بَاب مَا جَاءَ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ وَالْكَفَّارَاتِ
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ الْمَكِّيِّ : أَنَّهُ أَخْبَرَهُ قَالَ : كُنْتُ مَعَ مُجَاهِدٍ وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ فَجَاءَهُ إِنْسَانٌ فَسَأَلَهُ عَنْ صِيَامِ أَيَّامِ الْكَفَّارَةِ أَمُتَتَابِعَاتٍ أَمْ يَقْطَعُهَا ؟ قَالَ حُمَيْدٌ : فَقُلْتُ لَهُ : نَعَمْ ، يَقْطَعُهَا إِنْ شَاءَ ، قَالَ مُجَاهِدٌ : لَا يَقْطَعُهَا ، فَإِنَّهَا فِي قِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ . قَالَ مَالِكٌ : وَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَكُونَ مَا سَمَّى اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ يُصَامُ مُتَتَابِعًا . وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الْمَرْأَةِ تُصْبِحُ صَائِمَةً فِي رَمَضَانَ ، فَتَدْفَعُ دَفْعَةً مِنْ دَمٍ عَبِيطٍ فِي غَيْرِ أَوَانِ حَيْضِهَا ، ثُمَّ تَنْتَظِرُ حَتَّى تُمْسِيَ أَنْ تَرَى مِثْلَ ذَلِكَ فَلَا تَرَى شَيْئًا ، ثُمَّ تُصْبِحُ يَوْمًا آخَرَ فَتَدْفَعُ دَفْعَةً أُخْرَى وَهِيَ دُونَ الْأُولَى ، ثُمَّ يَنْقَطِعُ ذَلِكَ عَنْهَا قَبْلَ حَيْضَتِهَا بِأَيَّامٍ فَسُئِلَ مَالِك : كَيْفَ تَصْنَعُ فِي صِيَامِهَا وَصَلَاتِهَا ؟ قَالَ مَالِكٌ : ذَلِكَ الدَّمُ مِنْ الْحَيْضَةِ ، فَإِذَا رَأَتْهُ فَلْتُفْطِرْ وَلْتَقْضِ مَا أَفْطَرَتْ ، فَإِذَا ذَهَبَ عَنْهَا الدَّمُ فَلْتَغْتَسِلْ وَتَصُومُ .
وَسُئِلَ عَمَّنْ أَسْلَمَ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ : هَلْ عَلَيْهِ قَضَاءُ رَمَضَانَ كُلِّهِ أَوْ يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ الْيَوْمِ الَّذِي أَسْلَمَ فِيهِ ؟ فَقَالَ : لَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءُ مَا مَضَى ، وَإِنَّمَا يَسْتَأْنِفُ الصِّيَامَ فِيمَا يُسْتَقْبَلُ ، وَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَقْضِيَ الْيَوْمَ الَّذِي أَسْلَمَ فِيهِ . 681 677 - ( مَالِكٌ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ الْمَكِّيِّ ) الْأَعْرَجِ الْقَارِيِّ ( أَنَّهُ أَخْبَرَهُ قَالَ : كُنْتُ مَعَ مُجَاهِدِ ) بْنِ جَبْرٍ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ ، الْمَخْزُومِيِّ مَوْلَاهُمُ الْمَكِّيِّ التَّابِعِيِّ الثِّقَةِ ، الْإِمَامِ فِي التَّفْسِيرِ وَالْعِلْمِ ، مَاتَ سَنَةَ إِحْدَى أَوِ اثْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ وَمِائَةٍ ، ( وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ ، فَجَاءَهُ إِنْسَانٌ فَسَأَلَهُ عَنْ صِيَامِ أَيَّامِ الْكَفَّارَةِ أَمُتَتَابِعَاتٍ أَمْ يَقْطَعُهَا ؟ قَالَ حُمَيْدٌ : فَقُلْتُ لَهُ : نَعَمْ يَقْطَعُهَا إِنْ شَاءَ ) لِأَنَّهُ جَائِزٌ ، ( قَالَ مُجَاهِدٌ : لَا يَقْطَعُهَا فَإِنَّهَا فِي قِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ ) فِيهِ جَوَابُ الْمُتَعَلِّمِ بَيْنَ يَدَيِ الْمُعَلِّمِ ، وَحَسْبُ الشَّيْخِ إِنْ كَانَ عِنْدَهُ خِلَافُهُ أَنْ يُفْسِدَهُ وَلَا يُعَنَّفُ ، وَأَنَّ مَنْ رُدَّ عَلَى غَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ دُونَهُ ، عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِحُجَّةٍ ، وَالِاحْتِجَاجُ بِمَا لَيْسَ فِي مُصْحَفِ عُثْمَانَ ، وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ ، وَيَجْرِي عِنْدَهُمْ مَجْرَى خَبَرِ الْوَاحِدِ فِي الْعَمَلِ بِهِ دُونَ الْقَطْعِ ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ . وَقَالَ الْبَاجِيُّ : الصَّحِيحُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْبَاقِلَّانِيُّ أَنَّهُ لَا يُحْتَجُّ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَتَوَاتَرْ فَلَيْسَ بِقُرْآنٍ ، وَحِينَئِذٍ لَا يَصِحُّ التَّعَلُّقُ بِهِ .
( قَالَ مَالِكٌ : وَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَكُونَ مَا سَمَّى اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ يُصَامُ مُتَتَابِعًا ) وَكَذَا اسْتَحَبَّ الْجُمْهُورُ التَّتَابُعَ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ ، وَلَا يُوجِبُونَهُ إِلَّا فِي شَهْرَيْ كَفَّارَةِ الْقَتْلِ ، وَفِي الظِّهَارِ أَوِ الْوَطْءِ عَامِدًا فِي رَمَضَانَ ، وَيَسْتَحِبُّونَ مَا اسْتَحَبَّ مَالِكٌ فِي ذَلِكَ . وَسَأَلَ رَجُلٌ طَاوُسًا عَنْ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ فَقَالَ : صُمْ كَيْفَ شِئْتَ ، فَقَالَ مُجَاهِدٌ : إِنَّهَا فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ مُتَتَابِعَاتٍ فَقَالَ : تَأَخَّرَ الرَّجُلُ . ( وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنِ الْمَرْأَةِ تُصْبِحُ صَائِمَةً فِي رَمَضَانَ فَتَدْفَعُ دُفْعَةً ) بِضَمِّ الدَّالِّ اسْمٌ لِمَا يُدْفَعُ بِمَرَّةٍ ، وَبِفَتْحِهَا الْمَرَّةِ ، قَالَ ابْنُ فَارِسٍ : الدُّفْعَةُ مِنَ الْمَطَرِ وَالدَّمِ وَغَيْرِهِ مِثْلَ الدَّفْعَةِ ، ( مِنْ دَمٍ عَبِيطٍ ) بِمُهْمَلَةٍ أَيْ طَرِيٍّ خَالِصٍ لَا خَلْطَ فِيهِ ( فِي غَيْرِ أَوَانِ حَيْضِهَا ، ثُمَّ تَنْتَظِرُ حَتَّى تُمْسِيَ أَنْ تَرَى مِثْلَ ذَلِكَ فَلَا تَرَى شَيْئًا ، ثُمَّ تُصْبِحُ يَوْمًا آخَرَ فَتَدْفَعُ دُفْعَةً أُخْرَى وَهِيَ دُونَ الْأَوْلَى ) أَقَلُّ مِنْهَا ، ( ثُمَّ يَنْقَطِعُ ذَلِكَ عَنْهَا قَبْلَ حَيْضَتِهَا بِأَيَّامٍ ، فَسُئِلَ مَالِكٌ : كَيْفَ تَصْنَعُ فِي صِيَامِهَا وَصَلَاتِهَا ؟ قَالَ مَالِكٌ ) مُجِيبًا : ( ذَلِكَ الدَّمُ مِنَ الْحَيْضَةِ ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا ، ( فَإِذَا رَأَتْهُ فَلْتُفْطِرْ ؛ لِأَنَّ الْحَيْضَ يَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّوْمِ ، وَلْتَقْضِ مَا أَفْطَرَتْ ) وُجُوبًا ، ( فَإِذَا ذَهَبَ عَنْهَا الدَّمُ فَلْتَغْتَسِلْ وَتَصُومُ ) وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ ، قَالَ أَبُو الزِّنَادِ : إِنَّ السُّنَنَ وَوُجُوهَ الْحَقِّ لَتَأْتِيَ كَثِيرًا عَلَى خِلَافِ الرَّأْيِ ، فَمَا يَجِدُ الْمُسْلِمُونَ بُدًا مِنَ اتِّبَاعِهَا ، مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْحَائِضَ تَقْضِي الصَّوْمَ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ ، فَجُعِلَ ذَلِكَ تَعَبُّدًا .
وَفَرَّقَ الْفُقَهَاءُ بِعَدَمِ تَكَرُّرِ الصَّوْمِ فَلَا حَرَجَ فِي قَضَائِهِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ ، وَبِغَيْرِ ذَلِكَ قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ : كُلُّ مَا ذَكَرُوهُ مِنَ الْفُرُوقِ ضَعِيفٌ . ( وَسُئِلَ عَمَّنْ أَسْلَمَ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ ، هَلْ عَلَيْهِ قَضَاءُ رَمَضَانَ كُلِّهِ ؟ وَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ الْيَوْمِ الَّذِي أَسْلَمَ فِيهِ ؟ فَقَالَ : لَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءُ مَا مَضَى ) حَالَ كُفْرِهِ ، وَإِنْ قِيلَ بِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ فِي الْكُفْرِ ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يُسْقِطُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ ( سُورَةُ الْأَنْفَالِ : الْآيَةُ 38 ) ، ( وَإِنَّمَا يَسْتَأْنِفُ الصِّيَامَ فِيمَا يَسْتَقْبِلُ وَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَقْضِيَ الْيَوْمَ الَّذِي أَسْلَمَ فِيهِ ) ، وَلَا يَجِبُ خِلَافًا لِلْحَسَنِ ، وَعَطَاءٍ ، وَعِكْرِمَةَ فِي أَنَّهُ يَجِبُ قَضَاءُ الْمَاضِي ، قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَنْ أَوْجَبَ عَلَى الْكَافِرِ يُسْلِمُ ، أَوِ الصَّبِيِّ يَحْتَلِمُ صَوْمَ مَا مَضَى فَقَدْ كَلَّفَ غَيْرَ مُكَلَّفٍ ؛ لِأَنَّ الصِّيَامَ إِنَّمَا يَجِبُ عَلَى الْمُؤْمِنِ الْبَالِغِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ ( سُورَةُ الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ 183 ) وَبِحَدِيثِ : رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ فَذَكَرَ مِنْهَا الْغُلَامَ حَتَّى يَحْتَلِمَ وَالْجَارِيَةَ حَتَّى تَحِيضَ .