بَاب مَا يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ مِنْ الدَّوَابِّ
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحَرَمِ : الْفَأْرَةُ ، وَالْعَقْرَبُ ، وَالْغُرَابُ ، وَالْحِدَأَةُ ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ . 800 788 - ( مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ) ، مُرْسَلٌ وَصَلَهُ مُسْلِمٌ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ نُمَيْرٍ كِلَاهُمَا عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ : ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : خَمْسٌ فَوَاسِقُ ) رُوِيَ بِالْإِضَافَةِ وَبِالتَّنْوِينِ ، كَمَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ ، وَبِالثَّانِي جَزَمَ النَّوَوِيُّ ، وَزَعْمُ أَنَّهُ قَالَ بِإِضَافَةِ خَمْسٍ لَا بِتَنْوِينِهِ وَهْمٌ ، فَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، قَالَتْ عَائِشَةُ : أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَتْلِ خَمْسِ فَوَاسِقَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : وَبَيْنَ الْإِضَافَةِ وَالتَّنْوِينِ فَرْقٌ دَقِيقٌ فِي الْمَعْنَى ، لِأَنَّ الْإِضَافَةَ تَقْتَضِي الْحُكْمَ عَلَى خَمْسٍ مِنَ الْفَوَاسِقِ بِالْقَتْلِ ، وَرُبَّمَا أَشْعَرَ التَّخْصِيصُ بِخِلَافِ الْحُكْمِ فِي غَيْرِهَا بِطَرِيقِ الْمَفْهُومِ . وَأَمَّا التَّنْوِينُ فَيَقْتَضِي وَصْفَ الْخَمْسِ بِالْفِسْقِ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى ، وَقَدْ يُشْعِرُ بِأَنَّ الْحُكْمَ الْمُتَرَتِّبَ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ الْقَتْلُ مُعَلَّلٌ بِمَا جُعِلَ وَصْفًا وَهُوَ الْفِسْقُ ، فَيَقْتَضِي ذَلِكَ التَّعْمِيمَ لِكُلِّ فَاسِقٍ مِنَ الدَّوَابِّ ، وَهُوَ ضِدُّ مَا اقْتَضَاهُ الْأَوَّلُ مِنَ الْمَفْهُومِ ، وَهُوَ التَّخْصِيصُ .
( يُقْتَلْنَ فِي الْحَرَمِ ) - بِفَتْحِ الْحَاءِ ، وَالرَّاءِ ، كَمَا ضَبَطَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ - أَيْ حَرَمِ مَكَّةَ - وَبِضَمِّ الْحَاءِ ، وَالرَّاءِ ، وَاقْتُصِرَ عَلَيْهِ فِي الْمَشَارِقِ - قَالَ : وَهُوَ جَمْعُ حَرَامٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى : وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ( سُورَةُ الْمَائِدَةِ : الْآيَةُ 1 ) ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْمَوَاضِعُ الْمُحَرَّمَةُ ، وَالْفَتْحُ أَظْهَرُ ، قَالَهُ النَّوَوِيُّ ( الْفَأْرَةُ ، وَالْعَقْرَبُ ، وَالْغُرَابُ ، وَالْحِدَأَةُ ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ ) وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ عَائِشَةَ : الْحَيَّةُ ، وَأَسْقَطَ الْعَقْرَبَ ، وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ : سَأَلَ رَجُلٌ ابْنَ عُمَرَ عَمَّا يَقْتُلُ الرَّجُلُ مِنَ الدَّوَابِّ وَهُوَ مُحْرِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَتْنِي إِحْدَى نِسْوَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِقَتْلِ الْكَلْبِ الْعَقُورِ ، وَالْفَأْرَةِ ، وَالْعَقْرَبِ ، وَالْحُدَيَّا ، وَالْغُرَابِ ، وَالْحَيَّةِ قَالَ : وَفِي الصَّلَاةِ أَيْضًا فَهِيَ سِتَّةٌ . قَالَ عِيَاضٌ : سُمُّوا فَوَاسِقَ لِخُرُوجِهِمْ عَنِ السَّلَامَةِ مِنْهُمْ إِلَى الْإِضْرَارِ وَالْأَذَى ، فَخَرَجَتْ بِالْإِذَايَةِ عَنْ جِنْسِهَا مِنَ الْحَيَوَانِ ، وَقِيلَ : لِخُرُوجِهَا عَنِ الْحُرْمَةِ الَّتِي لِغَيْرِهَا ، وَالْأَمْرِ بِقَتْلِهَا فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ ، وَأَنَّهُ لَا فِدْيَةَ فِيهَا ، وَقِيلَ : لِخُرُوجِهَا عَنْ الِانْتِفَاعِ بِهَا ، وَقِيلَ : لِتَحْرِيمِ أَكْلِهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى : وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ( سُورَةُ الْأَنْعَامِ : الْآيَةُ 121 ) ، عند ذَكَرَ الْمُحَرَّمَاتِ . وَقَالَتْ عَائِشَةُ : مَنْ يَأْكُلُ الْغُرَابَ ، وَقَدْ سَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاسِقًا .
وَقَالَ الْفَرَّاءُ : سُمِّيَتِ الْفَأْرَةُ بِذَلِكَ ، لِخُرُوجِهَا عَنْ جُحْرِهَا ، وَاغْتِيَالِهَا أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْفَسَادِ ، وَأَصْلُ الْفِسْقِ : الْخُرُوجُ . وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ : سُمِّيَ بِذَلِكَ الْغُرَابُ بِتَخَلُّفِهِ عَنْ نُوحٍ ، وَفِيهِمَا نَظَرٌ ، إِذْ لَا يُسَمَّى كُلُّ خَارِجٍ ، وَلَا مُتَخَلِّفٍ فَاسِقًا فِي عُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ . قَالَ الْأَبِّيُّ : قَيَّدَهُ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى بِذَلِكَ لُغَةً ، وَلَكِنَّ عُرْفَ الِاسْتِعْمَالِ خَصَّصَهُ .
وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : أَمَرَ بِالْقَتْلِ ، وَعَلَّلَ بِالْفِسْقِ ، فَيَتَعَدَّى الْحُكْمُ إِلَى كُلِّ مَا وُجِدَتْ فِيهِ الْعِلَّةُ ، وَنَبَّهَ بِالْخَمْسَةِ عَلَى خَمْسَةِ أَنْوَاعٍ مِنَ الْفِسْقِ ، فَنَبَّهَ بِالْغُرَابِ عَلَى مَا يُجَانِسُهُ مِنْ سِبَاعِ الطَّيْرِ ، وَكَذَا بِالْحِدَأَةِ ، وَيَزِيدُ الْغُرَابَ بِحَلِّ سُفْرَةِ الْمُسَافِرِ ، وَنَقْبِ جِرَابِهِ ، وَبِالْحَيَّةِ عَلَى كُلِّ مَا يَلْسَعُ ، وَالْعَقْرَبِ كَذَلِكَ - وَالْحَيَّةُ تَلْسَعُ وَتَفْتَرِسُ ، وَالْعَقْرَبُ تَلْدَغُ ، وَلَا تَفْتَرِسُ ، وَبِالْفَأْرَةِ عَلَى مَا يُجَانِسُهَا مِنْ هَوَامِّ الْمَنْزِلِ الْمُؤْذِيَةِ ، وَبِالْكَلْبِ الْعَقُورِ عَلَى كُلِّ مُفْتَرِسٍ ، قَالَ : وَمَعْنَى فِسْقِهِنَّ : خُرُوجُهُنَّ عَنْ حَدِّ الْكَفِّ إِلَى الْأَذِيَّةِ .