بَاب مَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أَكْلُهُ مِنْ الصَّيْدِ
( تَخَلَّفَ مَعَ أَصْحَابٍ لَهُ مُحْرِمِينَ ، وَهُوَ غَيْرُ مُحْرِمٍ ) ، وَفِي الْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ : وَهُمْ مُحْرِمُونَ ، وَأَنَا رَجُلٌ حِلٌّ عَلَى فَرَسِي ، وَكُنْتُ رَقَّاءً عَلَى الْجِبَالِ ، فَبَيْنَا أَنَا عَلَى ذَلِكَ ، إِذْ رَأَيْتُ النَّاسَ مُتَشَوِّقِينَ ، فَذَهَبْتُ أَنْظُرُ ( فَرَأَى حِمَارًا وَحْشِيًّا ، فَاسْتَوَى عَلَى فَرَسِهِ ) فِي رِوَايَةِ عَمْرٍو : وَكُنْتُ نَسِيتُ سَوْطِيَ وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ : ثُمَّ رَكِبْتُهُ ، فَسَقَطَ مِنِّي سَوْطِي ، فَلَعَلَّهُ أَطْلَقَ النِّسْيَانَ عَلَى السُّقُوطِ ، أَوْ عَكْسِهِ تَجُوُّزًا ( فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ أَنْ يُنَاوِلُوهُ سَوْطَهُ ، فَأَبَوْا عَلَيْهِ ) فِي رِوَايَةِ عَمْرٍو قَالُوا : لَا نُعِينُكَ عَلَيْهِ ( فَسَأَلَهُمْ رُمْحَهُ ، فَأَبَوْا ، فَأَخَذَهُ ، ثُمَّ شَدَّ عَلَى الْحِمَارِ ، فَقَتَلَهُ ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ : قُلْتُ : نَاوِلُونِي السَّوْطَ ، قَالُوا : وَاللَّهِ لَا نُعِينُكَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ ، فَنَزَلْتُ ، فَتَنَاوَلْتُهُ ، ثُمَّ رَكِبْتُ ، فَأَدْرَكْتُ الْحِمَارَ مِنْ خَلْفِهِ ، وَهُوَ وَرَاءَ أَكَمَةٍ ، فَطَعَنْتُهُ بِرُمْحِي فَعَقَرْتُهُ أَوْ فِي رِوَايَةِ عَمْرٍو : فَأَتَيْتُ إِلَيْهِمْ ، فَقُلْتُ لَهُمْ : قُومُوا فَاحْتَمِلُوا ، قَالُوا : لَا نَمَسُّهُ ، فَحَمَلْتُهُ حَتَّى جِئْتُهُمْ بِهِ ( فَأَكَلَ مِنْهُ بَعْضُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبَى بَعْضُهُمْ ) مِنَ الْأَكْلِ ، وَفِيهِ جَوَازُ الِاجْتِهَادِ فِي الْفُرُوعِ ، وَالِاخْتِلَافُ فِيهَا إِذَا اسْتَنَدَ كُلٌّ إِلَى دَلِيلٍ فِي ظَنِّهِ ، وَفِي رِوَايَةٍ : ثُمَّ أَنَّهُمْ شَكُّوا فِي أَكْلِهِمْ إِيَّاهُ وَهُمْ حُرُمٌ وَفِي أُخْرَى : فَقُلْنَا : إِنَّا نَأْكُلُ لَحْمَ صَيْدٍ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ ( فَلَمَّا أَدْرَكُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ ) أَيْ ذَكَرُوا لَهُ الْقِصَّةَ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ ، وَأَنَّ أَصْحَابَهُ لَمْ يُعِينُوهُ بِمُنَاوَلَةِ سَوْطٍ ، وَلَا رُمْحٍ ، وَلَا غَيْرِهِمَا ، وَفِي رِوَايَةِ عَمْرٍو : وَأَبَى بَعْضُهُمْ ، فَقُلْتُ لَهُمْ : أَنَا أَسْتَوْقِفُ لَكُمُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَدْرَكْتُهُ ، فَحَدَّثْتُهُ الْحَدِيثَ . وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ : فَقُلْنَا : نَأْكُلُ لَحْمَ صَيْدٍ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ ، فَحَمَلْنَا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا ، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ ، أَوْ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ ؟ وَفِي أُخْرَى : أَوْ أَعَانَهُ ؟ قَالُوا : لَا ( فَقَالَ ) : فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا ( إِنَّمَا هِيَ طُعْمَةٌ ) - بِضَمِّ الطَّاءِ ، وَسُكُونِ الْعَيْنِ - أَيْ طَعَامٌ ( أَطْعَمَكُمُوهَا اللَّهُ ) عَزَّ وَجَلَّ . وَفِيهِ جَوَازُ أَكْلِ الْمُحْرِمِ لَحْمَ الصَّيْدِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْهُ دَلَالَةٌ ، أَوْ إِعَانَةٌ عَلَيْهِ ، أَوْ إِشَارَةٌ إِلَيْهِ ، فَإِنْ صَادَهُ ، أَوْ صِيدَ لِأَجْلِهِ بِإِذْنِهِ ، أَمْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ حَرُمَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا : صَيْدُ الْبَرِّ لَكُمْ حَلَالٌ مَا لَمْ تَصِيدُوهُ ، أَوْ يُصَادَ لَكُمْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْجُمْهُورُ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَطَائِفَةٌ : يَجُوزُ أَكْلُ مَا صِيدَ لِأَجْلِهِ لِظَاهِرِ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّهُ صَادَهُ لِأَجْلِهِمْ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى نَقْلٍ أَنَّهُ صَادَهُ لِأَجْلِهِمْ ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ جَابِرٍ بِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَوْلَى مِنْ طَرْحِ حَدِيثِ جَابِرٍ ، فَإِنْ قِيلَ : كَيْفَ لَمْ يُحْرِمْ أَبُو قَتَادَةَ مَعَ مُجَاوَزَتِهِ الْمِيقَاتَ ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ ؟ أَجَابَ عِيَاضٌ بِأَنَّ الْمَوَاقِيتَ لَمْ تَكُنْ وُقِّتَتْ بَعْدُ ، وَقِيلَ : لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ أَبَا قَتَادَةَ وَرُفْقَتَهُ لِكَشْفِ عَدُوٍّ لَهُمْ بِجِهَةِ السَّاحِلِ ، كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ ، وَقِيلَ : إِنَّهُ خَرَجَ مَعَهُمْ ، وَلَمْ يَنْوِ حَجًّا وَلَا عُمْرَةً ، قَالَ عِيَاضٌ : وَهَذَا بَعِيدٌ ، وَقِيلَ : إِنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مَعَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْمَدِينَةِ ، بَلْ بَعَثَهُ أَهْلُهَا إِلَيْهِ لِيُعْلِمَهُ أَنَّ بَعْضَ الْعَرَبِ يَقْصِدُونَ الْإِغَارَةَ عَلَى الْمَدِينَةِ ، وَرُدَّ بِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا كَانَ بِبَعْضِ طَرِيقِ مَكَّةَ تَخَلَّفَ مَعَ أَصْحَابٍ لَهُ ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْجِهَادِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَفِي كِتَابِ الصَّيْدِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، وَمُسْلِمٌ ، عَنْ يَحْيَى ، وَقُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ ، وَأَبُو دَاوُدَ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، عَنْ قُتَيْبَةَ ، الْخَمْسَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَلَهُ مُتَابَعَاتٌ وَطُرُقٌ كَثِيرَةٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَا تَخْتَلِفُ عُلَمَاءُ الْحَدِيثِ فِي ثُبُوتِهِ وَصِحَّتِهِ .