بَاب الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ الْأَسْلَمِيِّ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ فَقَالَ : أَعْتَمِرُ قَبْلَ أَنْ أَحُجَّ ؟ فَقَالَ سَعِيدٌ : نَعَمْ ، قَدْ اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ . 768 758 - ( مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ الْأَسْلَمِيِّ ) ، الْمَدَنِيِّ ، الصَّدُوقِ ، ( أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ ، فَقَالَ : أَعْتَمِرُ ) - بِتَقْدِيرِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ - ( قَبْلَ أَنْ أَحُجَّ ؟ فَقَالَ سَعِيدٌ : نَعَمْ ، قَدِ اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ ) ثَلَاثَ عُمَرٍ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : يَتَّصِلُ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ وُجُوهٍ صِحَاحٍ ، وَهُوَ أَمْرٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي جَوَازِ الْعُمْرَةِ قَبْلَ الْحَجِّ لِمَنْ شَاءَ .
وَفِي الصَّحِيحِ : أَنَّ عِكْرِمَةَ بْنَ خَالِدٍ سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ عَنِ الْعُمْرَةِ قَبْلَ الْحَجِّ ، فَقَالَ : لَا بَأْسَ ، اعْتَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ . وَلِأَحْمَدَ ، وَابْنِ خُزَيْمَةَ ، فَقَالَ : لَا بَأْسَ عَلَى أَحَدٍ أَنْ يَعْتَمِرَ قَبْلَ الْحَجِّ . وَرَوَى أَحْمَدُ ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ الْمَخْزُومِيِّ ، قَالَ : قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فِي نَفَرٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ ، فَلَقِيتُ ابْنَ عُمَرَ ، فَقُلْتُ : إِنَّا لَمْ نَحُجَّ قَطُّ ، أَفَنَعْتَمِرُ مِنَ الْمَدِينَةِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَمَا يَمْنَعُكُمْ مِنْ ذَلِكَ ؟ قَدِ اعْتَمَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عُمَرَهُ كُلَّهَا قَبْلَ حَجِّهِ ، فَاعْتَمَرْنَا .
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فَرْضَ الْحَجِّ كَانَ قَدْ نَزَلَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْلَ اعْتِمَارِهِ ، وَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ ، هَلِ الْحَجُّ عَلَى الْفَوْرِ ، أَوِ التَّرَاخِي ؟ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي ، إِذْ لَوْ كَانَ وَقْتُهُ مُضَيَّقًا لَوَجَبَ إِذَا أَخَّرَهُ إِلَى سَنَةٍ أُخْرَى أَنْ يَكُونَ قَضَاءً ، وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ . وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّ الْقَضَاءَ خَاصٌّ بِمَا وُقِّتَ بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ مُضَيَّقٍ ، كَالصَّلَاةِ ، وَالصِّيَامِ ، وَأَمَّا مَا لَيْسَ كَذَلِكَ ، فَلَا يُعَدُّ تَأْخِيرُهُ قَضَاءٌ ، سَوَاءٌ كَانَ عَلَى الْفَوْرِ ، أَوْ عَلَى التَّرَاخِي ، كَمَا فِي الزَّكَاةِ يُؤَخِّرُهَا بَعْدَ تَمَكُّنِهِ مِنْ أَدَائِهَا فَوْرًا ، فَإِنَّهُ إِثْمٌ ، وَلَا يُعَدُّ أَدَاؤُهُ بَعْدَ ذَلِكَ قَضَاءً ، بَلْ هُوَ أَدَاءٌ ، وَمِنْ ذَلِكَ الْإِسْلَامُ وَاجِبٌ عَلَى الْكُفَّارِ فَوْرًا ، فَلَوْ تَرَاخَى عَنْهُ كَافِرٌ ، ثُمَّ أَسْلَمَ لَمْ يُعَدُّ ذَلِكَ قَضَاءً ، وَنُوزِعَ أَيْضًا بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ صِحَّةِ تَقْدِيمِ أَحَدِ النُّسُكَيْنِ عَلَى الْآخَرِ نَفْيُ الْفَوْرِيَّةِ .