بَاب جَامِعِ الصِّيَامِ
بَاب جَامِعِ الصِّيَامِ 684 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ ابْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهَا قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ : لَا يُفْطِرُ وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ : لَا يَصُومُ ، وَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ قَطُّ إِلَّا رَمَضَانَ ، وَمَا رَأَيْتُهُ فِي شَهْرٍ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ . 22 - بَابُ جَامِعِ الصِّيَامِ 684 - ( مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ ) بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ سَالِمِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ ( مَوْلَى عُمَرَ ابْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ) بِضَمِّ الْعَيْنَيْنِ ، ( عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) بْنِ عَوْفٍ ، ( عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) ، هَكَذَا قَالَ أَبُو النَّضْرِ ، وَوَافَقَهُ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، وَزَيْدُ بْنُ أَبِي غِيَاثٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ ، وَعِنْدَ التِّرْمِذِيِّ كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ ، وَخَالَفَهُمْ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، وَسَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ ، فَرَوَيَاهُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَخْرَجَهُمَا النَّسَائِيُّ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ عَقِبَ طَرِيقِ سَالِمٍ : هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ رَوَاهُ عَنْ كُلٍّ مِنْ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ وَأَيَّدَهُ الْحَافِظُ بِأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيَّ رَوَاهُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ تَارَةً ، وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ تَارَةً أُخْرَى أَخْرَجَهُمَا النَّسَائِيُّ .
( أَنَّهَا قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ : لَا يُفْطِرُ ) أَيْ يَنْتَهِي صَوْمُهُ إِلَى غَايَةٍ نَقُولُ لَا يُفْطِرُ ، ( وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ لَا يَصُومُ ) أَيْ يَنْتَهِي فِطْرُهُ إِلَى غَايَةٍ كَذَلِكَ . ( وَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ قَطُّ إِلَّا رَمَضَانَ ) لِئَلَّا يُظَنَّ وُجُوبُهُ . ( وَمَا رَأَيْتُهُ فِي شَهْرٍ أَكْثَرَ ) بِالنَّصْبِ ثَانِي مَفْعُولَيْ رَأَيْتُ ( صِيَامًا ) بِالنَّصْبِ وَرُوِيَ بِالْخَفْضِ ، قَالَ السُّهَيْلِيُّ : وَهُوَ وَهْمٌ كَأَنَّهُ كُتِبَ بِلَا أَلْفٍ عَلَى لُغَةِ مَنْ يَقِفُ عَلَى الْمَنْصُوبِ الْمُنَوَّنِ بِدُونِ أَلِفٍ فَتَوَهَّمَهُ مَخْفُوضًا أَوْ ظَنَّ بَعْضُ الرُّوَاةِ أَنَّهُ مُضَافٌ ؛ لِأَنَّ صِيغَةَ أَفْعَلُ تُضَافُ كَثِيرًا فَتَوَهَّمَهَا مُضَافَةً وَهِيَ مُمْتَنِعَةٌ هُنَا قَطْعًا ، ( مِنْهُ فِي شَعْبَانَ ) مُتَعَلِّقٌ بِ صِيَامًا لِرَفْعِ أَعْمَالِ الْعِبَادِ فِيهِ ، فَفِي النَّسَائِيِّ عَنْ أُسَامَةَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ أَرَكَ تَصُومُ مِنْ شَهْرٍ مِنَ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ ، قَالَ : ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ ، فَبَيَّنَ وَجْهَ صِيَامِهِ دُونَ غَيْرِهِ بِرَفْعِ الْأَعْمَالِ فِيهِ وَأَنَّهُ يُغْفَلُ عَنْهُ ، لِأَنَّهُ لَمَّا اكْتَنَفَهُ شَهْرَانِ عَظِيمَانِ الشَّهْرُ الْحَرَامِ وَشَهْرُ الصِّيَامِ اشْتَغَلَ النَّاسُ بِهِمَا فَصَارَ مَغْفُولًا عَنْهُ ، وَنَحْوَهُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ عِنْدَ أَبِي يَعْلَى لَكِنْ قَالَ فِيهِ : إِنَّ اللَّهَ يَكْتُبُ كُلَّ نَفْسِ مَيِّتَةٍ تِلْكَ السَّنَةَ فَأُحِبُّ أَنْ يَأْتِيَ أَجَلِي وَأَنَا صَائِمٌ ، وَلَا يُعَارِضَهُ النَّهْيُ عَنْ تَقَدُّمِ رَمَضَانَ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ بِحَمْلِهِ عَلَى مَنْ لَمْ يَدْخُلْ فِي صِيَامٍ اعْتَادَهُ .
قَالَ بَعْضُهُمْ : كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَظُنُّ أَنَّ صِيَامَ رَجَبٍ أَفْضَلُ مِنْهُ لِأَنَّهُ شَهَرٌ حَرَامٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، وَقَالَ : أَكْثَرُ فِيهِ تَعْظِيمًا لِرَمَضَانَ لِحَدِيثِ أَنَسٍ : سُئِلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيُّ الصَّوْمِ أَفْضَلُ بَعْدَ رَمَضَانَ ؟ قَالَ : شَعْبَانُ لِتَعْظِيمِ رَمَضَانَ ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ غَرِيبٌ . وَيُعَارِضُهُ خَبَرُ مُسْلِمٍ الْآتِي ، وَقِيلَ : لِأَنَّهُ كَانَ يَصُومُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ، وَرُبَّمَا مَنَعَهُ مِنْ صَوْمِهَا عُذْرٌ ، وَكَانَ يَقْضِيهَا فِي شَعْبَانَ قَبْلَ تَمَامِ عَامِهِ ، وَفِيهِ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ عَائِشَةَ : كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَصُومُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ، فَرُبَّمَا أَخَّرَ ذَلِكَ حَتَّى يَجْمَعَ عَلَيْهِ صَوْمَ السَّنَةِ فَيَصُومُ شَعْبَانَ ، وَحَدِيثُ الْبَابِ دَالٌّ عَلَى ضَعْفِهِ ، فَإِنْ قِيلَ : قَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، فَكَيْفَ أَكْثَرَ مِنْهُ فِي شَعْبَانَ دُونَهُ ؟ أُجِيبَ بِاحْتِمَالِ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ فَضْلَ الْمُحَرَّمِ إِلَّا فِي آخِرِ حَيَاتِهِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ صَوْمِهِ ، أَوْ لَعَلَّهُ كَانَ يَعْرِضُ لَهُ أَعْذَارٌ تَمْنَعُ مِنْ إِكْثَارِ الصَّوْمِ فِيهِ كَسَفَرٍ وَمَرَضٍ وَغَيْرِهِمَا ، وَقَدْ عُورِضَ هَذَا الْحَدِيثُ بِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ : لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَصُومُ شَهْرًا أَكْثَرَ مِنْ شَعْبَانَ فَإِنَّهُ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ ، وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْمُرَادَ بِ كُلِّهِ غَالِبُهُ لِحَدِيثِ الْبَابِ فَهُوَ مُفَسِّرٌ لِهَذَا فَأَطْلَقَ الْكُلَّ عَلَى الْأَكْثَرِ . وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ : جَائِزٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ إِذَا صَامَ أَكْثَرَ الشَّهْرِ أَنْ يَقُولَ : صَامَ الشَّهْرَ كُلَّهُ ، وَيُقَالُ : قَامَ فُلَانٌ لَيْلَتَهُ أَجْمَعَ وَلَعَلَّهُ قَدْ تَعَشَّى وَاشْتَغَلَ بِبَعْضِ أَمْرِهِ نَقَلَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : كَأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِذَلِكَ ، فَالْمُرَادُ بِالْكُلِّ الْأَكْثَرُ وَهُوَ مَجَازٌ قَلِيلُ الِاسْتِعْمَالِ ، وَاسْتَبْعَدَهُ الطِّيبِيُّ بِأَنَّ كُلَّ تَأْكِيدٍ لِإِرَادَةِ الشُّمُولِ وَدَفْعِ التَّجَوُّزِ مِنَ احْتِمَالِ الْبَعْضِ فَتَفْسِيرُهُ بِالْبَعْضِ مُنَافٍ لَهُ انْتَهَى .
لَكِنَّ ذَلِكَ لَا يَمْتَنِعُ هُنَا لِمَا عُلِمَ أَنَّ الْحَدِيثَ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا خُصُوصًا وَالْمَخْرَجُ مُتَّحِدٌ ، وَيَكْفِي نَقْلُ ابْنِ الْمُبَارَكِ لَهُ عَنِ الْعَرَبِ وَمَنْ حَفِظَ حُجَّةٌ . وَفِي مُسْلِمٍ : مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْهَا : كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ ، قَالَ : يَصُومُ شَعْبَانَ إِلَّا قَلِيلًا ، وَلَمْ يُعَيَّنْ فَاعِلٌ ، قَالَ : وَاسْتَبْعَدَهُ الْحَافِظُ الْعِرَاقِيُّ بِأَنَّ فِي التِّرْمِذِيِّ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ : مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَصُومُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ إِلَّا شَعْبَانَ وَرَمَضَانَ ، فَعَطْفُ رَمَضَانَ عَلَيْهِ يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِشَعْبَانَ أَكْثَرَهُ إِذْ لَا يَجُوزُ أَنَّ الْمُرَادَ بِرَمَضَانَ بَعْضُهُ ، وَالْعَطْفُ يَقْتَضِي الْمُشَارَكَةَ فِيمَا عُطِفَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ مَشَى ذَلِكَ فَإِنَّمَا يَمْشِي عَلَى رَأْيِ مَنْ يَقُولُ : إِنَّ اللَّفْظَ الْوَاحِدَ يُحْمَلُ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ ، وَفِيهِ خِلَافٌ لِأَهْلِ الْأُصُولِ ، قَالَ غَيْرُهُ : بَلْ لَا يَمْشِي ذَلِكَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَيْضًا لِأَنَّ مَنْ قَالَ ذَلِكَ قَالَهُ فِي اللَّفْظِ الْوَاحِدِ ، وَمَا هُنَا لَفْظَانِ شَعْبَانُ وَرَمَضَانُ . انْتَهَى .
وَهُوَ أَيْضًا اسْتِبْعَادٌ لَا يَمْنَعُ إِرَادَتَهُ لِلْقَرِينَةِ ، وَجَمَعَ الطِّيبِيُّ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ كَانَ يَصُومُهُ كُلَّهُ فِي وَقْتٍ وَيَصُومُ مُعْظَمَهُ فِي آخَرَ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ وُجُوبُهُ كُلُّهُ كَرَمَضَانَ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ قَوْلَهَا كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ يَقْتَضِي تَكْرَارَ الْفِعْلِ وَأَنَّ ذَلِكَ عَادَةً لَهُ عَلَى مَا هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْعِبَارَةِ ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي دَلَالَةِ كَانَ عَلَى التَّكْرَارِ ، فَصَحَّحَ ابْنُ الْحَاجِبِ أَنَّهَا تَقْتَضِيهِ ، قَالَ : وَهَذَا اسْتَفَدْنَاهُ مِنْ قَوْلِهِمْ : كَانَ حَاتِمٌ يَقْرِي الضَّيْفَ ، وَصَحَّحَ الرَّازِيُّ أَنَّهَا لَا تَقْتَضِيهِ لَا لُغَةً وَلَا عُرْفًا . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : إِنَّهُ الْمُخْتَارُ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ وَالْمُحَقِّقُونَ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ . وَذَكَرَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : أَنَّهَا تَقْتَضِيهِ عُرْفًا فَالتَّعَقُّبُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ ، وَجَمَعَ أَيْضًا بِأَنَّهُ كَانَ يَصُومُ تَارَةً مِنْ أَوَّلِهِ وَأُخْرَى مِنْ وَسَطِهِ وَأُخْرَى مِنْ آخِرِهِ ، وَمَا يُخَلِّي مِنْهُ شَيْئًا بِلَا صِيَامٍ ، لَكِنْ فِي أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ أَسْمَاءَ الشُّهُورِ إِذَا ذُكِرَتْ غَيْرُ مُضَافٍ إِلَيْهَا لَفْظُ شَهْرٍ كَانَ الْعَمَلُ عَامًّا لِجَمِيعِهَا ، لَا تَقُولُ : سِرْتُ الْمُحَرَّمَ وَقَدْ سِرْتُ بَعْضًا مِنْهُ ، وَلَا تَقُولُ : صُمْتُ رَمَضَانَ وَإِنَّمَا صُمْتُ بَعْضَهُ ، فَإِنْ أَضَفْتَ الشَّهْرَ إِلَيْهِ لَمْ يَلْزَمِ التَّعْمِيمُ ، هَذَا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ وَتَبِعُوهُ عَلَيْهِ ، قَالَ الصَّفَّارُ : وَلَمْ يُخَالِفْ فِي ذَلِكَ إِلَّا الزَّجَّاجُ .
وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : إِمَّا أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُ عَائِشَةَ عَلَى الْمُبَالَغَةِ وَالْمُرَادُ الْأَكْثَرُ ، وَإِمَّا أَنْ يُجْمَعَ بِأَنَّ قَوْلَهَا الثَّانِيَ مُتَأَخِّرٌ عَنْ قَوْلِهَا الْأَوَّلِ فَأَخْبَرَتْ عَنْ أَوَّلِ أَمْرِهِ أَنَّهُ كَانَ يَصُومُ أَكْثَرَهُ ، وَأَخْبَرَتْ ثَانِيًا عَنْ آخِرِ أَمْرِهِ أَنَّهُ كَانَ يَصُومُهُ كُلَّهُ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفُهُ ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّوَابُ . وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ عَائِشَةَ فِي مُسْلِمٍ وَالنَّسَائِيِّ : وَلَا صَامَ شَهْرًا كَامِلًا قَطُّ مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ غَيْرَ رَمَضَانَ ، وَهُوَ مِثْلُ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، وَجَمَعَ أَيْضًا بِأَنَّ قَوْلَهَا : كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى حَذْفِ أَدَاةِ الِاسْتِثْنَاءِ وَالْمُسْتَثْنَى أَيْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِلَفْظِ : مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ فَإِنَّهُ كَانَ يَصُومُهُ كُلَّهُ إِلَّا قَلِيلًا ، وَهَذَا يَرْجِعُ فِي الْمَعْنَى إِلَى الْجَمْعِ الْأَوَّلِ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَمُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى ، كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ .