حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
شرح الزرقاني على الموطأ

بَاب مَا جَاءَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ

695
حَدَّثَنِي زِيَاد عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْوُسُطَ مِنْ رَمَضَانَ فَاعْتَكَفَ عَامًا حَتَّى إِذَا كَانَ لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَخْرُجُ فِيهَا مِنْ صُبْحِهَا مِنْ اعْتِكَافِهِ ، قَالَ : مَنْ اعْتَكَفَ مَعِيَفَلْيَعْتَكِفْ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ ، وَقَدْ رَأَيْتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ ثُمَّ أُنْسِيتُهَا ، وَقَدْ رَأَيْتُنِي أَسْجُدُ مِنْ صُبْحِهَا فِي مَاءٍ وَطِينٍ ، فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ ، وَالْتَمِسُوهَا فِي كُلِّ وِتْرٍ ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ : فَأُمْطِرَتْ السَّمَاءُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ ، وَكَانَ الْمَسْجِدُ عَلَى عَرِيشٍ فَوَكَفَ الْمَسْجِدُ ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ : فَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انْصَرَفَ وَعَلَى جَبْهَتِهِ وَأَنْفِهِ أَثَرُ الْمَاءِ وَالطِّينِ مِنْ صُبْحِ لَيْلَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ .
6
بَابُ مَا جَاءَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِعِظَمِ قَدْرِهَا ، أَيْ ذَاتُ الْقَدْرِ الْعَظِيمِ لِنُزُولِ الْقُرْآنِ فِيهَا وَلِوَصْفِهَا بِأَنَّهَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ( سُورَةُ الْقَدْرِ : الْآيَةُ 3 ) ، أَوْ لِتَنَزُّلِ الْمَلَائِكَةِ فِيهَا أَوْ لِنُزُولِ الْبَرَكَةِ وَالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ فِيهَا ، أَوْ لِمَا يَحْصُلُ لِمَنْ أَحْيَاهَا بِالْعِبَادَةِ مِنَ الْقَدْرِ الْجَسِيمِ ، وَقِيلَ : الْقَدْرُ هُنَا التَّضْيِيقُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ ( سُورَةُ الطَّلَاقِ : الْآيَةُ 7 ) ، وَمَعْنَى التَّضْيِيقِ إِخْفَاؤُهَا عَنِ الْعِلْمِ بِتَعْيِينِهَا أَوْ لِضِيقِ الْأَرْضِ فِيهَا عَنِ الْمَلَائِكَةِ ، وَقِيلَ : الْقَدْرُ هُنَا بِمَعْنَى الْقَدَرِ بِفَتْحِ الدَّالِ الْمُوَاخِي لِلْقَضَاءِ ، أَيْ يُقَدَّرُ فِيهَا أَحْكَامُالسَّنَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ( سُورَةُ الدُّخَانِ : الْآيَةُ 4 ) ، وَبِهِ صَدَّرَ النَّوَوِيُّ وَنَسَبَهُ لِلْعُلَمَاءِ ، وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَغَيْرُهُ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَقَتَادَةَ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ ، وَقَالَ التُّورِبِشَتِيُّ : إِنَّمَا جَاءَ الْقَدْرُ بِسُكُونِ الدَّالِ وَإِنْ كَانَ الشَّائِعُ فِي الْقَدَرِ مُوَاخِي الْقَضَاءِ فَتْحَهَا لِيُعْلَمَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا أُرِيدَ بِهِ تَفْصِيلُ مَا جَرَى بِهِ الْقَضَاءُ وَإِظْهَارُهُ وَتَحْدِيدُهُ فِي تِلْكَ السَّنَةِ لِيَحْصُلَ مَا يُلْقَى إِلَيْهِمْ فِيهَا مِقْدَارٌ بِمِقْدَارٍ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : الْقَدْرُ بِسُكُونِ الدَّالِ وَيَجُوزُ فَتْحُهَا مَصْدَرُ قَدَّرَ اللَّهُ الشَّيْءَ قَدْرًا وَقَدَرًا ، كَالنَّهْرِ وَالنَّهَرِ . 701
695
( مَالِكٌ ، عَنْ يَزِيدَ ) بِتَحْتِيَّةٍ قَبْلَ الزَّايِ ( ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ ) بِلَا يَاءٍ بَعْدَ الدَّالِ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ الْمَدَنِيِّ الْمُتَوَفَّى سَنَةَ تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ ، ( عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ ) تَيْمِ قُرَيْشٍ الْمَدَنِيِّ ، الْمُتَوَفَّى سَنَةَ عِشْرِينَ وَمِائَةٍ عَلَى الصَّحِيحِ ، ( عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بْنِ عَوْفٍ ( عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ) سَعْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ ( أَنَّهُ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْوُسُطَ ) بِضَمِّ الْوَاوِ وَالسِّينِ جَمْعُ وُسْطَى ، وَيُرْوَى بِفَتْحِ السِّينِ مِثْلُ : كَبَرَ وَكَبُرَ ، وَرَوَاهُ الْبَاجِيُّ بِإِسْكَانِهَا جَمْعُ وَاسِطٍ كَبَازِلٍ وَبُزْلٍ ، قَالَهُ الْحَافِظُ .

وَتَعَقَّبَهُ السُّيُوطِيُّ بِأَنَّ الَّذِي فِي مُنْتَقَى الْبَاجِيِّ وَقَعَ فِي كِتَابِي مُقَيَّدًا بِضَمِّ الْوَاوِ وَالسِّينِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ جَمْعُ وَاسِطٍ ، قَالَ فِي الْعَيْنِ : وَاسِطُ الرَّحْلِ مَا بَيْنَ قَادِمَتِهِ وَآخِرَتِهِ ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : وَسَطَ الْبُيُوتَ بَسَطَهَا إِذَا نَزَلَ وَسَطَهَا ، وَاسْمُ الْفَاعِلِ وَاسِطٌ ، وَيُقَالُ فِي جَمْعِهِ وُسْطٌ ، كَبَازِلٍ وَبُزْلٌ . وَأَمَّا الْوَسَطُ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَالسِّينِ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ جَمْعُ أَوْسَطًا ، وَهُوَ جَمْعُ وَسِيطٍ ، كَمَا يُقَالُ : كَبِيرًا وَأَكْبَرًا وَأَكْبَرَ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ اسْمٌ لِجَمْعِ الْوَقْتِ عَلَى التَّوْحِيدِ كَوَسَطِ الدَّارِ ، وَوَسَطِ الْوَقْتِ وَالشَّهْرِ ، فَإِنْ كَانَ قُرِئَ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَالسِّينِ فَهَذَا عِنْدِي مَعْنَاهُ ( مِنْ رَمَضَانَ ) فِيهِ مُدَاوَمَتُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى ذَلِكَ ، فَالِاعْتِكَافُ فِيهِ سُنَّةٌ لِمُوَاظَبَتِهِ عَلَيْهِ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَلَعَلَّ مُرَادَهُ رَمَضَانُ لَا بِقَيْدِ وَسَطِهِ إِذْ هُوَ لَمْ يُدَاوِمْ عَلَيْهِ . ( فَاعْتَكَفَ عَامًا ) مَصْدَرُ عَامَ إِذَا سَبَحَ فَالْإِنْسَانُ يَعُومُ فِي دُنْيَاهُ عَلَى الْأَرْضِ طُولَ حَيَاتِهِ ، فَإِذَا مَاتَ غَرِقَ فِيهَا أَيِ اعْتَكَفَ فِي رَمَضَانَ فِي عَامٍ ، ( حَتَّى إِذَا كَانَ لَيْلَةً ) بِالنَّصْبِ وَضَبَطَهُ بَعْضُهُمْ بِالرَّفْعِ فَاعِلُ كَانَ التَّامَّةِ بِمَعْنَى ثَبَتَ نَحْوَهُ ، ( إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَخْرُجُ فِيهَا ) ، وَقَوْلُهُ : ( مِنْ صُبْحِهَا ) رِوَايَةُ يَحْيَى ، وَابْنِ بُكَيْرٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَرَوَاهُ الْقَعْنَبِيُّ ، وَابْنُ الْقَاسِمِ ، وَابْنُ وَهْبٍ وَجَمَاعَةٌ يَخْرُجُ فِيهَا ( مِنِ اعْتِكَافِهِ ) لَمْ يَقُولُوا مِنْ صُبْحِهَا ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ ، وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ : مَنِ اعْتَكَفَ أَوَّلَ الشَّهْرِ أَوْ وَسَطَهُ خَرَجَ إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ آخِرَ يَوْمٍ مِنَ اعْتِكَافِهِ ، وَمَنِ اعْتَكَفَ مِنْ آخِرِ الشَّهْرِ فَلَا يَنْصَرِفُ إِلَى بَيْتِهِ حَتَّى يَشْهَدَ الْعِيدَ .

قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَقَدِ اسْتَشْكَلَ ابْنُ حَزْمٍ وَغَيْرُهُ هَذِهِ الرِّوَايَةَ بِأَنَّ ظَاهِرَهَا أَنَّهُ خَطَبَ أَوَّلَ الْيَوْمِ الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ ، فَأَوَّلُ لَيَالِي اعْتِكَافِهِ الْآخِرِ لَيْلَةُ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ ، فَيُخَالِفُ قَوْلَهُ آخِرَ الْحَدِيثِ : فَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَلَى جَبْهَتِهِ أَثَرُ الْمَاءِ وَالطِّينِ مِنْ صُبْحِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ ، فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْخُطْبَةَ كَانَتْ فِي صُبْحِ الْيَوْمِ الْعِشْرِينَ ، وَوُقُوعُ الْمَطَرِ فِي لَيْلَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ ، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِبَقِيَّةِ الطُّرُقِ ، فَكَانَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ تَجُوُّزًا أَيْ مِنَ الصُّبْحِ الَّذِي قَبْلَهَا ، فَنِسْبَةُ الصُّبْحِ إِلَيْهَا مَجَازٌ . وَحَكَى الْمُطَرِّزُ أَنَّ الْعَرَبَ قَدْ تَجْعَلُ لَيْلَةَ الْيَوْمِ الْآتِيَةِ بَعْدَهُ ، وَمِنْهُ : عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا ( سُورَةُ النَّازِعَاتِ : الْآيَةُ 46 ) فَأَضَافَهُ إِلَى الْعَشِيَّةِ وَهُوَ قَبْلَهَا ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي رِوَايَةٍ لِلشَّيْخَيْنِ : فَإِذَا كَانَ حِينَ يُمْسِي مِنْ عِشْرِينَ لَيْلَةٍ تَمْضِي وَيَسْتَقْبِلُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ رَجَعَ إِلَى مَسْكَنِهِ وَهَذَا فِي غَايَةِ الْإِيضَاحِ . وَقَالَ السِّرَاجُ الْبُلْقِينِيُّ : الْمَعْنَى حَتَّى إِذَا كَانَ الْمُسْتَقْبَلُ مِنَ اللَّيَالِي لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ ، وَقَوْلُهُ : وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَخْرُجُ الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلَى اللَّيْلَةِ الْمَاضِيَةِ وَيُؤَيِّدُ هَذَا أَنَّهُ ( قَالَ مَنِ اعْتَكَفَ مَعِي ) الْعَشْرَ الْوَسَطَ ( فَلْيَعْتَكِفِ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ ) لِأَنَّهُ لَا يَتِمُّ ذَلِكَ إِلَّا بِإِدْخَالِهِ اللَّيْلَةَ الْأُولَى .

وَفِي رِوَايَةٍ لِلشَّيْخَيْنِ : فَخَطَبَنَا صَبِيحَةَ عِشْرِينَ ، وَفِي أُخْرَى لَهُمَا : فَخَطَبَ النَّاسَ فَأَمَرَهُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ قَالَ : كُنْتُ أُجَاوِرُ هَذا الْعَشْرَ ، ثُمَّ بَدَا لِي أَنْ أُجَاوِرَ هَذا الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ ، فَمَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِي فَلْيَثْبُتْ فِي مُعْتَكَفِهِ . وَفِي مُسْلِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ : أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأُوَلَ مِنْ رَمَضَانَ ، ثُمَّ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأَوْسَطَ فِي قُبَّةٍ تُرْكِيَّةٍ عَلَى سُدَّتِهَا حَصِيرٌ ، فَأَخَذَهُ فَنَحَّاهُ فِي نَاحِيَةِ الْقُبَّةِ ثُمَّ كَلَّمَ النَّاسَ فَقَالَ : إِنِّي اعْتَكَفْتُ الْعَشْرَ الْأُوَلَ ، أَلْتَمِسُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ ، ثُمَّ اعْتَكَفْتُ الْعَشْرَ الْأَوْسَطَ ، ثُمَّ أُوتِيتُ فَقِيلَ لِي : إِنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَعْتَكِفَ فَلْيَعْتَكِفْ ، فَاعْتَكَفَ النَّاسُ مَعَهُ ، وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ : أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَاهُ فِي الْمَرَّتَيْنِ فَقَالَ لَهُ : إِنَّ الَّذِي تَطْلُبُ أَمَامَكَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْمِيمِ أَيْ قُدَّامَكَ ، ( وَقَدْ رَأَيْتُ ) وَفِي رِوَايَةٍ أُرِيِتُ بِهَمْزَةِ أَوَّلِهِ مَضْمُومَةٍ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ أَيْ أُعْلِمْتُ ، ( هَذِهِ اللَّيْلَةَ ) نَصِبَ مَفْعُولٌ بِهِ لَا ظَرْفٌ ، أَيْ أُرِيتَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ . وَجَوَّزَ الْبَاجِيُّ أَنَّ الرُّؤْيَةَ بِمَعْنَى الْبَصَرِ أَيْ رَأَى عَلَامَتَهَا الَّتِي أُعْلِمَتْ لَهُ بِهَا وَهِيَ السُّجُودُ فِي الْمَاءِ وَالطِّينِ ، ( ثُمَّ أُنْسِيتُهَا ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ ، قَالَ الْقَفَّالُ : لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ رَأَى الْمَلَائِكَةَ وَالْأَنْوَارَ عِيَانًا ثُمَّ نَسِيَ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ رَأَى ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا قَلَّ أَنْ يُنْسَى ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ كَذَا وَكَذَا ، فَنَسِيَ كَيْفَ قِيلَ لَهُ .

( وَقَدْ رَأَيْتُنِي ) بِضَمِّ التَّاءِ ، وَفِيهِ عَمَلُ الْفِعْلِ فِي ضَمِيرَيِ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ وَهُوَ الْمُتَكَلِّمُ ، وَذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِ أَفْعَالِ الْقُلُوبِ أَيْ رَأَيْتُ نَفْسِي ، ( أَسْجُدُ مِنْ صُبْحَتِهَا ) بِمَعْنَى فِي كَقَوْلِهِ تَعَالَى : مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ( سُورَةُ الْجُمُعَةِ : الْآيَةُ 9 ) ، أَوْ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ الزَّمَانِيَّةِ ، ( فِي مَاءٍ وَطِينٍ ) عَلَامَةٌ جُعِلَتْ لَهُ يَسْتَدِلُّ بِهَا عَلَيْهَا ، ثُمَّ الْمُرَادُ أَنَّهُ نَسِيَ عِلْمَ تَعْيِينِهَا تِلْكَ السَّنَةِ لَا رَفْعَ وَجُودِهَا لِأَمْرِهِ بِطَلَبِهَا بِقَوْلِهِ : ( فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ ) مِنْ رَمَضَانَ ، ( وَالْتَمِسُوهَا فِي كُلِّ وِتْرٍ ) مِنْهُ أَيْ أَوْتَارِ لَيَالِيهِ ، وَأَوَّلُهَا لَيْلَةَ الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ إِلَى آخَرِ لَيْلَةِ التَّاسِعِ وَالْعِشْرِينَ ، وَهَذَا لَا يُنَافِي قَوْلُهُ : الْتَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُحَدِّثْ بِمَا هُنَا جَازِمًا بِهِ ، قَالَ الْبَاجِيُّ : يُحْتَمَلُ فِي ذَلِكَ الْعَامِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ الْأَغْلَبُ فِي كُلِّ عَامٍ ، وَيَدُلُّ عَلَى الْأَوَّلِ أَنَّهُ رُوِيَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : إِنِّي قَدْ رَأَيْتُهَا فَنُسِّيتُهَا وَهِيَ لَيْلَةُ مَطَرٍ وَرِيحٍ ، أَوْ قَالَ : قَطْرٍ وَرِيحٍ . ( قَالَ أَبُو سَعِيدٍ : فَأَمْطَرَتِ السَّمَاءُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ ) ، يُقَالُ فِي اللَّيْلَةِ الْمَاضِيَةِ اللَّيْلَةُ إِلَى الزَّوَالِ فَيُقَالُ الْبَارِحَةَ . وَفِي رِوَايَةٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ : وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ قَزَعَةً فَجَاءَتْ سَحَابَةٌ فَمَطَرَتْ حَتَّى سَالَ سَقْفُ الْمَسْجِدِ ( وَكَانَ الْمَسْجِدُ عَلَى عَرِيشٍ ) أَيْ عَلَى مِثْلِ الْعَرِيشِ ، وَإِلَّا فَالْعَرِيشُ هُوَ السَّقْفُ ، أَيْ أَنَّهُ كَانَ مُظَلَّلًا بِالْخُوصِ وَالْجَرِيدِ ، وَلَمْ يَكُنْ مُحْكَمَ الْبِنَاءِ بِحَيْثُ يَكِنُّ مِنَ الْمَطَرِ .

وَفِي رِوَايَةٍ : وَكَانَ السَّقْفُ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ ، ( فَوَكَفَ الْمَسْجِدُ ) أَيْ سَالَ مَاءُ الْمَطَرِ مِنْ سَقْفِهِ فَهُوَ مِنْ ذِكْرِ الْمَحَلِّ وَإِرَادَةِ الْحَالِ . ( قَالَ أَبُو سَعِيدٍ : فَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ ) تَوْكِيدٌ كَقَوْلِكَ : أَخَذْتُ بِيَدِي ، وَإِنَّمَا يُقَالُ فِي أَمْرٍ يَعِزُّ الْوُصُولُ إِلَيْهِ إِظْهَارًا لِلتَّعَجُّبِ مِنْ تِلْكَ الْحَالَةِ الْغَرِيبَةِ . ( رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انْصَرَفَ وَعَلَى جَبْهَتِهِ ) ، وَفِي رِوَايَةٍ : جَبِينِهِ ( وَأَنْفِهِ أَثَرُ الْمَاءِ وَالطِّينِ مِنْ ) صَلَاةِ ( صُبْحِ لَيْلَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ انْصَرَفَ ، وَفِي رِوَايَةٍ : فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ وَقَدِ انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ ، وَوَجْهُهُ وَأَنْفُهُ فِيهِمَا الْمَاءُ وَالطِّينُ تَصْدِيقُ رُؤْيَاهُ ، وَفِيهِ السُّجُودُ عَلَى الطِّينِ ، وَحَمَلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى الْخَفِيفِ وَالسُّجُودُ عَلَى الْجَبْهَةِ وَالْأَنْفِ جَمِيعًا ، فَإِنْ سَجَدَ عَلَى أَنْفِهِ وَحْدَهُ لَمْ يُجْزِهِ ، وَعَلَى جَبْهَتِهِ وَحْدَهَا أَسَاءَ وَأَجْزَأَهُ قَالَهُ مَالِكٌ .

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يُجْزِئُهُ بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِذَا سَجَدَ عَلَى جَبْهَتِهِ أَوْ ذَقَنِهِ أَوْ أَنْفِهِ أَجْزَأَ لِخَبَرِ : أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ آرَابٍ وَذَكَرَ مِنْهَا الْوَجْهَ ، فَأَيُّ شَيْءٍ وُضِعَ مِنَ الْوَجْهِ أَجْزَأَهُ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ ؛ لِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ ذَكَرَ فِيهِ جَمْعٌ مِنَ الْحُفَّاظِ الْجَبْهَةَ وَالْأَنْفَ ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَطُرُقُهُ كَثِيرَةٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَذَا أَصَحُّ حَدِيثٍ فِي الْبَابِ .

ورد في أحاديث1 حديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث