حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
شرح الزرقاني على الموطأ

بَاب جَامِعِ الصِّيَامِ

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الصِّيَامُ جُنَّةٌ ، فَإِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ صَائِمًا ، فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ ، فَإِنْ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ : إِنِّي صَائِمٌ ، إِنِّي صَائِمٌ . 689 685 - ( مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذَكْوَانَ ، ( عَنِ الْأَعْرَجِ ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ ، ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الصِّيَامُ جُنَّةٌ ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَشَدِّ النُّونِ أَيْ وِقَايَةٌ وَسُتْرَةٌ ، قِيلَ مِنَ الْمَعَاصِي لِأَنَّهُ يَكْسِرُ الشَّهْوَةَ وَيُضْعِفُهَا ، وَلِذَا قِيلَ : إِنَّهُ لِجَامُ الْمُتَّقِينَ ، وَجُنَّةُ الْمُحَارِبِينَ ، وَرِيَاضَةُ الْأَبْرَارِ وَالْمُقَرَّبِينَ ، وَقِيلَ : جُنَّةٌ مِنَ النَّارِ ، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لِأَنَّهُ إِمْسَاكٌ عَنِ الشَّهَوَاتِ وَالنَّارُ مَحْفُوفَةٌ بِهَا ، وَقَدْ زَادَ التِّرْمِذِيُّ ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُغِيرَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ : مِنَ النَّارِ ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي يُونُسَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : جُنَّةٌ وَحِصْنٌ حَصِينٌ مِنَ النَّارِ ، وَلِلنِّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِي جُنَّةٌ كَجُنَّةِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْقِتَالِ ، وَلِلطَّبَرَانِيِّ عَنْهُ : جُنَّةٌ يَسْتَجِنُّ بِهَا الْعَبْدُ مِنَ النَّارِ ، وَلِلْبَيْهَقِيِّ عَنْهُ : جُنَّةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ : الصِّيَامُ جُنَّةٌ مَا لَمْ يَخْرِقْهَا ، زَادَ الدَّارِمِيُّ بِالْغِيبَةِ ، وَالتَّفْسِيرَانِ مُتَلَازِمَانِ لِأَنَّهُ إِذَا كَفَّ نَفْسَهُ عَنِ الْمَعَاصِي فِي الدُّنْيَا كَانَ سِتْرًا لَهُ مِنَ النَّارِ ، وَفِي الْإِكْمَالِ : مَعْنَاهُ يَسْتُرُ مِنَ الْآثَامِ أَوْ مِنَ النَّارِ أَوْ مِنْ جَمِيعِ ذَلِكَ ، وَبِالْأَخِيرِ جَزَمَ النَّوَوِيُّ ، وَأَشَارَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إِلَى تَرْجِيحِ الصِّيَامِ عَلَى غَيْرِهِ فَقَالَ : حَسْبُكَ لِكَوْنِهِ جُنَّةً مِنَ النَّارِ فَضْلًا . وَرَوَى النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مُرْنِي بِأَمْرٍ آخُذُهُ عَنْكَ ، قَالَ : عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ ، وَفِي رِوَايَةٍ : لَا عِدْلَ لَهُ ، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ تَرْجِيحُ الصَّلَاةِ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمُ الصَّلَاةُ ، ( فَإِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ صَائِمًا فَلَا يَرْفُثْ ) بِالْمُثَلَّثَةِ وَتَثْلِيثِ الْفَاءِ أَيْ لَا يُفْحِشْ وَيَتَكَلَّمْ بِالْكَلَامِ الْقَبِيحِ ، وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الْجِمَاعِ وَمُقَدَّمَاتِهِ وَعَلَى ذِكْرِهِ مَعَ النِّسَاءِ أَوْ مُطْلَقًا ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ النَّهْيَ لِمَا هُوَ أَعَمُّ مِنْهَا .

( وَلَا يَجْهَلْ ) أَيْ لَا يَفْعَلْ فِعْلَ الْجُهَّالِ كَصِيَاحٍ وَسَفَهٍ وَسُخْرِيَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ . وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : وَلَا يُجَادِلْ ، وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ مَمْنُوعَةٌ مُطْلَقًا لَكِنَّهَا تَتَأَكَّدُ بِالصَّوْمِ ، وَلِذَا قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : لَا يُفْهَمُ مِنْ هَذَا إِبَاحَةُ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الصَّوْمِ ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّ الْمَنْعَ مِنْ ذَلِكَ يَتَأَكَّدُ بِالصَّوْمِ . قَالَ الْبَاجِيُّ : الْجَهْلُ ضِدُّ الْعِلْمِ يَتَعَدَّى بِغَيْرِ حَرْفِ جَرِّ ، وَالْجَهْلُ ضِدُّ الْحِلْمِ يَتَعَدَّى بِحَرْفِ الْجَرِّ ، قَالَ الشَّاعِرُ : أَلَا لَا يَجْهَلَنْ أَحَدٌ عَلَيْنَا ( فَإِنْ ) بِتَخْفِيفِ النُّونِ وَفِي رِوَايَةٍ : وَإِنْ بِالْوَاوِ ، ( امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ ) ، قَالَ عِيَاضٌ : قَاتَلَهُ دَافَعَهُ وَنَازَعَهُ وَيَكُونُ بِمَعْنَى شَاتَمَهُ وَلَاعَنَهُ ، وَقَدْ جَاءَ الْقَتْلُ بِمَعْنَى اللَّعْنِ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ : فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ ، وَفِي رِوَايَةٍ : فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ مَارَاهُ يَعْنِي جَادَلَهُ ، وَلِأَحْمَدَ : فَإِنْ شَاتَمَكَ أَحَدٌ فَقُلْ : إِنِّي صَائِمٌ ، وَإِنْ كُنْتَ قَائِمًا فَاجْلِسْ ، وَاسْتُشْكِلَ ظَاهِرُهُ بِأَنَّ الْمُفَاعَلَةَ تَقْتَضِي وُقُوعَ الْفِعْلِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ مَعَ أَنَّ الصَّائِمَ مَأْمُورٌ بِأَنْ يَكُفَّ نَفْسَهُ عَنْ ذَلِكَ .

وَأَجَابَ الْبَاجِيُّ بِأَنَّ الْمُفَاعَلَةَ هُنَا لِلْوَاحِدِ كَسَافَرَ ، أَوِ الْمَعْنَى : فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُشَاتِمَهُ أَوْ يُقَاتِلَهُ أَوْ إِنْ وُجِدَتْ مِنْهُمَا جَمِيعًا فَلْيَذْكُرِ الصَّوْمَ وَلَا يَسْتَدِمْ ذَلِكَ . وَأَجَابَ غَيْرُهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُفَاعَلَةِ التَّهَيُّؤُ لَهَا ، أَيْ أَنْ يَتَهَيَّأَ أَحَدٌ لِقِتَالِهِ أَوْ مُشَاتَمَتِهِ . ( فَلْيَقُلْ : إِنِّي صَائِمٌ إِنِّي صَائِمٌ ) مَرَّتَيْنِ تَأْكِيدًا لِلِانْزِجَارِ مِنْهُ أَوْ مِمَّنْ يُخَاطِبُهُ .

قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : قِيلَ : يَقُولُهُ بِلِسَانِهِ لِلْمُشَاتِمِ وَالْمُقَاتِلِ أَيْ وَصَوْمِي يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ ، وَمَعْنَى الْمُقَاتِلَةِ مُقَاتَلَتُهُ بِلِسَانِهِ ، وَقِيلَ : يَقُولُهُ فِي نَفْسِهِ أَيْ فَلَا سَبِيلَ إِلَى شِفَاءِ غَيْظِكَ ، وَلَا يَنْطِقُ بِأَنِّي صَائِمٌ لِمَا فِيهِ مِنَ الرِّيَاءِ وَإِطْلَاعِ النَّاسِ عَلَيْهِ لِأَنَّ الصَّوْمَ مِنَ الْعَمَلِ الَّذِي لَا يَظْهَرُ ، وَلِذَا يَجْزِي اللَّهُ الصَّائِمَ أَجْرَهُ بِغَيْرِ حِسَابٍ انْتَهَى . وَبِالثَّانِي جَزَمَ الْمُتَوَلِّي وَنَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنِ الْأَئِمَّةِ ، وَرَجَّحَ النَّوَوِيُّ الْأَوَّلَ فِي الْأَذْكَارِ ، وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذِّبِ : كُلٌّ مِنْهُمَا حَسَنٌ وَالْقَوْلُ بِاللِّسَانِ أَقْوَى وَلَوْ جَمَعَهُمَا كَانَ حَسَنًا ، وَنَقَلَ الزَّرْكَشِيُّ : إِنَّ ذِكْرَهَا فِي الْحَدِيثِ مَرَّتَيْنِ إِشَارَةٌ لِذَلِكَ فَيَقُولُهَا بِقَلْبِهِ لِيَكُفَّ نَفْسَهُ وَبِلِسَانِهِ لِيَكُفَّ خَصْمَهُ ، وَقَالَ الرُّويَانِيُّ : إِنْ كَانَ فِي رَمَضَانَ فَبِلِسَانِهِ وَإِلَّا فَفِي نَفْسِهِ . وَادَّعَى ابْنُ الْعَرَبِيِّ أَنَّ الْخِلَافَ فِي النَّفْلِ أَمَّا الْفَرْضُ فَبِلِسَانِهِ قَطْعًا ، وَقَالَ فِي الْمَصَابِيحِ : الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ عِلَّةٌ لِتَأْكِيدِ الْمَنْعِ فَكَأَنَّهُ يَقُولُ لِخَصْمِهِ : إِنِّي صَائِمٌ تَحْذِيرًا وَتَهْدِيدًا بِالْوَعِيدِ الْمُتَوَجِّهِ عَلَى مَنِ انْتَهَكَ حُرْمَةَ الصَّائِمِ ، وَتَذَرَّعَ إِلَى تَنْقِيصِ أَجْرِهِ بِإِيقَاعِهِ فِي الْمُشَاتَمَةِ أَوْ بِذِكْرِ نَفْسِهِ تَشْدِيدَ الْمَنْعِ الْمُعَلَّلِ بِالصَّوْمِ ، وَيَكُونُ مِنْ إِطْلَاقِ الْقَوْلِ عَلَى الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ ظَاهِرُ كَوْنِ الصَّوْمِ جُنَّةً أَنْ يَقِيَ صَاحِبَهُ مِنْ أَنْ يُؤْذَى كَمَا يَقِيهِ أَنْ يُؤْذِيَ ، وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيِّ ، عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عِنْدَ مُسْلِمٍ .

ورد في أحاديث2 حديثان
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث