بَاب مَا يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ مِنْ الدَّوَابِّ
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : خَمْسٌ مِنْ الدَّوَابِّ مَنْ قَتَلَهُنَّ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ : الْعَقْرَبُ ، وَالْفَأْرَةُ ، وَالْغُرَابُ ، وَالْحِدَأَةُ ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ . 799 787 - ( مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ مَنْ قَتَلَهُنَّ وَهُوَ مُحْرِمٌ ) أَوْ فِي الْحَرَمِ ( فَلَا جُنَاحَ ) - لَا إِثْمَ - ( عَلَيْهِ : الْعَقْرَبُ ، وَالْفَأْرَةُ ، وَالْغُرَابُ ) ، سُمِّيَ بِهِ لِسَوَادِهِ وَغَرَابِيبُ سُودٌ ( سُورَةُ فَاطِرٍ : الْآيَةُ 27 ) ، وَهُمَا لَفْظَتَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، وَالْعَرَبُ تَتَشَاءَمُ بِهِ ؛ فَلِذَا اشْتَقُّوا الْغُرْبَةَ ، وَالِاغْتِرَابَ ، وَغُرَابُ الْبَيْنِ : هُوَ الْأَبْقَعُ ، قَالَ صَاحِبُ الْمُجَالَسَةِ : سُمِّيَ بِذَلِكَ ، لِأَنَّهُ بَانَ مِنْ نُوحٍ لَمَّا وَجَّهَهُ إِلَى الْمَاءِ ، فَذَهَبَ وَلَمْ يَرْجِعْ . وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ : سُمِّيَ فَاسِقًا لِتَخَلُّفِهِ عَنْ نُوحٍ حِينَ أَرْسَلَهُ لِيَأْتِيَهُ بِخَبَرِ أَرْضٍ ، فَتَرَكَ أَمَرَهُ ، وَسَقَطَ عَلَى جِيفَةٍ ، وَقِيلَ : سُمِّيَ غُرَابًا لِأَنَّهُ نَأَى ، وَاغْتَرَبَ لَمَّا نَفَّذَهُ نُوحٌ لِيَخْتَبِرَ أَمْرَ الطُّوفَانِ .
( وَالْحِدَأَةُ ) بِزِنَةِ عِنَبَةٍ ( وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ ) مِنْ أَبْنِيَةِ الْمُبَالَغَةِ ، أَيِ الْجَارِحُ الْمُفْتَرِسُ كَأَسَدٍ وَذِئْبٍ ، سَمَّاهَا كِلَابًا لِاشْتِرَاكِهَا فِي السَّبْعِيَّةِ ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ فِي دُعَائِهِ عَلَى عُتَيْبَةَ : اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِنْ كِلَابِكَ ، فَافْتَرَسَهُ الْأَسَدُ وَقِيلَ : الْمُرَادُ الْكَلْبُ الْمَعْرُوفُ ، وَاسْتُدِلَّ بِالْحَدِيثِ عَلَى جَوَازِ قَتْلِ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ قَتْلٌ بِقِصَاصٍ ، أَوْ رَجْمٌ بِزِنًا ، أَوْ مُحَارَبَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فِي الْحَرَمِ ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ إِقَامَةُ سَائِرِ الْحُدُودِ فِيهِ سَوَاءٌ جَرَى مُوجِبُ الْقَتْلِ وَالْحَدِّ فِي الْحَرَمِ ، أَوْ خَارِجَهُ ، ثُمَّ لَجَأَ صَاحِبُهُ إِلَى الْحَرَمِ ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَآخَرُونَ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَطَائِفَةٌ : مَا ارْتَكَبَهُ مِنْ ذَلِكَ فِي الْحَرَمِ يُقَامُ عَلَيْهِ فِيهِ ، وَمَا فَعَلَهُ خَارِجَهُ ، ثُمَّ لَجَأَ إِلَيْهِ إِنْ كَانَ إِتْلَافُ نَفْسٍ لَمْ يُقَمْ عَلَيْهِ فِي الْحَرَمِ ، بَلْ يُضَيَّقُ عَلَيْهِ ، وَلَا يُكَلَّمُ ، وَلَا يُجَالَسُ ، وَلَا يُبَايَعُ حَتَّى يُضْطَرَّ إِلَى الْخُرُوجِ مِنْهُ ، فَيُقَامُ عَلَيْهِ خَارِجَهُ ، وَمَا كَانَ دُونَ النَّفْسِ يُقَامُ فِيهِ . قَالَ عِيَاضٌ : رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالْحَكَمِ نَحْوُهُ ، لَكِنَّهُمْ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ النَّفْسِ وَمَا دُونَهَا ، وَحُجَّتُهُمْ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ( سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ : الْآيَةُ 97 ) وَحُجَّتُنَا عَلَيْهِمْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ لِمُشَارَكَةِ فَاعِلِ الْجِنَايَةِ لِهَذِهِ الدَّوَابِّ فِي اسْمِ الْفِسْقِ ، بَلْ فِسْقُهُ أَفْحَشُ لِكَوْنِهِ مُكَلَّفًا ، وَلِأَنَّ التَّضْيِيقَ الَّذِي ذَكَرُوهُ لَا يَبْقَى لِصَاحِبِهِ أَمَانٌ ، فَقَدْ خَالَفُوا ظَاهِرَ مَا فَسَّرُوا بِهِ الْآيَةَ ، قَالَ : وَمَعْنَى الْآيَةِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّهُ إِخْبَارٌ عَمَّا كَانَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ ، وَعَطْفٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ مِنَ الْآيَاتِ ، وَقِيلَ : آمِنٌ مِنَ النَّارِ ، وَقِيلَ : إِنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ( سُورَةُ التَّوْبَةِ : الْآيَةُ 5 ) ، وَقِيلَ : الْآيَةُ فِي الْبَيْتِ ، لَا فِي الْحَرَمِ ، وَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُقَامُ فِي الْمَسْجِدِ ، وَلَا فِي الْبَيْتِ وَيَخْرُجُ مِنْهُمَا ، فَيُقَامُ عَلَيْهِ خَارِجَهُ ، لِأَنَّ الْمَسْجِدَ يُنَزَّهُ عَنْ مِثْلِ هَذَا .
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : يُخْرَجُ وَيُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الزُّبَيْرِ ، وَالْحَسَنِ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَحَمَّادٍ ، وَأَعَادَ الْإِمَامُ الْحَدِيثَ لِإِفَادَةِ أَنَّ لَهُ فِيهِ شَيْخًا آخَرَ . وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَفِي بَدْءِ الْخَلْقِ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ، عند مُسْلِمٌ .