بَاب كَفَّارَةِ مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْخُرَاسَانِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ : جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَضْرِبُ نَحْرَهُ وَيَنْتِفُ شَعْرَهُ ، وَيَقُولُ : هَلَكَ الْأَبْعَدُ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَمَا ذَاكَ ؟ فَقَالَ : أَصَبْتُ أَهْلِي وَأَنَا صَائِمٌ فِي رَمَضَانَ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُعْتِقَ رَقَبَةً ؟ فَقَالَ : لَا ، فَقَالَ : هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُهْدِيَ بَدَنَةً ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ : فَاجْلِسْ ، فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِعَرَقِ تَمْرٍ فَقَالَ : خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ ، فَقَالَ : مَا أَحَدٌ أَحْوَجَ مِنِّي ، فَقَالَ : كُلْهُ وَصُمْ يَوْمًا مَكَانَ مَا أَصَبْتَ . قَالَ مَالِكٌ : قَالَ عَطَاءٌ : فَسَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ ، كَمْ فِي ذَلِكَ الْعَرَقِ مِنْ التَّمْرِ ؟ فَقَالَ : مَا بَيْنَ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا إِلَى عِشْرِينَ . قَالَ مَالِكٌ : سَمِعْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ يَقُولُونَ : لَيْسَ عَلَى مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ بِإِصَابَةِ أَهْلِهِ نَهَارًا أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ الْكَفَّارَةُ الَّتِي تُذْكَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَنْ أَصَابَ أَهْلَهُ نَهَارًا فِي رَمَضَانَ ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ قَضَاءُ ذَلِكَ الْيَوْمِ .
قَالَ مَالِكٌ : وَهَذَا أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ فِيهِ إِلَيَّ . 661 659 - ( مَالِكٌ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْخُرَاسَانِيِّ ) وَقِيلَ اسْمُ أَبِيهِ مَيْسَرَةَ ، وَهُوَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ مَوْلَى الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ . وَقِيلَ : مَوْلَى هُذَيْلٍ ، وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ وَأَشْهَرُ ، أَصْلُهُ مِنْ مَدِينَةِ بَلْخٍ مِنْ خُرَاسَانَ ، وَسَكَنَ الشَّامَ ، كَانَ فَاضِلًا عَالِمًا بِالْقُرْآنِ عَامِلًا ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةُ أَئِمَّةٍ كَمَالِكٍ ، وَمَعْمَرٍ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وُلِدَ سَنَةَ خَمْسٍ ، وَمَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ ، وَرُبَّمَا كَانَ فِي حِفْظِهِ شَيْءٌ ، لِمَالِكٍ عَنْهُ ثَلَاثَةُ أَحَادِيثَ قَالَهُ فِي التَّمْهِيدِ ، وَفِي التَّقْرِيبِ أَنَّهُ صَدُوقٌ يَهِمُ كَثِيرًا وَيُرْسِلُ وَيُدَلِّسُ ، رَوَى لَهُ مُسْلِمٌ وَالْأَرْبَعَةُ ، وَلَمْ يَصِحَّ أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَخْرَجَ لَهُ .
( عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ : جَاءَ أَعْرَابِيٌّ ) لَمْ يُسَمِّ أَوْ هُوَ سَلَمَةُ ، وَيُقَالُ فِيهِ سَلْمَانُ بْنُ صَخْرٍ أَحَدُ بَنِي بَيَاضَةَ كَمَا مَرَّ ( إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَكَذَا هَذَا الْحَدِيثُ عِنْدَ جَمَاعَةِ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ مُرْسَلًا ، وَهُوَ مُتَّصِلٌ بِمَعْنَاهُ مِنْ وُجُوهٍ صِحَاحٍ إِلَّا قَوْلَهُ : أَنْ تَهْدِيَ بَدَنَةً فَغَيْرُ مَحْفُوظٍ ، ( يَضْرِبُ نَحْرَهُ وَيَنْتِفُ شَعْرَهُ ) زَادَ الدَّارَقُطْنِيُّ : وَيَحْثِي عَلَى رَأْسِهِ التُّرَابَ ، وَفِي رِوَايَةٍ : وَيَلْطِمُ وَجْهَهُ وَيَدْعُو وَيْلَهُ ، قِيلَ فِيهِ جَوَازُ ذَلِكَ لِمَنْ وَقَعَتْ لَهُ مُصِيبَةٌ فِي الدِّينِ لِمَا يَشْعُرُ بِهِ حَالُهُ مِنْ شِدَّةِ النَّدَمِ وَصِحَّةِ الْإِقْلَاعِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ هَذِهِ الْوَاقِعَةَ قَبْلَ النَّهْيِ عَنْ لَطْمِ الْخُدُودِ وَحَلْقِ الشَّعْرِ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ ( وَيَقُولُ : هَلَكَ الْأَبْعَدُ ) يَعْنِي نَفْسَهُ ، وَفِي بَعْضِ الطُّرُقِ : هَلَكْتُ وَأَهْلَكْتُ ؛ أَيْ : فَعَلْتُ مَا هُوَ سَبَبٌ لِهَلَاكِي وَهَلَاكِ غَيْرِي ، وَهُوَ زَوْجَتُهُ الَّتِي وَطِئَهَا ، أَوِ الْمَعْنَى هَلَكْتُ بِوُقُوعِي فِي شَيْءٍ لَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ ، وَأَهْلَكْتُ نَفْسِي بِفِعْلِي الَّذِي جَرَّ عَلَيَّ الْإِثْمَ ، لَكِنْ زِيَادَةُ وَأَهْلَكْتُ حَكَمَ الْبَيْهَقِيُّ وَشَيْخُهُ الْحَاكِمُ بِأَنَّهَا بَاطِلَةٌ وَغَلَطٌ مِمَّنْ قَالَهَا ، كَمَا بَسَطَ ذَلِكَ فِي الْفَتْحِ ، وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ فَقَالَ : احْتَرَقْتُ احْتَرَقْتُ ، أَطْلَقَ عَلَى نَفْسِهِ ذَلِكَ مَجَازًا عَنِ الْعِصْيَانِ ، أَوْ أَنَّهُ يَحْتَرِقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّ مُرْتَكِبَ الْإِثْمِ يَسْتَحِقُّ عَذَابَ النَّارِ ، وَعَبَّرَ بِالْمَاضِي بِجَعْلِ الْمُتَوَقَّعِ كَالْوَاقِعِ ، ( فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَمَا ذَاكَ ؟ ) الَّذِي هَلَكْتَ بِهِ ، وَلِأَحْمَدَ : الَّذِي أَهْلَكَكَ ( قَالَ : أَصَبْتُ أَهْلِي ) أَيْ : جَامَعْتُ زَوْجَتِي ، وَفِي رِوَايَةٍ : وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي ، وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ : وَطِئْتُ امْرَأَتِي ، ( وَأَنَا ) أَيْ : وَالْحَالُ أَنِّي ( صَائِمٌ فِي رَمَضَانَ ) قَالَ الْحَافِظُ : يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي إِطْلَاقِ اسْمِ الْمُشْتَقِّ بَقَاءُ الْمُشْتَقِّ مِنْهُ حَقِيقَةً لِاسْتِحَالَةِ كَوْنِهِ صَائِمًا مُجَامِعًا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ ، فَعَلَى هَذَا قَوْلُهُ : وَطِئْتُ أَيْ : شَرَعْتُ فِي الْوَطْءِ ، أَوْ أَرَادَ جَامَعْتُ بَعْدَ إِذْ أَنَا صَائِمٌ . ( فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : هَلْ تَسْتَطِيعُ ) أَيْ : تَقْدِرُ ( أَنْ تَعْتِقَ رَقَبَةً ؟ فَقَالَ : لَا ) أَسْتَطِيعُ ، وَفِي رِوَايَةٍ فَقَالَ : وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَفِي أُخْرَى فَقَالَ : وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا مَلَكْتُ رَقَبَةً قَطُّ ، وَاسْتَدَلَ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ وَمُوَافِقُوهُمْ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ إِيمَانِ الرَّقَبَةِ لِإِطْلَاقِهِ فِيهَا ، وَاشْتَرَطَ إِيمَانَهَا مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَالْجُمْهُورُ لِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ السَّوْدَاءِ : أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ ، وَلِتَقْيِيدِهَا بِالْإِيمَانِ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ ، فَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ وَهُوَ الصَّوْمُ وَالظِّهَارُ عَلَى الْمُقَيَّدِ ، وَتَوَقَّفَ فِي ذَلِكَ الْأَبِيُّ بِأَنَّ حَمْلَ الْمُطَلَّقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ إِذَا اتَّحَدَ الْمُوجَبُ ، فَإِنِ اخْتَلَفَ كَالظِّهَارِ وَالْقَتْلِ فَالَّذِي يَنْقُلُهُ الْأُصُولِيُّونَ عَنْ مَالِكٍ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ عَدَمَ الْحَمْلِ كَمَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ . ( قَالَ : فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُهْدِيَ بَدَنَةً ؟ ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : مَا ذُكِرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَحْفُوظٌ مِنْ رِوَايَةِ الثِّقَاتِ الْأَثْبَاتِ إِلَّا هَذِهِ الْجُمْلَةَ فَإِنَّهَا غَيْرُ مَحْفُوظَةٍ .
وَنَقَلَ الْقَاسِمُ بْنُ عَاصِمٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ : كَذَبَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ مَا حَدَّثْتُهُ ، إِنَّمَا بَلَغَنِي أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ تَصَدَّقْ ، وَقَدِ اضْطَرَبَ فِي ذَلِكَ عَلَى الْقَاسِمِ وَلَا يَخْرُجُ بِمِثْلِهِ عَطَاءٌ فَإِنَّهُ فَوْقَهُ فِي الشُّهْرَةِ بِحَمْلِهِ الْعِلْمَ وَشُهْرَتِهِ فِيهِ ، وَفِي الْخَبَرِ أَكْثَرَ مِنَ الْقَاسِمِ ، وَإِنْ كَانَ الْبُخَارِيُّ أَدْخَلَهُ فِي كِتَابِ الضُّعَفَاءِ بِهَذَا الْخَبَرِ فَلَمْ يُتَابَعْ عَلَى ذَلِكَ ، وَقَدْ أَسْنَدَ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ ذِكْرَ الْبَدَنَةِ مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ ، فَرَوَاهُ عَنْ عَطَاءٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا : أَعْتِقْ رَقَبَةً ، ثُمَّ قَالَ : انْحَرْ بَدَنَةً ، قَالَ الْبُخَارِيُّ : لَا يُتَابَعُ عَلَيْهِ ، وَكَذَا أَسْنَدَهُ قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مُرْسَلًا ، إِلَّا أَنَّ جُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ لَمْ يَرَوْا نَحْرَ الْبَدَنِ عَمَلًا بِحَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ ، وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَفْتَى بِذَلِكَ إِلَّا الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ انْتَهَى مُلَخَّصًا ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ غَلَطَ الثِّقَةِ فِي لَفْظٍ لَا يَقْتَضِي طَرْحَ حَدِيثِهِ وَلَا تَكْذِيبَهُ دَائِمًا بَلْ يُحْكَمُ بِغَلَطِهِ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ فَقَطْ ، وَالَّذِي فِي الْأَحَادِيثِ قَالَ : فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ؟ ( قَالَ : لَا ) ، وَفِي رِوَايَةٍ : لَا أَقْدِرُ ، وَلِلْبَزَّارِ : وَهَلْ لَقِيتُ مَا لَقِيتُ إِلَّا مِنَ الصِّيَامِ ؟ ، وَسَقَطَ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ : هَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا ؟ قَالَ : لَا ، وَالْحِكْمَةُ فِي كَوْنِ هَذِهِ كَفَّارَاتٍ لِفِطْرِ الصَّائِمِ عَمْدًا سَوَاءٌ قِيلَ : إِنَّهَا عَلَى التَّرْتِيبِ أَوِ التَّخْيِيرِ أَنَّ مَنِ انْتَهَكَ حُرْمَةَ الصَّوْمِ بِالْجِمَاعِ وَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فَقَدْ أَهْلَكَ نَفْسَهُ بِالْمَعْصِيَةِ فَنَاسَبَ أَنْ يَعْتِقَ رَقَبَةً تَفْدِي نَفْسَهُ ، وَقَدْ صَحَّ مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ ، وَالصِّيَامُ كَالْمُقَاصَّةِ بِجِنْسِ الْجِنَايَةِ وَكَوْنُهُ شَهْرَيْنِ لِأَنَّهُ أَمَرَ بِمُصَابَرَةِ النَّفْسِ فِي حِفْظِ كُلِّ يَوْمٍ مِنَ الشَّهْرِ عَلَى الْوَلَاءِ ، فَلَمَّا أَفْسَدَ مِنْهُ يَوْمًا كَانَ كَمَنْ أَفْسَدَ الشَّهْرَ كُلَّهُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ عِبَادَةٌ وَاحِدَةٌ بِالنَّوْعِ فَكُلِّفَ بِشَهْرَيْنِ مُضَاعَفَةً عَلَى سَبِيلِ الْمُقَابَلَةِ لِنَقِيضِ قَصْدِهِ ، وَأَمَّا الْإِطْعَامُ فَمُنَاسَبَتُهُ ظَاهِرَةٌ لِأَنَّهُ مُقَابَلَةُ كُلِّ يَوْمٍ بِإِطْعَامِ مِسْكِينٍ ، ( قَالَ : فَاجْلِسْ ) ، قِيلَ : أَمَرَهُ بِذَلِكَ انْتِظَارًا لِمَا يَأْتِيهِ كَمَا وَقَعَ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ رَجَاءُ فَضْلِ اللَّهِ أَوِ انْتِظَارُ وَحْيٍ يَنْزِلُ فِي أَمْرِهِ ، ( فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِعَرَقِ تَمْرٍ ) أَيْ فِيهِ تَمْرٌ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ : فَجَلَسَ فَبَيْنَمَا هُوَ عَلَى ذَلِكَ إِذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ يَسُوقُ حِمَارًا عَلَيْهِ طَعَامٌ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَيْنَ الْمُحْتَرِقُ آنِفًا ؟ فَقَامَ الرَّجُلُ ( فَقَالَ : خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ ) ، وَعِنْدَ الْبَزَّارِ ، وَالطَّبَرَانِيِّ فَقَالَ : إِلَى مَنْ أَدْفَعُهُ ؟ فَقَالَ : إِلَى أَفْقَرَ مَنْ تَعْلَمُ ( فَقَالَ : مَا أَحَدٌ ) بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ ( أَحْوَجَ ) بِالنَّصْبِ وَالرَّفْعِ هَكَذَا ضُبِطَ فِي النُّسَخِ الصَّحِيحَةِ ، ( مِنِّي ، فَقَالَ : كُلْهُ ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُجْزِيهِ وَإِنَّمَا تَصَدَّقَ عَلَيْهِ لِيَتَبَلَّغَ بِهِ وَتَبْقَى الْكَفَّارَةُ فِي ذِمَّتِهِ . وَرُوِيَ : أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ وَهُوَ أَقْرَبُ إِلَى الِاحْتِمَالِ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُطْعِمَهُ مِنْ أَهْلِهِ مَنْ لَا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ وَيُجْزِي عَنْهُ . وَقَالَ الزُّهْرِيُّ : هَذَا خَاصٌّ بِذَلِكَ الرَّجُلِ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ بِبَقَاءِ الْكَفَّارَةِ فِي ذِمَّتِهِ وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى هَذَا لِأَنَّهُ قَدْ أَخْبَرَهُ بِوُجُوبِهَا عَلَيْهِ حِينَ أَمَرَهُ بِهَا ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَمَرَّ لَهُ مَزِيدٌ .
( وَصُمْ يَوْمًا مَكَانَ مَا أَصَبْتَ ) فَفِي هَذَا إِلْزَامُ الْقَضَاءِ مَعَ الْكَفَّارَةِ وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَالْجُمْهُورِ ، وَأَسْقَطَهُ بَعْضُهُمْ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي خَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَا خَبَرِ عَائِشَةَ وَلَا فِي نَقْلِ الْحَافِظِ لَهُمَا ذِكْرُ الْقَضَاءِ . وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ جَاءَ مِنْ طَرِيقٍ يُعْرَفُ بِمَجْمُوعِهَا أَنَّ لِهَذِهِ الزِّيَادَةِ أَصْلًا يَصْلُحُ لِلِاحْتِجَاجِ . وَعَنِ الْأَوْزَاعِيِّ : إِنْ كَفَرَ بِعِتْقٍ أَوْ إِطْعَامٍ قَضَى الْيَوْمَ ، وَإِنْ صَامَ شَهْرَيْنِ دَخَلَ فِيهِمَا قَضَاءُ ذَلِكَ الْيَوْمَ ، وَيُؤْخَذُ مِنْ تَنْكِيرِ يَوْمًا عِنْدَ اشْتِرَاطِ الْفَوْرِيَّةِ ، ( قَالَ مَالِكٌ : قَالَ عَطَاءٌ ) الْخُرَاسَانِيُّ ( فَسَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ : كَمْ فِي ذَلِكَ الْعَرَقِ مِنَ التَّمْرِ ؟ فَقَالَ : مَا بَيْنَ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا إِلَى عِشْرِينَ ) ، وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : فِيهِ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا .
وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ : فَأُتِيَ بِعَرَقٍ فِيهِ عِشْرُونَ صَاعًا . وَفِي مُرْسَلِ عَطَاءٍ عِنْدَ مُسَدَّدٍ : فَأَمَرَ لَهُ بِبَعْضِهِ ، وَهُوَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ ، فَمَنْ قَالَ عِشْرِينَ أَرَادَ أَصْلَ مَا كَانَ فِيهِ ، وَمَنْ قَالَ خَمْسَةَ عَشَرَ أَرَادَ قَدْرَ مَا تَقَعُ بِهِ الْكَفَّارَةُ ، وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ لِلْكَافَّةِ فِي أَنَّ الْكَفَّارَةَ مُدٌّ لِكُلِّ مِسْكِينٍ لِأَنَّ الْعَرَقَ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ . وَفِي الْحَدِيثِ اخْتِصَاصُ الْكَفَّارَةِ بِالْعَمْدِ وَهُوَ مَشْهُورُ قَوْلِ مَالِكٍ وَالْجُمْهُورِ خِلَافًا لِمَنْ أَوْجَبَهَا عَلَى النَّاسِي أَيْضًا مُتَمَسِّكًا بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَرَكَ اسْتِفْسَارَهُ عَنْ جَمَاعَةٍ هَلْ كَانَ عَمْدًا أَوْ عَنْ نِسْيَانٍ ؟ وَتَرْكُ الِاسْتِفْسَارِ فِي الْفِعْلِ مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ الْعُمُومِ فِي الْمَقَالِ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ الْحَالُ مِنْ قَوْلِهِ احْتَرَقْتُ وَهَلَكْتُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ ، وَأَيْضًا فَدُخُولُ النِّسْيَانِ فِي الْجِمَاعِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ وَإِنْ أَمْكَنَ .
( قَالَ مَالِكٌ : سَمِعْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ يَقُولُونَ : لَيْسَ عَلَى مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ بِإِصَابَةِ أَهْلِهِ نَهَارًا ) عَمْدًا ، ( أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ) الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ بِالْأَوْلَى ( الْكَفَّارَةُ الَّتِي تُذْكَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَنْ أَصَابَ أَهْلَهُ نَهَارًا فِي رَمَضَانَ ) لِأَنَّهَا لِحُرْمَةِ انْتِهَاكِهِ ، ( وَإِنَّمَا عَلَيْهِ قَضَاءُ ذَلِكَ الْيَوْمِ ) فَقَطْ ، ( قَالَ مَالِكٌ : وَهَذَا أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ فِيهِ إِلَيَّ ) وَعَلَى هَذَا الْكَافَّةُ إِلَّا قَتَادَةَ وَحْدَهُ فَقَالَ : عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ إِلَّا ابْنَ وَهْبٍ وَرِوَايَةً عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ ، فَجَعَلَا عَلَيْهِ قَضَاءَ يَوْمَيْنِ قِيَاسًا عَلَى الْحَجِّ .