَلْخَالَهَا فِي الْقَمَرِ ، وَلَكِنْ رَأَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ الرَّجُلَ الَّذِي وَقَعَ عَلَى أَهْلِهِ فِي رَمَضَانَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ سَلْمَانُ بْنُ صَخْرٍ أَحَدُ بَنِي بَيَاضَةَ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : أَظُنُّ هَذَا وَهَمًا ؛ لِأَنَّ الْمَحْفُوظَ أَنَّ سَلَمَةَ أَوْ سَلْمَانَ إِنَّمَا كَانَ مُظَاهِرًا ، قَالَ الْحَافِظُ : وَيُحْتَمَلُ أَنَّ قَوْلَهُ : وَقَعَ عَلَى امْرَأَتِهِ ؛ أَيْ : لَيْلًا بَعْدَ أَنْ ظَاهَرَ فَلَا يَكُونُ وَهَمًا ، وَيُحْتَمَلُ وُقُوعُ الْأَمْرَيْنِ لَهُ ، قَالَ : وَسَبَبُ ظَنِّهِمْ أَنَّهُ الْمُحْتَرِقُ أَنَّ ظِهَارَهُ مِنَ امْرَأَتِهِ كَانَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ ، وَجَامَعَ لَيْلًا كَمَا هُوَ صَرِيحُ حَدِيثِهِ ، وَأَمَّا الْمُحْتَرِقُ فَأَعْرَابِيٌّ جَامَعَ نَهَارًا فَتَغَايَرَا ، نَعَمِ ؛ اشْتَرَكَا فِي قَدْرِ الْكَفَّارَةِ وَفِي الْإِتْيَانِ بِالتَّمْرِ ، وَفِي الْإِعْطَاءِ وَفِي قَوْلِ كُلٍّ مِنْهُمَا : أَعْلَى أَفْقَرَ مِنَّا ؟ وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ اتِّحَادُهُمَا .

( أَفْطَرَ ) قَالَ الْبَاجِيُّ : اخْتَلَفَتْ رُوَاةُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي لَفْظِهِ ، فَقَالَ أَصْحَابُ الْمُوَطَّأِ وَأَكْثَرُ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ : أَفْطَرَ ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ : جَامَعَ ( فِي رَمَضَانَ ) ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : كَذَا رَوَاهُ مَالِكٌ لَمْ يَذْكُرْ بِمَاذَا أَفْطَرَ ؟ وَتَابَعَهُ جَمَاعَةٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، وَقَالَ أَكْثَرُ الرُّوَاةِ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ رَجُلًا وَقَعَ عَلَى امْرَأَتِهِ فِي رَمَضَانَ ، فَذَكَرُوا مَا أَفْطَرَ بِهِ ، فَتَمَسَّكَ بِهِ أَحْمَدُ وَالشَّافِعِيُّ وَمَنْ وَافَقَهُمَا فِي أَنَّ الْكَفَّارَةَ خَاصَّةٌ بِالْجِمَاعِ ؛ لِأَنَّ الذِّمَّةَ بَرِّيَّةٌ فَلَا يَثْبُتُ شَيْءٌ فِيهِ إِلَّا بِيَقِينٍ . وَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَطَائِفَةٌ : عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ بِتَعَمُّدِ أَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ وَنَحْوِهِمَا أَيْضًا ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ شَرْعًا الِامْتِنَاعُ مِنَ الطَّعَامِ وَالْجِمَاعِ ، فَإِذَا ثَبَتَ فِي وَجْهٍ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ ثَبَتَ فِي نَظِيرِهِ ، وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا انْتِهَاكُ حُرْمَةِ الشَّهْرِ بِمَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ عَمْدًا . وَلَفْظُ حَدِيثِ مَالِكٍ : يَجْمَعُ كُلَّ فِطْرٍ ، لَكِنْ قَالَ عِيَاضٌ : دَعْوَى عُمُومِ قَوْلِهِ : أَفْطَرَ ضَعِيفَةٌ ، قَالَ الْأَبِيُّ : لِأَنَّ أَفْطَرَ فِعْلٌ فِي سِيَاقِ الثُّبُوتِ ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ بِعُمُومِهِ ، إِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا كَانَ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ ( فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُكَفِّرَ بِعِتْقِ رَقَبَةٍ أَوْ صِيَامِ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ أَوْ إِطْعَامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا ) .

قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَكَذَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مَالِكٌ ، وَلَمْ تَخْتَلِفْ رُوَاتُهُ عَلَيْهِ فِيهِ بِلَفْظِ التَّخْيِيرِ ، وَتَابَعَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ ، وَأَبُو أُوَيْسٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، وَرَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَلَى تَرْتِيبِ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ : هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَعْتِقَ رَقَبَةً ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ : فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ : فَهَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا ؟ قَالَ : لَا الْحَدِيثَ . وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي طَائِفَةٍ فَقَالُوا : لَا يَنْتَقِلُ عَنِ الْعِتْقِ إِلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهُ وَلَا عَنِ الصَّوْمِ كَذَلِكَ . وَقَالَ مَالِكٌ وَجَمَاعَةٌ : هِيَ عَلَى التَّخْيِيرِ لِظَاهِرِ حَدِيثِ الْبَابِ الدَّالِّ عَلَى أَنَّ التَّرْتِيبَ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ لَيْسَ بِمُرَادٍ ، وَلِأَنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى الْإِطْعَامِ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا ؛ وَلِذَا قَالَ مَالِكٌ : الْإِطْعَامُ أَفْضَلُ وَلِأَنَّهُ سُنَّةُ الْبَدَلِ فِي الصِّيَامِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْحَامِلَ وَالْمُرْضِعَ وَالشَّيْخَ الْكَبِيرَ وَالْمُفَرِّطَ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ ، حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ آخَرُ لَا يُؤْمَرُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بِعِتْقٍ وَلَا صِيَامٍ ، فَصَارَ الْإِطْعَامُ لَهُ مَدْخَلٌ فِي الصِّيَامِ ، وَنَظَائِرُهُ مِنَ الْأُصُولِ فَلِذَا فَضَّلَهُ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ ، انْتَهَى مُلَخَّصًا .

وَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ مَالِكٍ مِمَّا يُوهِمُ تَعْيِنَ الْإِطْعَامِ مُؤَوَّلٌ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَفْضَلُ . وَقَالَ الْمَازِرِيُّ : لَيْسَ فِي قَوْلِهِ : هَلْ تَسْتَطِيعُ دَلَالَةٌ عَلَى التَّرْتِيبِ لَا نَصًّا وَلَا ظَاهِرًا إِنَّمَا فِيهِ الْبُدَاءَةُ بِالْأَوَّلِ ، وَهُوَ يَصِحُّ عَلَى التَّخْيِيرِ وَالتَّرْتِيبِ ، فَبَانَ مِنْ رِوَايَةِ أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ التَّخْيِيرُ ، انْتَهَى . ( فَقَالَ لَا أَجِدُ ) وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ : قَالَ : تَصَدَّقَ ، فَقَالَ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَا لِي شَيْءٌ وَمَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ ، زَادَ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فَقَالَ : اجْلِسْ ( فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ، وَلَمْ يُسَمِّ الْآتِي لَكِنْ لِلْبُخَارِيِّ فِي الْكَفَّارَاتِ : فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ ، وَلِلدَّارَقُطْنِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ مُرْسَلًا : فَأَتَى رَجُلٌ مِنْ ثَقِيفٍ ، قَالَ الْحَافِظُ : فَإِنْ لَمْ يُحْمَلْ عَلَى أَنَّهُ كَانَ حَلِيفًا لِلْأَنْصَارِ أَوْ إِطْلَاقِ الْأَنْصَارِ بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ ، وَإِلَّا فَمَا فِي الصَّحِيحِ أَصَحُّ ، ( بِعَرَقِ تَمْرٍ ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالرَّاءِ وَقَافٍ ، وَرُوِيَ بِإِسْكَانِ الرَّاءِ ، قَالَ عِيَاضٌ : وَالصَّوَابُ الْفَتْحُ ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ رِوَايَةً وَلُغَةً ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : أَكْثَرُهُمْ يَرْوِيهَا بِإِسْكَانِ الرَّاءِ ، وَالصَّوَابُ عِنْدَ أَهْلِ الْإِتْقَانِ فَتْحُ الرَّاءِ ، وَكَذَا قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ ، وَفَسَّرَهُ الزُّهْرِيُّ فِي رِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ بِأَنَّهُ الْمِكْتَلُ ؛ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ ، قَالَ الْأَخْفَشُ : سُمِّيَ الْمِكْتَلُ عَرَقًا ؛ لِأَنَّهُ يُضَفَّرُ عَرَقَةً عَرَقَةً ، وَالْعُرُوقُ جَمْعُ عِرْقَةٍ كَعَلَقٍ وَعَلَقَةٍ ، وَالْعَرَقَةُ الضَّفِيرَةُ مِنَ الْخُوصِ ( فَقَالَ : خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ ) أَيْ : بِالتَّمْرِ الَّذِي فِيهِ ( فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَجِدُ أَحْوَجَ ) ضُبِطَ بِالرَّفْعِ عَلَى جَعْلِ مَا تَمِيمِيَّةٌ ، وَالنَّصْبِ عَلَى جَعْلِهَا حِجَازِيَّةٌ عَامِلَةٌ عَمَلَ لَيْسَ ( مِنِّي ) ، وَفِي رِوَايَةٍ فَقَالَ : عَلَى أَفْقَرَ مِنِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَوَاللَّهِ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا - يُرِيدُ الْحَرَّتَيْنِ - أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي ، وَفِي أُخْرَى : مَا أَحَدٌ أَحَقُّ بِهِ مِنْ أَهْلِي ، مَا أَحَدٌ أَحْوَجَ إِلَيْهِ مِنِّي ، وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ عَنْ عَائِشَةَ : مَا لَنَا عَشَاءُ لَيْلَةٍ ( فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ ) جَمْعُ نَابٍ ، وَهِيَ الْأَسْنَانُ الْمُلَاصِقَةُ لِلرُّبَاعِيَّاتِ ، وَهِيَ أَرْبَعَةٌ ، وَالضَّحِكُ فَوْقَ التَّبَسُّمِ ، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ ضَحِكَهُ كَانَ تَبَسُّمًا فِي غَالِبِ أَحْوَالِهِ ، لَكِنَّهُ تَعَجَّبَ هُنَا مِنْ حَالِ الرِّجَالِ فِي كَوْنِهِ جَاءَ أَوَّلًا هَالِكًا مُحْتَرِقًا خَائِفًا عَلَى نَفْسِهِ رَاغِبًا فِي فِدَائِهَا مَهْمَا أَمْكَنَهُ ، فَلَمَّا وَجَدَ الرُّخْصَةَ طَمِعَ أَنْ يَأْكُلَ الْكَفَّارَةَ .

( ثُمَّ قَالَ : كُلْهُ ) ، وَفِي رِوَايَةٍ : أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ ، وَفِي أُخْرَى : عِيَالَكَ ، وَاحْتَجَّ بِهِ الْقَائِلُ بِأَنْ لَا تَجِبَ الْكَفَّارَةُ ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ أَبَاحَ لَهُ تَأْخِيرَهَا إِلَى وَقْتِ الْيُسْرِ لَا أَنَّهُ أَسْقَطَهَا عَنْهُ جُمْلَةً ، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ نَفْيُ اسْتِقْرَارِهَا عَلَيْهِ ، بَلْ فِيهِ دَلِيلٌ لِاسْتِقْرَارِهَا ؛ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِعَجْزِهِ عَنِ الْخِصَالِ الثَّلَاثِ ، ثُمَّ أَتَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالتَّمْرِ فَأَمَرَهُ بِإِخْرَاجِهِ فِي الْكَفَّارَةِ ، فَلَوْ كَانَتْ تَسْقُطُ بِالْعَجْزِ لَمْ يَأْمُرْهُ بِذَلِكَ ، لَكِنْ لَمَّا احْتَاجَ إِلَى الْإِنْفَاقِ عَلَى عِيَالِهِ فِي الْحَالِ أَذِنَ لَهُ فِي أَكْلِهِ وَإِطْعَامِ عِيَالِهِ ، وَبَقِيَتِ الْكَفَّارَةُ فِي ذِمَّتِهِ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ تَأْخِيرَهُ الْبَيَانَ إِلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ جَائِزٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ . وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : كَانَ هَذَا رُخْصَةً لِهَذَا الرَّجُلِ خَاصَّةً ، أَمَّا الْيَوْمُ فَلَا بُدَّ مِنَ الْكَفَّارَةِ . وَجَاءَ فِي رِوَايَةٍ : كُلْهُ أَنْتَ وَأَهْلَكَ وَصُمْ يَوْمًا وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ ، وَقَالَ عِيَاضٌ : قَالَ الزُّهْرِيُّ هَذَا خَاصٌّ بِهَذَا الرَّجُلِ ، أَبَاحَ لَهُ الْأَكْلَ مِنْ صَدَقَةِ نَفْسِهِ لِسُقُوطِ الْكَفَّارَةِ عَنْهُ لِفَقْرِهِ .

وَقِيلَ : هُوَ مَنْسُوخٌ ، وَقِيلَ : يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَعْطَاهُ لِيُكَفِّرَ بِهِ وَيَجْزِيَهُ إِذَا أَعْطَاهُ ، وَمَنْ لَا يَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ مِنْ أَهْلِهِ ، وَقِيلَ : لَمَّا عَجَزَ مِنْ نَفَقَةِ أَهْلِهِ جَازَ لَهُ إِعْطَاءُ الْكَفَّارَةِ عَنْ نَفْسِهِ لَهُمْ ، وَقِيلَ : لَمَّا مَلَكَهَا لَهُ وَهُوَ مُحْتَاجٌ جَازَ لَهُ وَلِأَهْلِهِ أَكْلُهَا لِحَاجَتِهِمْ ، وَقِيلَ : يُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ لِغَيْرِهِ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْهُ جَازَ لِغَيْرِهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ بِتِلْكَ الْكَفَّارَةِ . وَقِيلَ : أَطْعَمَهُ إِيَّاهُ لِفَقْرِهِ وَأَبْقَى الْكَفَّارَةَ عَلَيْهِ حَتَّى يُوسِرَ ، هَذَا مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي الْمَسْأَلَةِ . وَقَالَ أَحْمَدُ وَالْأَوْزَاعِيُّ : حُكْمُ مَنْ لَزِمَتْهُ كَفَّارَةٌ وَلَمْ يَجِدْهَا السُّقُوطُ كَهَذَا الرَّجُلِ ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ مَنْ جَاءَ مُسْتَفْتِيًا فِيمَا فِيهِ الِاجْتِهَادُ دُونَ الْحَدِّ أَنَّهُ لَا تَعْزِيرَ عَلَيْهِ وَلَا عُقُوبَةَ ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُعَاقِبْهُ عَلَى انْتِهَاكِ حُرْمَةِ الشَّهْرِ ؛ لِأَنَّ مَجِيئَهُ وَاسْتِفْتَاءَهُ دَلِيلُ تَوْبَتِهِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ عُوقِبَ مَنْ جَاءَ مَجِيئَهُ لَمْ يَسْتَفْتِ أَحَدٌ عَنْ نَازِلَةٍ خَوْفَ الْعُقُوبَةِ ، بِخِلَافِ مَا فِيهِ الْحَدُّ أَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى الِاعْتِرَافِ بِهِ ، فَلَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ إِلَّا الْحرابَةُ إِذَا تَابَ مِنْهَا قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ .

وَذَكَرَ الْكِرْمَانِيُّ أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ اسْتَنْبَطَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفِ مَسْأَلَةٍ . وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ عِيسَى ، وَأَبُو دَاوُدَ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ كِلَيْهِمَا عَنْ مَالِكٍ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث