بَاب مَا لَا يُوجِبُ الْإِحْرَامَ مِنْ تَقْلِيدِ الْهَدْيِ
رَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، عَنْ عَائِشَةَ ، وَقِيلَ لَهَا إِنَّ زِيَادًا إِذَا بَعَثَ بِالْهَدْيِ أَمْسَكَ عَمَّا يُمْسِكُ عَنْهُ الْمُحْرِمُ ، حَتَّى يُنْحَرَ هَدْيُهُ ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ : أَوَلَهُ كَعْبَةٌ يَطُوفُ بِهَا ؟ ( قَالَتْ عَمْرَةُ ) بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ ( قَالَتْ عَائِشَةُ : لَيْسَ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، أَنَا فَتَلْتُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِيَدَيَّ ) - بِفَتْحِ الدَّالِ وَشَدِّ الْيَاءِ - وَفِي رِوَايَةٍ بِالْإِفْرَادِ عَلَى إِرَادَةِ الْجِنْسِ ، وَفِيهِ رَفْعٌ مَجَازٌ أَنْ تَكُونَ أَرَادَتْ أَنَّهَا فَتَلَتْ بِأَمْرِهَا ، ( ثُمَّ قَلَّدَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِيَدِهِ ) الشَّرِيفَةِ ، ( ثُمَّ بَعَثَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ أَبِي ) - بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ ، وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ الْخَفِيفَةِ - تُرِيدُ أَبَاهَا أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ، فَأَفَادَتْ أَنَّ وَقْتَ الْبَعْثِ كَانَ سَنَةَ تِسْعٍ عَامَ حَجَّ أَبُو بَكْرٍ بِالنَّاسِ ، قَالَ ابْنُ التِّينِ : أَرَادَتْ عَائِشَةُ بِذَلِكَ عِلْمَهَا بِجَمِيعِ الْقِصَّةِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تُرِيدَ أَنَّهُ آخِرُ فِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّهُ حَجَّ فِي الْعَامِ الَّذِي يَلِيهِ حَجَّةُ الْوَدَاعِ ، لِئَلَّا يَظُنَّ ظَانٌّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ نُسِخَ ، فَأَرَادَتْ إِزَالَةَ هَذَا اللَّبْسِ ، وَأَكْمَلَتْ ذَلِكَ بِقَوْلِهَا : ( فَلَمْ يَحْرُمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَيْءٌ أَحَلَّهُ اللَّهُ لَهُ ) ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : فَأَصْبَحَ فِينَا حَلَالًا يَأْتِي مَا يَأْتِي الْحَلَالُ مِنْ أَهْلِهِ ، ( حَتَّى نُحِرَ الْهَدْيُ ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ ، أَيْ وَانْقَضَى أَمْرُهُ وَلَمْ يُحْرِمْ ، وَبُعْدُ ذَلِكَ أَوْلَى ، لِأَنَّهُ إِذَا انْتَفَى فِي وَقْتِ الشُّبْهَةِ ، فَلَأَنْ تَنْتَفِيَ عِنْدَ انْتِفَائِهَا أَوْلَى ، وَحَاصِلُ اعْتِرَاضِهَا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَاسَ التَّوْلِيَةَ فِي أَمْرِ الْهَدْيِ عَلَى الْمُبَاشَرَةِ لَهُ ، فَبَيَّنَتْ أَنَّ هَذَا الْقِيَاسَ لَا اعْتِبَارَ لَهُ فِي مُقَابَلَةِ هَذِهِ السُّنَّةِ الظَّاهِرَةِ ، وَقَدْ وَافَقَ ابْنَ عَبَّاسٍ ابْنُ عُمَرَ عِنْدَ ابْنِ الْمُنْذِرِ ، وَابْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، وَقَيْسُ بْنُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ ، وَعُمَرُ ، وَعَلِيٌّ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ مُنْقَطِعٍ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَعَطَاءٌ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَآخَرُونَ لِمَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ ، وَغَيْرُهُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ جَابِرٍ عَنْ أَبِيهِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَدَّ قَمِيصَهُ مِنْ جَيْبِهِ حَتَّى أَخْرَجَهُ مِنْ رِجْلَيْهِ ، وَقَالَ : إِنِّي أَمَرْتُ بِبُدْنِي الَّتِي بَعَثْتُ بِهَا أَنْ تُقَلَّدَ الْيَوْمَ ، وَتُشْعَرَ عَلَى مَكَانِ كَذَا فَلَبِسْتُ قَمِيصِي ، وَنَسِيتُ ، فَلَمْ أَكُنْ لِأَخْرُجَ مِنْ قَمِيصِي مِنْ رَأْسِي وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ ، فَلَا حُجَّةَ فِيهِ . وَقَدْ جَاءَ عَنِ الزُّهْرِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ اسْتَقَرَّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ ، فَقَالَ : أَوَّلُ مَنْ كَشَفَ الْعَمَاءَ عَنِ النَّاسِ ، وَبَيَّنَ لَهُمُ السُّنَّةَ فِي ذَلِكَ عَائِشَةُ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ عَنْ عَمْرَةَ عَنْهَا ، وَقَالَ : لَمَّا بَلَغَ النَّاسَ قَوْلُهَا أَخَذُوا بِهِ ، وَتَرَكُوا فَتْوَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ ، وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ تَنَاوُلُ الْكَبِيرِ الشَّيْءَ بِنَفْسِهِ ، وَإِنْ كَانَ لَهُ مَنْ يَكْفِيهِ إِذَا كَانَ مِمَّا يُهْتَمُّ بِهِ ، وَلَا سِيَّمَا مَا كَانَ مِنْ إِقَامَةِ الشَّرَائِعِ ، وَأُمُورِ الدِّيَانَةِ ، وَفِيهِ تَعَقَّبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عَلَى بَعْضٍ ، وَرُدَّ الِاجْتِهَادُ بِالنَّصِّ ، وَأَنَّ الْأَصْلَ فِي أَفْعَالِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التَّأَسِّي بِهِ حَتَّى تَثْبُتَ الْخُصُوصِيَّةُ . وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ هُنَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَفِي الْوَكَالَةِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، وَمُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى ، الثَّلَاثَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ .