حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
شرح الزرقاني على الموطأ

بَاب مَا يُنْهَى عَنْهُ مِنْ لُبْسِ الثِّيَابِ فِي الْإِحْرَامِ

بَاب مَا يُنْهَى عَنْهُ مِنْ لُبْسِ الثِّيَابِ فِي الْإِحْرَامِ 710 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنْ الثِّيَابِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا تَلْبَسُوا الْقُمُصَ وَلَا الْعَمَائِمَ وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ ، وَلَا الْبَرَانِسَ ، وَلَا الْخِفَافَ ، إِلَّا أَحَدٌ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ ، وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ ، وَلَا تَلْبَسُوا مِنْ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ وَلَا الْوَرْسُ . قَالَ يَحْيَى : سُئِلَ مَالِكٌ عَمَّا ذُكِرَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ فَقَالَ : لَمْ أَسْمَعْ بِهَذَا ، وَلَا أَرَى أَنْ يَلْبَسَ الْمُحْرِمُ سَرَاوِيلَ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ لُبْسِ السَّرَاوِيلَاتِ فِيمَا نَهَى عَنْهُ مِنْ لُبْسِ الثِّيَابِ الَّتِي لَا يَنْبَغِي لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَلْبَسَهَا ، وَلَمْ يَسْتَثْنِ فِيهَا كَمَا اسْتَثْنَى فِي الْخُفَّيْنِ . 3 - بَابُ مَا يُنْهَى عَنْهُ مِنْ لُبْسِ الثِّيَابِ فِي الْإِحْرَامِ قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : الْإِحْرَامُ الدُّخُولُ فِي أَحَدِ النُّسُكَيْنِ وَالتَّشَاغُلُ بِأَعْمَالِهِمَا ، وَقَدْ كَانَ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ يَسْتَشْكِلُ مَعْرِفَةَ حَقِيقَةِ الْإِحْرَامِ وَيَبْحَثُ فِيهِ كَثِيرًا ، وَإِذَا قِيلَ إِنَّهُ النِّيَّةُ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ فِي الْحَجِّ الَّذِي الْإِحْرَامُ رُكْنُهُ ، وَشَرْطُ الشَّيْءِ غَيْرُهُ ، وَيَعْتَرِضُ عَلَى أَنَّهُ التَّلْبِيَةُ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِرُكْنٍ وَالْإِحْرَامُ هُنَا رُكْنٌ ، وَكَانَ يُحْرِمُ عَلَى تَعْيِينِ فِعْلٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ النِّيَّةُ فِي الِابْتِدَاءِ انْتَهَى .

وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُحْرِمَ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ أَحْرَمَ بِمَعْنَى دَخَلَ فِي الْحُرْمَةِ أَيْ أَدْخَلَ نَفْسَهُ وَصَيَّرَهَا مُتَلَبِّسَةً بِالسَّبَبِ الْمُقْتَضِي لِلْحُرْمَةِ لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي عِبَادَةِ الْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةُ أَوْ هُمَا مَعًا ، فَحَرُمَ عَلَيْهِ الْأَنْوَاعُ السَّبْعَةُ : لُبْسُ الْمَخِيطِ ، وَالطِّيبُ ، وَدَهْنُ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ ، وَإِزَالَةُ الشَّعَرِ وَالظُّفُرِ ، وَالْجِمَاعُ وَمُقَدِّمَاتُهُ ، وَالصَّيْدُ ، فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ النِّيَّةَ مُغَايِرَةٌ لَهُ لِشُمُولِهَا لَهُ وَلِغَيْرِهِ لِأَنَّهَا قَصْدُ فِعْلِ الشَّيْءِ تَقَرُّبًا إِلَى اللَّهِ ، فَأَرْكَانُ الْحَجِّ مَثَلًا : الْإِحْرَامُ وَالطَّوَافُ وَالْوُقُوفُ وَالسَّعْيُ ، وَالنِّيَّةُ : فِعْلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَرْبَعَةِ تَقَرُّبًا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَبِهَذَا يَزُولُ الْإِشْكَالُ ، وَكَانَ الَّذِي كَانَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ مَا ذُكِرَ . 716 710 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا ) ، قَالَ الْحَافِظُ : لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ ، ( سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ ؟ ) وَلِلْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ ، عَنْ نَافِعٍ : مَا نَلْبَسُ مِنَ الثِّيَابِ إِذَا أَحْرَمْنَا ؟ وَهُوَ مُشْعِرٌ بِأَنَّ السُّؤَالَ كَانَ قَبْلَ الْإِحْرَامِ . وَحَكَى الدَّارَقُطْنِيُّ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيِّ أَنَّ فِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، وَاللَّيْثِ ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ ، وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ عَنْهُمَا ، نَعَمْ أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ كِلَاهُمَا عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : نَادَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَخْطُبُ بِذَلِكَ الْمَكَانِ ، وَأَشَارَ نَافِعٌ إِلَى مُقَدَّمِ الْمَسْجِدِ فَظَهَرَ أَنَّ السُّؤَالَ كَانَ بِالْمَدِينَةِ .

وَلِلْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَطَبَ بِذَلِكَ فِي عَرَفَاتٍ فَيُحْمَلُ عَلَى التَّعَدُّدِ . وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ابْتَدَأَ بِهِ فِي الْخُطْبَةِ . وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ : أَجَابَ بِهِ السَّائِلَ ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا تَلْبَسُوا الْقُمُصَ ) بِضَمِّ الْقَافِ وَالْمِيمِ جَمْعُ قَمِيصٍ ، وَفِي رِوَايَةِ التِّنِّيسِيِّ : لَا يَلْبَسُ بِالرَّفْعِ عَلَى الْأَشْهَرِ خَبَرٌ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ إِذْ هُوَ جَوَابُ السُّؤَالِ أَوْ خَبَرٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ وَبِالْجَزْمِ عَلَى النَّهْيِ وَكُسِرَ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ .

( وَلَا الْعَمَائِمَ ) جَمْعُ عِمَامَةٍ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تَعُمُّ جَمِيعَ الرَّأْسِ ، ( وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ ) جَمْعُ سِرْوَالٍ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ ، وَالسَّرَاوِينُ بِالنُّونِ لُغَةٌ وَبِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ لُغَةٌ أَيْضًا . ( وَلَا الْبَرَانِسَ ) جَمْعُ بُرْنُسٍ بِضَمِّ النُّونِ ، قَالَ الْمَجْدُ : قَلَنْسُوَةٌ طَوِيلَةٌ أَوْ كُلُّ ثَوْبٍ رَأْسُهُ مِنْهُ ، دُرَّاعَةٌ كَانَ أَوْ جُبَّةٌ . ( وَلَا الْخِفَافَ ) بِكَسْرِ الْخَاءِ ، جَمْعُ خُفٍّ ، فَنَبَّهَ بِالْقَمِيصِ عَلَى كُلِّ مَا فِي مَعْنَاهُ وَهُوَ الْمَخِيطُ ، وَالْمَخِيطُ الْمَعْمُولُ عَلَى قَدْرِ الْبَدَنِ ، وَبِالسَّرَاوِيلِ عَلَى الْمَخِيطِ الْمَعْمُولِ عَلَى قَدْرِ عُضْوٍ مِنْهُ كَالتُّبَّانِ وَالْقُفَّازِ وَغَيْرِهِمَا ، وَبِالْعَمَائِمِ وَالْبَرَانِسِ عَلَى كُلِّ مَا يُغَطِّي الرَّأْسَ مَخِيطًا أَوْ غَيْرَهُ ، وَبِالْخِفَافِ عَلَى كُلِّ مَا يَسْتُرُ الرِّجْلَ مِنْ مَدَاسٍ وَجَوْرَبٍ وَغَيْرِهِمَا .

وَالْمُرَادُ بِتَحْرِيمِ الْمَخِيطِ مَا يُلْبَسُ عَلَى الْوَضْعِ الَّذِي جُعِلَ لَهُ وَلَوْ فِي بَعْضِ الْبَدَنِ ، فَلَوِ ارْتَدَى بِالْقَمِيصِ مَثَلًا فَلَا ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : ذَكَرَ الْعِمَامَةَ وَالْبُرْنُسَ مَعًا لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَغْطِيَةُ الرَّأْسِ لَا بِالْمُعْتَادِ وَلَا بِالنَّادِرِ وَمِنْهُ الْمِكْتَلُ يَحْمِلُهُ عَلَى رَأْسِهِ ، قَالَ الْحَافِظُ : إِنْ أَرَادَ لَبِسَهُ كَالْقُبَّعِ صَحَّ مَا قَالَ ، وَإِلَّا فَمُجَرَّدُ وَضْعِهِ عَلَى رَأْسِهِ عَلَى هَيْئَةِ الْحَامِلِ لَهُ لَا يَضُرُّ فِي مَذْهَبِهِ كَالِانْغِمَاسِ فِي الْمَاءِ فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى لَابِسًا ، وَكَذَا سَتْرُ الرَّأْسِ بِالْيَدِ ، وَأَجْمَعُوا عَلَى اخْتِصَاصِ النَّهْيِ بِالرَّجُلِ ، فَيَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ لُبْسُ جَمِيعِ مَا ذُكِرَ حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ . فَإِنْ قِيلَ : السُّؤَالُ وَقَعَ عَمَّا يَجُوزُ لُبْسُهُ وَالْجَوَابُ وَقَعَ عَمَّا لَا يَجُوزُ فَمَا حِكْمَتُهُ ؟ أَجَابَ الْعُلَمَاءُ كَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ : بِأَنَّ هَذَا الْجَوَابَ مِنْ بَدِيعِ الْكَلَامِ وَجَزْلِهِ لِأَنَّ مَا لَا يُلْبَسُ مُنْحَصِرٌ فَصَرَّحَ بِهِ ، وَأَمَّا الْجَائِزُ فَغَيْرُ مُنْحَصِرٍ فَقَالَ : لَا يُلْبَسُ كَذَا أَيْ يُلْبَسُ مَا سِوَاهُ . وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ : أَجَابَ بِمَا لَا يُلْبَسُ لِيَدُلَّ بِالِالْتِزَامِ مِنْ طَرِيقِ الْمَفْهُومِ عَلَى مَا لَا يَجُوزُ ، وَإِنَّمَا عَدَلَ عَنِ الْجَوَابِ لِأَنَّهُ أَحْصَرُ وَأَخْصَرُ ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ حَقَّ السُّؤَالِ أَنْ يَكُونَ عَمَّا لَا يُلْبَسُ لِأَنَّ الْحُكْمَ الْعَارِضَ فِي الْإِحْرَامِ الْمُحْتَاجَ لِبَيَانِهِ ، إِذِ الْجَوَازُ ثَابِتٌ بِالْأَصْلِ الْمَعْلُومِ بِالِاسْتِصْحَابِ فَكَانَ اللَّائِقُ السُّؤَالُ عَمَّا لَا يُلْبَسُ ، قَالَ : وَهَذَا يُشْبِهُ أُسْلُوبَ الْحَكِيمِ وَيَقْرُبُ مِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ ( سُورَةُ الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ 215 ) الْآيَةَ ، فَعَدَلَ عَنْ جِنْسِ الْمُنْفَقِ وَهُوَ الْمَسْؤولُ عَنْهُ إِلَى جِنْسِ الْمُنْفَقِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ الْأَهَمُّ .

وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : يُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْجَوَابِ مَا يَحْصُلُ مِنْهُ الْمَقْصُودُ كَيْفَ كَانَ وَلَوْ بِتَغْيِيرٍ أَوْ زِيَادَةٍ وَلَا تُشْتَرَطُ الْمُطَابَقَةُ . قَالَ الْحَافِظُ : وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَهِيَ الْمَشْهُورَةُ عَنْ نَافِعٍ . وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو عُوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ : مَا يَتْرُكُ الْمُحْرِمُ وَهِيَ شَاذَّةٌ وَالِاخْتِلَافُ فِيهَا عَلَى ابْنِ جُرَيْجٍ لَا عَلَى نَافِعٍ .

وَرَوَاهُ سَالِمٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ : أَنَّ رَجُلًا قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا يَجْتَنِبُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ ؟ ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَأَبُو عُوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ نَافِعٍ ، فَالِاخْتِلَافُ فِيهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ فَقَالَ مَرَّةً مَا يَتْرُكُ وَمَرَّةً مَا يَلْبَسُ ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ نَافِعٍ ، فَالِاخْتِلَافُ فِيهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ يُشْعِرُ بِأَنَّ بَعْضَهُمْ ، رَوَاهُ بِالْمَعْنَى فَاسْتَقَامَتْ رِوَايَةُ نَافِعٍ لِعَدَمِ الِاخْتِلَافِ فِيهَا وَاتَّجَهَ الْبَحْثُ الْمُتَقَدِّمُ وَطَعَنَ بَعْضُهُمْ فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ : إِنَّهُ مِنْ أُسْلُوبِ الْحَكِيمِ ، بِأَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُ الْجَوَابُ بِمَا يَحْصُرُ أَنْوَاعَ مَا يُلْبَسُ كَأَنْ يُقَالَ مَا لَيْسَ بِمَخِيطٍ ، وَلَا عَلَى قَدْرِ الْبَدَنِ كَالْقَمِيصِ أَوْ بَعْضِهِ كَالسَّرَاوِيلِ وَالْخُفِّ وَلَا يَسْتُرُ الرَّأْسَ أَصْلًا وَلَا يُلْبَسُ مَا مَسُّهُ يُوجِبُ الْفِدْيَةَ ( إِلَّا أَحَدًا ) بِالنَّصْبِ عَرَبِيٌّ جَيِّدٌ ، وَرُوِيَ بِالرَّفْعِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ فِي الِاسْتِثْنَاءِ الْمُتَّصِلِ بَعْدَ النَّفْيِ وَشِبْهِهِ ( لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ ) زَادَ مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ زِيَادَةً حَسَنَةً تُفِيدُ ارْتِبَاطَ ذِكْرِ النَّعْلَيْنِ بِمَا سَبَقَ وَهِيَ قَوْلُهُ : وَلْيُحْرِمْ أَحَدُكُمْ فِي إِزَارٍ وَرِدَاءٍ وَنَعْلَيْنِ فَإِنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ ( فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ ) ظَاهِرُهُ الْوُجُوبُ لَكِنَّهُ لَمَّا شُرِعَ لِلتَّسْهِيلِ لَمْ يُنَاسِبِ التَّثْقِيلَ وَإِنَّمَا هُوَ لِلرُّخْصَةِ ، قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : يُسْتَفَادُ مِنْهُ جَوَازُ اسْتِعْمَالِ أَحَدٍ فِي الْإِثْبَاتِ خِلَافًا لِمَنْ خَصَّهُ بِضَرُورَةِ الشِّعْرِ كَقَوْلِهِ : وَقَدْ ظَهَرْتَ فَلَا تَخْفَى عَلَى أَحَدٍ إِلَّا عَلَى أَحَدٍ لَا يَعْرِفُ الْقَمَرَا قَالَ : وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي بِالِاسْتِقْرَاءِ أَنَّ أَحَدًا لَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْإِثْبَاتِ إِلَّا أَنْ يَعْقُبَهُ النَّفْيُ وَكَانَ الْإِثْبَاتُ حِينَئِذٍ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ ، وَنَظِيرُ هَذَا زِيَادَةُ الْبَاءِ ، فَإِنَّهَا إِنَّمَا تَكُونُ فِي النَّفْيِ ، وَقَدْ زِيدَتْ فِي الْإِثْبَاتِ الَّذِي هُوَ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى ( سُورَةُ الْأَحْقَافِ : الْآيَةُ 33 ) ، ( وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ ) وَهُمَا الْعَظْمَانِ النَّاتِئَانِ عِنْدَ مَفْصِلِ السَّاقِ وَالْقَدَمِ ، وَفِيهِ أَنَّ وَاجِدَ النَّعْلَيْنِ لَا يَلْبَسُ الْخُفَّيْنِ الْمَقْطُوعَيْنِ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ ، وَأَجَازَهُ الْحَنَفِيَّةُ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ . قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : إِنْ صَارَا كَالنَّعْلَيْنِ جَازَ وَإِلَّا فَمَتَى سَتَرَا مِنْ ظَاهِرِ الرِّجْلِ شَيْئًا لَمْ يَجُزْ إِلَّا لِلْفَاقِدِ ، وَهُوَ مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَحْصِيلِهِ لِفَقْدِهِ أَوْ تَرْكِ بَذْلِ الْمَالِكِ لَهُ أَوْ عَجْزِهِ عَنِ الثَّمَنِ إِنْ وُجِدَ مَعَهُ ، أَوْ عَنِ الْأُجْرَةِ وَلَوْ بِيعَ بِغَبْنٍ لَمْ يَلْزَمْهُ شِرَاؤُهُ ، أَوْ وُهِبَ لَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ إِلَّا إِنْ أُعِيرَ لَهُ ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا فِدْيَةَ عَلَى مَنْ لَبِسَهُمَا إِذَا لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ ، وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ : تَجِبُ كَمَا إِذَا احْتَاجَ لِحَلْقِ رَأْسِهِ يَحْلِقُ وَيَفْتَدِي ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهَا لَوْ وَجَبَتْ لَبَيَّنَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّهُ وَقْتُ الْحَاجَةِ ، وَأَيْضًا لَوْ وَجَبَتْ فَدِيَةٌ لَمْ يَكُنْ لِلْقَطْعِ فَائِدَةٌ لِأَنَّهَا تَجِبُ إِذَا لَبِسَهُمَا بِلَا قَطْعٍ ، فَإِنْ لَبِسَهُمَا مَعَ وُجُودِ نَعْلَيْنِ افْتَدَى عِنْدَ مَالِكٍ ، وَاللَّيْثِ ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : لَا فِدْيَةَ ، وَعَنِ الشَّافِعِيِّ الْقَوْلَانِ ، وَظَاهِرُهُ أَيْضًا أَنَّ قَطْعَهُمَا شَرْطٌ فِي جَوَازِ لُبْسِهِمَا خِلَافًا لِلْمَشْهُورِ عَنْ أَحْمَدَ فِي إِجَازَةِ لُبْسِهِمَا بِلَا قَطْعٍ لِإِطْلَاقِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَجَابِرٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِلَفْظِ : وَمَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يُوَافِقُ عَلَى حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيِّدِ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ بِهِ هُنَا فَإِنَّ حَمْلَهُ عَلَيْهِ جَيِّدٌ لِأَنَّ التَّقْيِيدَ وَرَدَ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ ، وَذَلِكَ زِيَادَةٌ عَلَى الصُّوَرِ الْمُطْلَقَةِ ، فَلَوْ عَمِلَ بِالْمُطْلَقِ الَّذِي هُوَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَلْغَى الْأَمْرَ وَذَلِكَ لَا يَسُوغُ ، وَزَعَمَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ نَسْخَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِقَوْلِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ - وَقَدْ رَوَى الْحَدِيثَيْنِ - : انْظُرُوا أَيُّهُمَا قَبْلُ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقَالَ : إِنَّ أَبَا بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيَّ قَالَ : حَدِيثُ ابْنُ عُمَرَ قَبْلُ لِأَنَّهُ بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ بِعَرَفَاتٍ . وَأَجَابَ الشَّافِعِيُّ عَنْ هَذَا فِي الْأُمِّ فَقَالَ : كِلَاهُمَا صَادِقٌ حَافِظٌ ، وَزِيَادَةُ ابْنِ عُمَرَ لَا تُخَالِفُ ابْنَ عَبَّاسٍ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ عَزَبَتْ عَنْهُ أَوْ شَكَّ أَوْ قَالَهَا فَلَمْ يَنْقُلْهَا عَنْهُ بَعْضُ رُوَاتِهِ ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مُوَافَقَتَهُ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ : وَإِذَا لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ وَلِيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ ، وَزِيَادَةُ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ ، وَبَعْضُهُمْ سَلَكَ التَّرْجِيحَ فَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ اخْتُلِفَ فِي رَفْعِهِ وَوَقْفِهِ ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ لَمْ يُخْتَلَفْ فِي رَفْعِهِ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَهُوَ مَرْدُودٌ فَلَمْ يُخْتَلَفْ عَلَى ابْنِ عُمَرَ فِي رَفْعِ الْأَمْرِ بِالْقَطْعِ إِلَّا فِي رِوَايَةٍ شَاذَّةٍ ، عَلَى أَنَّهُ اخْتُلِفَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ مَوْقُوفًا ، وَلَا يَرْتَابُ أَحَدٌ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ لِأَنَّهُ جَاءَ بِإِسْنَادٍ وُصِفَ بِأَنَّهُ أَصَحُّ الْأَسَانِيدِ ، وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ عَنْهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْحُفَّاظِ مِنْهُمْ نَافِعٌ وَسَالِمٌ ، بِخِلَافِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَلَمْ يَأْتِ مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْهُ حَتَّى قَالَ الْأَصِيلِيُّ : إِنَّهُ شَيْخٌ بَصْرِيٌّ لَا يُعْرَفُ مَعَ أَنَّهُ مَعْرُوفٌ مَوْصُوفٌ بِالْفِقْهِ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ ، وَمِنْهُمْ مَنِ اعْتَلَّ بِقَوْلِ عَطَاءٍ : الْقَطْعُ فَسَادٌ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْفَسَادَ إِنَّمَا يَكُونُ فِيمَا نَهَى عَنْهُ الشَّارِعُ لَا فِيمَا أَذِنَ فِيهِ ، وَحَمْلُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ الْأَمْرَ بِالْقَطْعِ عَلَى الْإِبَاحَةِ لَا عَلَى الِاشْتِرَاطِ عَمَلًا بِالْحَدِيثَيْنِ لَا يَخْفَى تَكَلُّفُهُ ، ( وَلَا تَلْبَسُوا ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَثَالِثِهِ ( مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ ) بِالتَّعْرِيفِ ، وَلِيَحْيَى النَّيْسَابُورِيِّ زَعْفَرَانٌ بِالتَّنْكِيرِ مُنَوَّنٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إِلَّا أَلِفٌ وَنُونٌ فَقَطْ ، وَهُوَ لَا يُمْنَعُ الصَّرْفَ .

( وَلَا الْوَرْسُ ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَسِينٍ مُهْمَلَةٍ ، نَبْتٌ أَصْفَرُ طَيِّبُ الرِّيحِ يُصْبَغُ بِهِ . وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : لَيْسَ الْوَرْسُ بِطِيبٍ ، وَلَكِنَّهُ نَبَّهَ بِهِ عَلَى اجْتِنَابِ الطِّيبِ وَمَا يُشْبِهُهُ فِي مُلَايَمَةِ الشَّمِّ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ تَحْرِيمُ أَنْوَاعِ الطِّيبِ عَلَى الْمُحْرِمِ ، وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ فِيمَا يُقْصَدُ بِهِ التَّطَيُّبُ ، وَهَذَا الْحُكْمُ شَامِلٌ لِلنِّسَاءِ ، قِيلَ : فَعَدَلَ عَمَّا تَقَدَّمَ إِشَارَةً إِلَى اشْتِرَاكِهِمَا وَفِيهِ نَظَرٌ ، بَلِ الظَّاهِرُ أَنَّ نُكْتَةَ الْعُدُولِ أَنَّ الَّذِي يُخَالِطُهُ الزَّعْفَرَانُ وَالْوَرْسُ لَا يَجُوزُ لُبْسُهُ سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يَلْبَسُهُ الْمُحْرِمُ أَوْ لَا يَلْبَسُهُ قَالَهُ الْحَافِظُ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا تَنَافِيَ بَيْنَ النُّكْتَتَيْنِ . وَقَالَ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ : نَبَّهَ بِهِمَا عَلَى مَا هُوَ أَطْيَبُ رَائِحَةً مِنْهُمَا كَالْمِسْكِ وَالْعَنْبَرِ وَنَحْوِهِمَا ، وَإِذَا حَرُمَ فِي الثَّوْبِ فَفِي الْبَدَنِ أَوْلَى ، وَفِي مَعْنَاهُ تَحْرِيمُهُ فِي الْمَأْكُولِ لِأَنَّ النَّاسَ يَقْصِدُونَ تَطْيِيبَ طَعَامِهِمْ كَمَا يَقْصِدُونَ تَطْيِيبَ لِبَاسِهِمْ ، وَكُلُّ هَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ ، وَهَذَا فِيمَا يُقْصَدُ لِلتَّطَيُّبِ بِهِ ، أَمَّا الْفَوَاكِهُ كَالْأُتْرُجِّ وَالتُّفَّاحِ وَأَزْهَارِ الْبَرِّ كَالشِّيحِ وَالْقَيْصُومِ وَنَحْوِهِمَا فَلَيْسَ بِحَرَامٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْصَدُ لِلتَّطَيُّبِ انْتَهَى .

لَكِنْ فِي حِكَايَةِ الِاتِّفَاقِ فِي الْمَأْكُولِ الْمُطَيَّبِ نَظَرٌ لِأَنَّ فِيهِ خِلَافًا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ . وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ : لَا يَحْرُمُ لِأَنَّ الْوَارِدَ اللُّبْسُ ، وَالتَّطَيُّبُ وَالْأَكْلُ لَا يُعَدُّ تَطَيُّبًا . قَالَ الْعُلَمَاءُ : وَالْحِكْمَةُ فِي مَنْعِ الْمُحْرِمِ مِنَ اللِّبَاسِ وَالطِّيبِ أَنَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجِمَاعِ وَلِأَنَّهُ مُنَافٍ لِلْحَجِّ ، فَإِنَّ الْحَاجَّ أشعث أَغْبَرُ ، وَالْقَصْدُ عَنْ أَنْ يَبْعُدَ عَنِ التَّرَفُّهِ وَزِينَةِ الدُّنْيَا وَمَلَاذِّهَا ، وَيَنْجَمِعَ هَمُّهُ لِمَقَاصِدِ الْآخِرَةِ وَالِاتِّصَافِ بِصِفَةِ الْخَاشِعِ ، وَلِيَتَذَكَّرَ الْقُدُومَ عَلَى رَبِّهِ فَيَكُونَ أَقْرَبَ إِلَى مُرَاقَبَتِهِ وَامْتِنَاعِهِ مِنِ ارْتِكَابِ الْمَحْظُورَاتِ ، وَلِيَتَذَكَّرَ بِهِ الْمَوْتَ وَلُبْسَ الْأَكْفَانِ ، وَيَتَذَكَّرَ الْبَعْثَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً ، وَلِيَتَفَاءَلَ بِتَجَرُّدِهِ عَنْ ذُنُوبِهِ .

وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ ، وَمُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى ، وَأَبُو دَاوُدَ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ ، وَالنَّسَائِيُّ عَنْ قُتَيْبَةَ ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي مُصْعَبٍ ، السِّتَّةُ عَنْ مَالِكٍ ، وَلَهُ طُرُقٌ عِنْدَهُمْ . ( قَالَ يَحْيَى : سُئِلَ مَالِكٌ عَمَّا ذُكِرَ ) فِيمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ ( عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : ) مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ ، ( وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : السَّرَاوِيلُ لِمَنْ لَا يَجِدُ الْإِزَارَ ، وَالْخُفُّ لِمَنْ لَا يَجِدُ النَّعْلَيْنِ ، ( فَقَالَ : لَمْ أَسْمَعْ بِهَذَا ، وَلَا أَرَى أَنْ يَلْبَسَ الْمُحْرِمُ سَرَاوِيلَ ) عَلَى صِفَةِ لُبْسِهَا بِلَا فَتْقٍ ؛ ( لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى ) فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ( عَنْ لُبْسِ السَّرَاوِيلَاتِ فِيمَا نَهَى عَنْهُ مَنْ لُبِسَ الثِّيَابِ الَّتِي لَا يَنْبَغِي ) لَا يَجُوزُ ( لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَلْبَسَهَا ، وَلَمْ يَسْتَثْنِ فِيهَا كَمَا اسْتَثْنَى فِي الْخُفَّيْنِ ) فَيُحْمَلُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ عَلَى مَا إِذَا فَتَقَهُ وَجَعَلَ مِنْهُ شِبْهَ إِزَارٍ ، فَيَجُوزُ كَمَا جَازَ لُبْسُ الْخُفَّيْنِ الْمَقْطُوعَيْنِ ، أَوْ عَلَى حَالِهِ لِضَرُورَةِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ ، وَلَكِنْ تَجِبُ الْفِدْيَةُ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ ، كَمَا لَوِ اضْطُرَّ إِلَى تَغْطِيَةِ رَأْسِهِ فَيُغَطِّيهَا وَيَفْتَدِي جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَشَارَ إِلَيْهِمَا عِيَاضٌ ، وَقَوْلُ الْخَطَّابِيِّ : الْأَصْلُ أَنَّ تَضْيِيعَ الْمَالِ حَرَامٌ ، وَالرُّخْصَةُ جَاءَتْ فِي اللُّبْسِ ، فَظَاهِرُهَا إِبَاحَةُ اللُّبْسِ الْمُعْتَادِ إِبَاحَةً لَا تَقْتَضِي غَرَامَةً ، وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ وَاجِبٌ ، فَإِذَا فَتَقَ السِّرْوَالَ وَاتَّزَرَ بِهِ لَمْ يَسْتُرْهَا وَالْخُفُّ لَا يُغَطِّي عَوْرَةً ، إِنَّمَا هُوَ لِبَاسُ رِفْقٍ وَزِينَةٍ فَلَا يَشْتَبِهَانِ فِيهِ نَظَرٌ ، فَالْمَانِعُ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ الَّذِي قَالَ بِهِ أَحْمَدُ ، وَالشَّافِعِيُّ وَالْجُمْهُورُ وَأَنَّهُ لَا فِدْيَةَ حَدِيثُ النَّهْيِ عَنْهَا ، وَزَعْمُهُ أَنَّهَا لَا تَسْتُرُ الْعَوْرَةَ إِنْ فُتِقَتْ وَاتَّزَرَ بِهَا مُكَابَرَةٌ ، وَالْغَرَامَةُ لِلْمُحْرِمِ بِالْفِدْيَةِ مَعْهُودَةٌ كَثِيرًا وَتَخْيِيرُهُ بَيْنَ الْفَتْقِ وَالِاتِّزَارِ وَبَيْنَ لُبْسِهَا كَمَا هِيَ وَالْفِدْيَةِ تَنْفِي ضَرَرَهُ .

ورد في أحاديث20 حديثًا
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث