بَاب مَا لَا يَحِلُّ لِلْمُحْرِمِ أَكْلُهُ مِنْ الصَّيْدِ
وَلَهُ عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : رِجْلَ حِمَارِ وَحْشٍ وَلَهُ عَنْ شُعْبَةَ عَنِ الْحَكَمِ : عَجُزَ حِمَارِ وَحْشٍ يَقْطُرُ دَمًا وَفِي أُخْرَى لَهُ : شِقَّ حِمَارِ وَحْشٍ ، فَهَذِهِ الرِّوَايَاتُ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّهُ عَقِيرٌ ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا أَهْدَى بَعْضَهُ ، لَا كُلَّهُ ، وَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ رِجْلٍ ، وَعَجُزٍ ، وَشِقٍّ ، لِأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ أَهْدَى رِجْلًا مَعَهَا الْفَخِذُ ، وَبَعْضُ جَانِبِ الذَّبِيحَةِ ، فَمِنْهُمْ مَنْ رَجَّحَ رِوَايَةَ مَالِكٍ ، وَمُوَافِقِيهِ . قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ : حَدِيثُ مَالِكٍ أَنَّ الصَّعْبَ أَهْدَى حِمَارًا أَثْبَتُ مِنْ حَدِيثِ مَنْ رَوَى أَنَّهُ أَهْدَى لَحْمَ حِمَارٍ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : رَوَى بَعْضُ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ فِي حَدِيثِ الصَّعْبِ ( لَحْمَ حِمَارِ وَحْشٍ ) وَهُوَ غَيْرُ مَحْفُوظٍ .
وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : كَانَ ابْنُ عُيَيْنَةَ يَضْطَرِبُ فِيهِ ، فَرِوَايَةُ الْعَدَدِ الَّذِينَ لَمْ يَشُكُّوا فِيهِ أَوْلَى ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : قُلْتُ لِابْنِ شِهَابٍ : الْحِمَارُ عَقِيرٌ ؟ قَالَ : لَا أَدْرِي . وَمِنْهُمْ مَنْ جَمَعَ بِحَمْلِ رِوَايَةِ أَهْدَى حِمَارًا عَلَى أَنَّهُ مِنْ إِطْلَاقِ اسْمِ الْكُلِّ عَلَى الْبَعْضِ ، وَيَمْتَنِعُ عَكْسُهُ ، إِذْ إِطْلَاقُ الرِّجْلِ عَلَى كُلِّ الْحَيَوَانِ غَيْرُ مَعْهُودٍ ، إِذْ لَا يُطْلَقُ عَلَى زَيْدٍ أُصْبُعٌ وَنَحْوُهُ ، إِذْ شَرْطُ إِطْلَاقِ اسْمِ الْبَعْضِ عَلَى الْكُلِّ التَّلَازُمُ ، كَالرَّقَبَةِ عَلَى الْإِنْسَانِ وَالرَّأْسِ ، فَإِنَّهُ لَا إِنْسَانَ دُونَهُمَا بِخِلَافِ نَحْوِ الرِّجْلِ ، وَالظُّفْرِ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : يُحْتَمَلُ أَنَّ الصَّعْبَ أَحْضَرَ الْحِمَارَ مَذْبُوحًا ، ثُمَّ قَطَعَ مِنْهُ عُضْوًا بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَدَّمَهُ لَهُ ، فَمَنْ قَالَ أَهْدَى حِمَارًا ، أَرَادَ بِتَمَامِهِ مَذْبُوحًا ، لَا حَيًّا ، وَمَنْ قَالَ لَحْمَ حِمَارٍ ، أَرَادَ مَا قَدَّمَهُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
قَالَ : وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَحْضَرَهُ لَهُ حَيًّا ، فَلَمَّا رَدَّهُ عَلَيْهِ ذَكَّاهُ ، وَأَتَاهُ بِعُضْوٍ مِنْهُ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ إِنَّمَا رَدَّهُ لِمَعْنًى يَخْتَصُّ بِجُمْلَتِهِ ، فَأَعْلَمَهُ بِامْتِنَاعِهِ أَنَّ حُكْمَ الْجُزْءِ حُكْمُ الْكُلِّ ، انْتَهَى . وَهَذَا الْجَمْعُ قَرِيبٌ ، وَفِيهِ إِبْقَاءُ اللَّفْظِ عَلَى الْمُتَبَادِرِ مِنْهُ الَّذِي تَرْجَمَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ إِذَا أَهْدَى لِلْمُحْرِمِ حِمَارًا وَحْشِيًّا حَيًّا لَمْ يُقْبَلْ ، مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ فِي الْحَدِيثِ : حَيًّا ، فَكَأَنَّهُ فَهِمَهُ مِنْ قَوْلِهِ حِمَارًا . وَفِي التَّمْهِيدِ قَالَ إِسْمَاعِيلُ : سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ حَرْبٍ يَتَأَوَّلُ الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّهُ صِيدَ مِنْ أَجْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ : فَرَدَّهُ يَقْطُرُ دَمًا كَأَنَّهُ صِيدَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَجَازَ أَكْلُهُ .
قَالَ إِسْمَاعِيلُ : وَإِنَّمَا تَأَوَّلَ رِوَايَةَ لَحْمِ حِمَارٍ لِاحْتِيَاجِهَا لِلتَّأْوِيلِ ، فَأَمَّا رِوَايَةُ حِمَارِ وَحْشٍ فَلَا تَحْتَاجُ لِتَأْوِيلٍ ، لِأَنَّ الْمُحْرِمَ لَا يَجُوزُ لَهُ مَسْكُ صَيْدٍ حَيًّا ، وَلَا يُذَكِّهِ ، وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ تَتَّفِقُ الْأَحَادِيثُ . ( وَهُوَ بِالْأَبْوَاءِ ) - بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ ، وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ ، وَالْمَدِّ - جَبَلٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُحْفَةِ مِمَّا يَلِي الْمَدِينَةَ ثَلَاثَةٌ وَعِشْرُونَ مَيْلًا ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِتَبَوُّءِ السُّيُولِ بِهِ لَا لِمَا فِيهِ مِنَ الْوَبَاءِ ، إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَقِيلَ : الْأَوْبَاءُ ، أَوْ هُوَ مَقْلُوبٌ مِنْهُ . ( أَوْ بِوَدَّانَ ) - بِفَتْحِ الْوَاوِ ، وَشَدِّ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ ، فَأَلِفٍ ، فَنُونٍ - مَوْضِعٌ قُرْبَ الْجُحْفَةِ ، أَوْ قَرْيَةٌ جَامِعَةٌ أَقْرَبُ إِلَى الْجُحْفَةِ مِنَ الْأَبْوَاءِ بَيْنَهُمَا ثَمَانِيَةُ أَمْيَالٍ ، وَالشَّكُّ مِنَ الرَّاوِي ، وَجَزَمَ ابْنُ إِسْحَاقَ ، وَصَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِوَدَّانَ ، وَجَزَمَ مَعْمَرٌ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو بِالْأَبْوَاءِ ( فَرَدَّهُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) أَيْ رَدَّ الْحِمَارَ عَلَى الصَّعْبِ ، وَاتَّفَقَتِ الرِّوَايَةُ كُلُّهَا عَلَى رَدِّهِ إِلَّا مَا رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ : أَنَّ الصَّعْبَ أَهْدَى لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَجُزَ حِمَارِ وَحْشٍ وَهُوَ بِالْجُحْفَةِ ، فَأَكَلَ مِنْهُ ، وَأَكَلَ الْقَوْمُ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : إِنْ كَانَ هَذَا مَحْفُوظًا ، فَلَعَلَّهُ رَدَّ الْحَيَّ ، وَقِيلَ : اللَّحْمَ .
قَالَ الْحَافِظُ : وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنْ كَانَتِ الطُّرُقُ كُلُّهَا مَحْفُوظَةً ، فَلَعَلَّهُ رَدَّهُ حَيًّا ، لِكَوْنِهِ صِيدَ لِأَجْلِهِ ، وَرَدَّ اللَّحْمَ تَارَةً لِذَلِكَ ، وَقِيلَ : تَارَةً أُخْرَى حَيْثُ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يُصَدْ لِأَجْلِهِ . وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ : إِنْ كَانَ الصَّعْبُ أَهْدَى حِمَارًا حَيًّا فَلَيْسَ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَذْبَحَ حِمَارًا وَحْشِيًّا حَيًّا ، وَإِنْ كَانَ أَهْدَى لَحْمًا فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلِمَ أَنَّهُ صِيدَ لَهُ . وَنَقَلَ التِّرْمِذِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ رَدَّهُ ظَنُّهُ أَنَّهُ صِيدَ مِنْ أَجْلِهِ ، فَتَرَكَهُ عَلَى وَجْهِ التَّنَزُّهِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُحْمَلَ الْقَبُولُ الْمَذْكُورُ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ عَلَى حَالِ رُجُوعِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ مَكَّةَ ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ جَازِمٌ فِيهِ بِوُقُوعِ ذَلِكَ فِي الْجُحْفَةِ ، وَفِي غَيْرِهَا مِنَ الرِّوَايَاتِ بِالْأَبْوَاءِ ، أَوْ بِوَدَّانَ .
( فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا فِي وَجْهِي ) مِنَ الْكَرَاهَةِ لِمَا حَصَلَ لَهُ مِنَ الْكَسْرِ بِرَدِّ هَدِيَّتِهِ قَالَ تَطْيِيبًا لِقَلْبِهِ : ( إِنَّا ) - بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ لِوُقُوعِهَا فِي الِابْتِدَاءِ - ( لَمْ نَرُدَّهُ ) - بِفَتْحِ الدَّالِ - رَوَاهُ الْمُحَدِّثُونَ ، وَقَالَ مُحَقِّقُو النُّحَاةِ : إِنَّهُ غَلَطٌ ، وَالصَّوَابُ : ضَمُّ الدَّالِ كَآخِرِ الْمُضَاعَفِ مِنْ كُلِّ مُضَاعَفٍ مَجْزُومٍ اتَّصَلَ بِهِ ضَمِيرُ الْمُذَكَّرِ مُرَاعَاةً لِلْوَاوِ الَّتِي تُوجِبُهَا ضَمَّةُ الْهَاءِ بَعْدَهَا ، لِخَفَاءِ الْهَاءِ فَكَأَنَّ مَا قَبْلَهَا وَلِيَ الْوَاوَ ، وَلَا يَكُونُ مَا قَبْلَ الْوَاوِ إِلَّا مَضْمُومًا ، هَذَا فِي الْمُذَكَّرِ ، أَمَّا الْمُؤَنَّثُ مِثْلَ : رَدَّهَا ، فَمَفْتُوحُ الدَّالِ مُرَاعَاةً لِلْأَلِفِ ، ذَكَرَهُ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ ، وَجَوَّزَ الْكَسْرَ وَهُوَ ضَعِيفٌ أَضْعَفُ مِنَ الْفَتْحِ ، وَإِنْ أَوْهَمَ ثَعْلَبٌ فَصَاحَةَ الْفَتْحِ ، وَقَدْ غَلَّطُوهُ لِأَنَّهُ ذَكَرَهُ فِي الْفَصِيحِ ، وَلَمْ يُنَبِّهْ عَلَى ضَعْفِهِ ، ( عَلَيْكَ ) لِعِلَّةٍ مِنَ الْعِلَلِ ( إِلَّا أَنَّا ) - بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ - أَيْ لِأَجْلِ أَنَّا ( حُرُمٌ ) - بِضَمِّ الْحَاءِ وَالرَّاءِ - جَمْعُ حَرَامٍ ، وَالْحَرَامُ : الْمُحْرِمُ ، أَيْ مُحْرِمُونَ ، وَتَمَسَّكَ بِظَاهِرِهِ مَنْ حَرَّمَ لَحْمَ الصَّيْدِ عَلَى الْمُحْرِمِ مُطْلَقًا صَادَهُ الْمُحْرِمُ ، أَوْ صَادَهُ حِلٌّ لَهُ ، أَوْ لَمْ يَقْصِدْهُ بِهِ ، وَقَالَ بِهِ عَلِيٌّ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَّلَ رَدَّهُ بِأَنَّهُ مُحْرِمٌ ، وَلَمْ يَقُلْ بِأَنَّكَ صِدْتَهُ لَنَا ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا ( سُورَةُ الْمَائِدَةِ ، الْآيَةُ 96 ) وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ ، وَالْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ إِلَى أَنَّ مَا صَادَهُ حَلَالٌ لِنَفْسِهِ ، وَلَمْ يَقْصِدِ الْمُحْرِمَ يَجُوزُ أَكْلُهُ لِلْمُحْرِمِ بِخِلَافِ مَا قُصِدَ بِهِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ بِجَوَازِ مَا صِيدَ لَهُ بِلَا إِعَانَةٍ مِنْهُ ، وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ السَّابِقِ ، وَحَدِيثِ جَابِرٍ ، مَرْفُوعًا : صَيْدُ الْبَرِّ لَكُمْ حَلَالٌ مَا لَمْ تَصِيدُوهُ أَوْ يُصَادَ لَكُمْ الرِّوَايَةُ يُصَادَ - بِالْأَلِفٍ - عَلَى لُغَةٍ كَقَوْلِهِ : أَلَمْ يَأْتِيكَ . وَحَمَلُوا حَدِيثَ الصَّعْبِ عَلَى أَنَّهُ قَصَدَهُمْ بِاصْطِيَادِهِ ، لِأَنَّهُ كَانَ عَالِمًا بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمُرُّ بِهِ فَصَادَهُ لِأَجْلِهِ ، وَالْآيَةُ الْكَرِيمَةُ عَلَى الِاصْطِيَادِ ، وَعَلَى لَحْمِ مَا صِيدَ لِلْمُحْرِمِ لِلْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ الْمَبْينةِ لِلْمُرَادِ مِنَ الْآيَةِ ، وَتَعْلِيلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلصَّعْبِ بِأَنَّهُ مُحْرِمٌ ، لَا يَمْنَعُ كَوْنَهُ صِيدَ لَهُ ، وَلِأَنَّهُ بَيَّنَ الشَّرْطَ الَّذِي يُحَرِّمُ الصَّيْدَ عَلَى الْإِنْسَانِ إِذَا صِيدَ لَهُ ، وَهُوَ الْإِحْرَامُ ، وَقَبِلَ حِمَارَ الْبَهْزِيِّ ، وَفَرَّقَهُ عَلَى الرِّفَاقِ ، لِأَنَّهُ كَانَ يَتَكَسَّبُ بِالصَّيْدِ ، فَحَمَلَهُ عَلَى عَادَتِهِ فِي أَنَّهُ لَمْ يُصَدْ لِأَجْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي مَعْنَاهُ حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ ، وَدَعْوَى نَسْخِهِ لِأَنَّهُ كَانَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ بِحَدِيثِ الصَّعْبِ ، لِأَنَّهُ كَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، إِنَّمَا يُصَارُ إِلَيْهَا إِذَا تَعَذَّرَ الْجَمْعُ ، كَيْفَ وَالْحَدِيثُ الْمُتَأَخِّرُ لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى الْحُرْمَةِ الْعَامَّةِ صَرِيحًا ، وَلَا ظَاهِرًا حَتَّى يُعَارِضَ الْأَوَّلَ فَيَنْسَخَهُ ، هَذَا عَلَى رِوَايَةِ أَنَّهُ أَهْدَى لَحْمًا ، أَمَّا عَلَى أَنَّهُ أَهْدَاهُ حَيًّا ، فَوَاضِحٌ ، فَالْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ قَبُولُ صَيْدٍ وُهِبَ لَهُ وَشِرَاؤُهُ وَاصْطِيَادُهُ وَاسْتِحْدَاثُ مِلْكِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ ، وَأَصْلُ الْإِجْمَاعِ : الْآيَةُ ، وَحَدِيثُ الصَّعْبِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ حَيٌّ ، وَفِيهِ كَرَاهِيَةُ رَدِّ هَدِيَّةِ الصَّدِيقِ لِمَا يَقَعُ فِي قَلْبِهِ ، فَإِنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَيَّبَ نَفْسَهُ بِذِكْرِ عُذْرِ الرَّدِّ ، وَفِيهِ رَدُّ مَا لَا يَجُوزُ لِلْمُهْدي الِانْتِفَاعُ بِهِ ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَمُسْلِمٌ ، عَنْ يَحْيَى كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ كُلُّهُمْ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ أَيْضًا .