بَاب مَا جَاءَ فِي بِنَاءِ الْكَعْبَةِ
بَاب مَا جَاءَ فِي بِنَاءِ الْكَعْبَةِ 803 - حدثني يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَخْبَرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ قَوْمَكِ حِينَ بَنَوْا الْكَعْبَةَ اقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ ؟ قَالَتْ : فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَفَلَا تَرُدُّهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَفَعَلْتُ ، قَالَ : فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : لَئِنْ كَانَتْ عَائِشَةُ سَمِعَتْ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، مَا أُرَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَرَكَ اسْتِلَامَ الرُّكْنَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ الْحِجْرَ إِلَّا أَنَّ الْبَيْتَ لَمْ يُتَمَّمْ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ . 813 803 33 - بَابُ مَا جَاءَ فِي بِنَاءِ الْكَعْبَةِ اخْتُلِفَ فِي أَوَّلِ مَنْ بَنَاهَا ، فَحَكَى الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ أَنَّ اللَّهَ وَضَعَهَا أَوَّلًا لَا بِبِنَاءِ أَحَدٍ . وَلِلْأَزْرَقِيِّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ بَنَتْهَا قَبْلَ آدَمَ .
وَلِعَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنْ عَطَاءٍ : أَوَّلُ مَنْ بَنَى الْبَيْتَ آدَمُ . وَعَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ : أَوَّلُ مَنْ بَنَاهُ شِيثُ بْنُ آدَمَ . وَقِيلَ : أَوَّلُ مَنْ بَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ كَثِيرٍ زَاعِمًا أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ بَنَاهُ مُطْلَقًا ، إِذَا لَمْ يَثْبُتْ عَنْ مَعْصُومٍ أَنَّهُ كَانَ مَبْنِيًّا قَبْلَهُ ، وَيُقَالُ عَلَيْهِ : وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْ مَعْصُومٍ أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ بَنَاهُ .
وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ ، عَنْ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قِصَّةَ بِنَاءِ آدَمَ لَهَا ، وَرَوَاهُ الْأَزْرَقِيُّ ، وَأَبُو الشَّيْخِ ، وَابْنُ عَسَاكِرَ ، مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَحُكْمُهُ الرَّفْعُ ، إِذْ لَا يُقَالُ رَأْيًا . وَأَخْرَجَ الشَّافِعِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ ، قَالَ : حَجَّ آدَمَ ، فَلَقِيَتْهُ الْمَلَائِكَةُ ، فَقَالُوا : بِرَّ نُسُكَكَ يَا آدَمُ وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّ الْبَيْتَ رُفِعَ فِي الطُّوفَانِ ، فَكَانَ الْأَنْبِيَاءُ بَعْدَ ذَلِكَ يَحُجُّونَهُ ، وَلَا يَعْلَمُونَ مَكَانَهُ حَتَّى بَوَّأَهُ اللَّهُ لِإِبْرَاهِيمَ ، فَبَنَاهُ عَلَى أَسَاسِ آدَمَ ، وَجَعَلَ طُولَهُ فِي السَّمَاءِ سَبْعَةِ أَذْرُعٍ بِذِرَاعِهِمْ ، وَذَرَعَهُ فِي الْأَرْضِ ثَلَاثِينَ ذِرَاعًا بِذِرَاعِهِمْ ، وَأَدْخَلَ الْحَجَرَ فِي الْبَيْتِ ، وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ سَقْفًا ، وَجَعَلَ لَهُ بَابًا ، وَحَفَرَ لَهُ بِئْرًا عِنْدَ بَابِهِ يُلْقَى فِيهَا مَا يُهْدَى لِلْبَيْتِ فَهَذِهِ الْأَخْبَارُ وَإِنْ كَانَتْ مُفْرَدَاتُهَا ضَعِيفَةٌ ، لَكِنْ يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا . وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَابْنُ رَاهَوَيْهِ ، وَابْنُ جَرِيرٍ ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَلِيٍّ : أَنَّ بِنَاءَ إِبْرَاهِيمَ لَبِثَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَلْبَثَ ، ثُمَّ انْهَدَمَ ، فَبَنَتْهُ الْعَمَالِقَةُ ، ثُمَّ انْهَدَمَ ، فَبَنَتْهُ جُرْهُمُ ، ثُمَّ بَنَاهُ قُصَيُّ بْنُ كِلَابٍ نَقَلَهُ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ ، وَجَزَمَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ ، ثُمَّ قُرَيْشٌ ، فَجَعَلُوا ارْتِفَاعَهَا ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ذِرَاعًا .
وَفِي رِوَايَةٍ : عِشْرِينَ ، وَلَعَلَّ رَاوِيَهَا جَبَرَ الْكَسْرَ ، وَنَقَّصُوا مِنْ طُولِهَا ، وَمِنْ عَرْضِهَا أَذْرُعًا أَدْخَلُوهَا فِي الْحَجَرِ ، لِضِيقِ النَّفَقَةِ بِهِمْ ، ثُمَّ لَمَّا حُوصِرَ ابْنُ الزُّبَيْرِ مِنْ جِهَةِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ تَضَعْضَعَتْ مِنَ الرَّمْيِ بِالْمَنْجَنِيقِ ، فَهَدَمَهَا فِي خِلَافَتِهِ ، وَبَنَاهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ ، فَأَعَادَ طُولَهَا عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ الْآنَ ، وَأَدْخَلَ مِنَ الْحَجَرِ تِلْكَ الْأَذْرُعِ ، وَجَعَلَ لَهَا بَابًا آخَرَ ، فَلَمَّا قُتِلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ ، شَاوَرَ الْحَجَّاجُ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ فِي نَقْضِ بِنَاءِ ابْنِ الزُّبَيْرِ ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ : أَمَّا مَا زَادَهُ فِي طُولِهَا ، فَأَقِرَّهُ ، وَأَمَّا مَا زَادَ فِي الْحَجَرِ فَرُدَّهُ إِلَى بِنَائِهِ ، وَسُدَّ الْبَابَ الَّذِي فَتَحَهُ ، فَفَعَلَ ، كَمَا فِي مُسْلِمٍ عَنْ عَطَاءٍ . وَذَكَرَ الْفَاكِهِيُّ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ نَدِمَ عَلَى إِذْنِهِ لِلْحَجَّاجِ فِي هَدْمِهَا ، وَلَعَنَ الْحَجَّاجَ ، وَبَقِيَ بِنَاءُ الْحَجَّاجِ إِلَى الْآنِ . وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَتَبِعَهُ عِيَاضٍ وَغَيْرُهُ ، أَنَّ الرَّشِيدَ أَوْ أَبَاهُ الْمَهْدِيَّ ، أَوْ جَدَّهُ الْمَنْصُورَ أَرَادَ أَنْ يُعِيدَ الْكَعْبَةَ عَلَى مَا فَعَلَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ ، فَنَاشَدَهُ مَالِكٌ وَقَالَ : أَخْشَى أَنْ تَصِيرَ مِلْعَبَةً لِلْمُلُوكِ ، فَتَرَكَ ، وَهَذَا بِعَيْنِهِ خَشْيَةُ جَدِّهِمُ الْأَعْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، فَإِنَّهُ أَشَارَ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ لَمَّا أَرَادَ هَدْمَهَا وَتَجْدِيدَ بِنَائِهَا بِأَنْ يَرُمَّ مَا وَهِيَ مِنْهَا ، وَلَا يَتَعَرَّضَ لَهَا بِزِيَادَةٍ وَلَا نَقْصٍ ، وَقَالَ : لَا آمَنُ مَنْ يَجِيءُ بَعْدَكَ ، فَيُغَيِّرُ الَّذِي صَنَعْتَ ، أَخْرَجَهُ الْفَاكِهِيُّ .
وَلَمْ يَتَّفِقْ لِأَحَدٍ مِنَ الْخُلَفَاءِ ، وَلَا غَيْرِهِمْ تَغْيِيرُ شَيْءٍ مِمَّا صَنَعَهُ الْحَجَّاجُ إِلَى الْآنِ ، إِلَّا فِي الْمِيزَابِ ، وَالْبَابِ ، وَعَتَبَتِهِ ، وَكَذَا وَقَعَ تَرْمِيمُ الْجِدَارِ وَالسَّقْفِ ، وَسُلَّمِ السَّطْحِ غَيْرَ مَرَّةٍ ، وَجُدِّدَ فِيهَا الرُّخَامُ . قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : أَوَّلُ مَنْ فَرَشَهَا بِالرُّخَامِ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ، فَتَحَصَّلَ مِنَ الْآثَارِ الْمَذْكُورَةِ أَنَّهَا بُنِيَتْ عَشْرَ مَرَّاتٍ ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ بَنَاهَا بَعْدَ قُصَيٍّ وَقَبْلَ بِنَاءِ قُرَيْشٍ ، قَالَ الْفَاسِيُّ : وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ ، وَأَخْشَى أَنْ يَكُونَ وَهْمًا ، قَالَ : وَاسْتَمَرَّ بِنَاءُ الْحَجَّاجِ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا ، وَسَيَبْقَى عَلَى ذَلِكَ إِلَى أَنْ تُخَرِّبَهَا الْحَبَشَةُ ، وَتُقِلَّهَا حَجَرًا حَجَرًا كَمَا فِي الْحَدِيثِ . وَقَدْ قَالَ الْعُلَمَاءُ : إِنَّ هَذَا الْبِنَاءَ لَا يُغَيَّرُ ، انْتَهَى .
وَقَالَ الْحَافِظُ : مِمَّا تَعْجَبُ مِنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَتَّفِقْ الِاحْتِيَاجُ فِي الْكَعْبَةِ إِلَّا فِيمَا صَنَعَهُ الْحَجَّاجُ ، إِمَّا مِنَ الْجِدَارِ الَّذِي بَنَاهُ فِي الْجِهَةِ الشَّامِيَّةِ ، وَإِمَّا فِي السُّلَّمِ الَّذِي جَدَّدَهُ لِلسَّطْحِ ، أَوْ لِلْعَتَبَةِ ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ فَإِنَّمَا هُوَ لِزِيَادَةٍ مَحْضَةٍ ، كَالرُّخَامِ ، أَوْ لِتَحْسِينٍ كَالْبَابِ ، وَالْمِيزَابِ ، وَكَذَا مَا رَوَاهُ الْفَاكِهِيُّ بِرِجَالٍ ثِقَاتٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ بَكْرِ بْنِ حَبِيبٍ السَّهْمِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ - هُوَ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ - قَالَ : جَاوَرْتُ بِمَكَّةَ ، فَعَابَتْ - بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ - أُسْطُوَانَةٌ مِنْ أَسَاطِينِ الْبَيْتِ ، فَأُخْرِجَتْ ، وَجِيءَ بِأُخْرَى ، لِيُدْخِلُوهَا مَكَانَهَا فَطَالَتْ عَنِ الْمَوْضِعِ ، وَأَدْرَكَهُمُ اللَّيْلُ ، وَالْكَعْبَةُ لَا تُفْتَحُ لَيْلًا ، فَتَرَكُوهَا لِيَعُودُوا مِنْ غَدٍ فَيُصْلِحُوهَا ، فَجَاؤوا مِنْ غَدٍ ، فَأَصَابُوهَا أَقْوَمَ مِنْ قِدْحٍ - بِكَسْرِ الْقَافِ - أَيْ سَهْمٍ . 803 - ( مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ) بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ( أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ) التَّيْمِيَّ الْمَدَنِيَّ أَخَا الْقَاسِمِ ، مِنْ ثِقَاتِ التَّابِعِينَ قُتِلَ بِوَقْعَةِ الْحِرَّةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ ( أَخْبَرَ ) هُوَ ( عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ) قَالَ الْحَافِظُ : بِنَصْبِ عَبْدَ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ سَالِمًا كَانَ حَاضِرًا لِذَلِكَ ، فَتَكُونُ مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، وَبِذَلِكَ صَرَّحَ أَبُو أُوَيْسٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، لَكِنَّهُ سَمَّاهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ فَوَهِمَ ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَأَغْرَبَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ ، فَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ، أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ ، وَالْمَحْفُوظُ الْأَوَّلُ ، وَقَدْ رَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، لَكِنَّهُ اخْتَصَرَهُ . وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَائِشَةَ فَتَابَعَ سَالِمًا فِيهِ .
( عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ ) زَادَ فِي رِوَايَةٍ لِعَائِشَةَ : ( أَلَمْ تَرَيْ ) - مَجْزُومٌ بِحَذْفِ النُّونِ - أَيْ أَلَمْ تَعْرِفِي ؟ ( أَنَّ قَوْمَكِ ) أَيْ قُرَيْشًا ( حِينَ بَنَوُا الْكَعْبَةَ ) قَبْلَ الْمَبْعَثِ بِخَمْسِ سِنِينَ ، كَمَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَالطَّبَرَانِيُّ ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الطُّفَيْلِ ، قَالَ : كَانَتِ الْكَعْبَةُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَبْنِيَّةً بِالرَّضْمِ لَيْسَ فِيهَا مَدَرٌ ، وَكَانَتْ قَدْرَ مَا تَفْتَحُهَا الْعَنَاقُ ، وَكَانَتْ ثِيَابُهَا تُوضَعُ عَلَيْهَا تُسْدَلُ سَدْلًا ، وَكَانَتْ ذَاتَ رُكْنَيْنِ كَهَيْئَةِ هَذِهِ الْحَلْقَةِ ، فَأَقْبَلَتْ سَفِينَةٌ مِنَ الرُّومِ ، حَتَّى إِذَا كَانُوا قَرِيبًا مِنْ جُدَّةَ انْكَسَرَتْ ، فَخَرَجَتْ قُرَيْشٌ لِيَأْخُذُوا خَشَبَهَا ، فَوَجَدُوا الرُّومِيَّ الَّذِي فِيهَا نَجَّارًا ، فَقَدِمُوا بِهِ وَبِالْخَشَبِ لِيَبْنُوا بِهِ الْبَيْتَ ، فَكُلَّمَا أَرَادُوا هَدْمَهُ بَدَتْ لَهُمْ حَيَّةٌ فَاتِحَةً فَاهَا ، فَبَعَثَ اللَّهُ طَيْرًا أَعْظَمَ مِنَ النَّسْرِ ، فَغَرَزَ مَخَالِبَهُ فِيهَا ، فَأَلْقَاهَا نَحْوًا مِنْ جِيَادٍ ، فَهَدَمَتْ قُرَيْشٌ الْكَعْبَةَ ، وَبَنَوْهَا بِحِجَارَةِ الْوَادِي ، فَرَفَعُوهَا فِي السَّمَاءِ عِشْرِينَ ذِرَاعًا ، فَبَيْنَمَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَحْمِلُ الْحِجَارَةَ مِنْ جِيَادٍ وَعَلَيْهِ نَمِرَةٌ ، فَضَاقَتْ عَلَيْهِ ، فَذَهَبَ يَضَعُهَا عَلَى عَاتِقِهِ ، فَبَدَتْ عَوْرَتُهُ مِنْ صِغَرِهَا ، فَنُودِيَ يَا مُحَمَّدُ خَمِّرْ عَوْرَتَكَ ، فَلَمْ يُرَ عُرْيَانًا بَعْدَ ذَلِكَ ، وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ الْمَبْعَثِ خَمْسُ سِنِينَ . وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : لَمَّا بَلَغَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْحُلُمَ أَجْمَرَتِ امْرَأَةٌ الْكَعْبَةَ ، فَطَارَتْ شَرَارَةٌ مِنْ مِجْمَرِهَا فِي ثِيَابِ الْكَعْبَةِ ، فَاحْتَرَقَتْ ، فَشَاوَرَتْ قُرَيْشٌ فِي هَدْمِهَا وَهَابُوهُ ، فَقَالَ الْوَلِيدُ : إِنَّ اللَّهَ لَا يُهْلِكُ مَنْ يُرِيدُ الْإِصْلَاحَ ، ثُمَّ هُدِمَ ، فَلَمَّا رَأَوْهُ سَالِمًا ، تَابَعُوهُ . قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : وَأَخْبَرَنَا ابْنُ جَرِيرٍ قَالَ : قَالَ مُجَاهِدٌ : وَكَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الْبَعْثَةِ بِخَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً ، وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، وَبِهِ جَزَمَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ ، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ إِسْحَاقَ ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِأَنْ يَكُونَ الْحَرِيقُ تَقَدَّمَ وَقْتُهُ عَلَى الشُّرُوعِ فِي الْبِنَاءِ .
وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ السَّيْلَ كَانَ يُصِيبُ الْكَعْبَةَ ، فَتَسَاقَطَ مِنْ بِنَائِهَا ، وَكَانَتْ رَضْمًا فَوْقَ الْقَامَةِ ، فَأَرَادَتْ قُرَيْشُ رَفْعَهَا وَتَسْقِيفَهَا ، وَذَلِكَ أَنَّ نَفَرًا سَرَقُوا كَنْزَهَا ، وَجَمَعَ بِأَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ أَنَّ سَبَبَ الْبِنَاءِ الْأُمُورُ الثَّلَاثَةُ . وَلِلطَّبَرَانِيِّ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، وَابْنِ عُيَيْنَةَ فِي جَامِعِهِ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ أَنَّ اسْمَ النَّجَّارِ الَّذِي بَنَاهَا لِقُرَيْشٍ بَاقُومَ ، بِمُوَحَّدَةٍ فَأَلِفٍ فَقَافٍ مَضْمُومَةٍ فَوَاوٍ سَاكِنَةٍ فَمِيمٍ . وَعِنْدَ ابْنِ رَاهَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ : فَلَمَّا أَرَادُوا رَفْعَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ اخْتَصَمُوا فِيهِ ، فَقَالُوا : يَحْكُمُ بَيْنَنَا أَوَّلُ مَنْ يَخْرُجُ مِنْ هَذِهِ السِّكَّةِ ، فَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوَّلَ مَنْ خَرَجَ ، فَحَكَمَ أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي ثَوْبٍ ، ثُمَّ يَرْفَعُهُ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلٌ وَلِلطَّيَالِسِيِّ : قَالُوا : نُحَكِّمُ أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ ، فَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوَّلَ مَنْ دَخَلَ مِنْهُ ، فَأَخْبَرُوهُ ، فَأَمَرَ بِثَوْبٍ ، فَوَضَعَ الْحَجَرَ فِي وَسَطِهِ وَأَمَرَ كُلَّ فَخْذٍ أَنْ يَأْخُذُوا بِطَائِفَةٍ مِنَ الثَّوْبِ ، فَرَفَعُوهُ ، ثُمَّ أَخَذَهُ فَوَضَعَهُ بِيَدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( اقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ ) جَمْعُ قَاعِدَةٍ ، وَهِيَ الْأَسَاسُ ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ : عَنْ عَائِشَةَ : سَأَلْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْجِدَارِ مِنَ الْبَيْتِ هُوَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قُلْتُ : فَمَا لَهُمْ لَمْ يُدْخِلُوهُ فِي الْبَيْتِ ؟ قَالَ : إِنَّ قَوْمَكِ قَصُرَتْ بِهِمُ النَّفَقَةُ ، قُلْتُ : فَمَا شَأْنُ بَابِهِ مُرْتَفِعًا ؟ قَالَ : فَعَلَ ذَلِكَ قَوْمُكِ ، لِيُدْخِلُوا مَنْ شَاؤوا ، وَيَمْنَعُوا مَنْ شَاؤوا زَادَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : فَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَهَا يَدَعُونَهُ يَرْتَقِي ، حَتَّى إِذَا كَادَ أَنْ يَدْخُلَهَا دَفَعُوهُ ، فَسَقَطَ ، أَيْ قَصُرَتْ بِهِمُ النَّفَقَةُ الطَّيِّبَةُ الَّتِي أَخْرَجُوهَا لِبِنَائِهِ ، كَمَا جَزَمَ بِهِ الْأَزْرَقِيُّ وَغَيْرُهُ .
وَيُوَضِّحُهُ مَا لِابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ أَنَّ أَبَا وَهَبِ بْنِ عَايِذِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومٍ ، قَالَ لِقُرَيْشٍ : لَا تُدْخِلُوا مِنْ كَسْبِكُمْ إِلَّا طَيِّبًا ، وَلَا تُدْخِلُوا فِيهِ مَهْرَ بَغِيٍّ ، وَلَا بَيْعَ رِبًا ، وَلَا مَظْلَمَةَ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ ، وَعِنْدَ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ قَالَ : لَا تَجْعَلُوا فِيهَا مَالًا أُخِذَ غَصْبًا ، وَلَا قُطِعَتْ فِيهِ رَحِمٌ ، وَلَا انْتُهِكَتْ فِيهِ حُرْمَةٌ . وَفِي رِوَايَةٍ : لَا تُدْخِلُوا فِي بَيْتِ رَبِّكُمْ إِلَّا طَيِّبَ أَمْوَالِكُمْ ، وَتَجَنَّبُوا الْخَبِيثَ فَإِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا ، فَلَعَلَّهُمَا جَمِيعًا قَالَا ذَلِكَ . وَرَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ فِي جَامِعِهِ : أَنَّ عُمَرَ أَرْسَلَ إِلَى شَيْخٍ مِنْ بَنِي زُهْرَةَ ، فَسَأَلَهُ عَنْ بِنَاءِ الْكَعْبَةِ ، فَقَالَ : إِنَّ قُرَيْشًا تَقَرَّبَتْ لِبِنَاءِ الْكَعْبَةِ ، أَيْ بِالنَّفَقَةِ الطَّيِّبَةِ فَعَجَزَتْ ، فَتَرَكُوا بَعْضَ الْبَيْتِ فِي الْحِجْرِ ، فَقَالَ عُمَرُ : صَدَقْتَ .
( قَالَتْ : فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا تَرُدُّهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ ؟ ) أَيْ أُسُسِهِ ، ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : لَوْلَا حِدْثَانُ ) بِكَسْرِ الْحَاءِ ، وَسُكُونِ الدَّالِ الْمُهْمَلَتَيْنِ ، وَفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ ، فَأَلِفٍ فَنُونٍ ، مُبْتَدَأٌ حُذِفَ خَبَرُهُ وُجُوبًا ، أَيْ مَوْجُودٌ ، يَعْنِي قُرْبَ عَهْدِ ( قَوْمِكَ بِالْكُفْرِ ، لَفَعَلْتُ ) أَيْ : لَرَدَدْتُهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ . وَفِي رِوَايَةٍ لِلشَّيْخَيْنِ : لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكَ حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ ، لَأَمَرْتُ بِالْبَيْتِ فَهُدِمَ ، فَأَدْخَلْتُ فِيهِ مَا أُخْرِجَ مِنْهُ ، وَأَلْزَقْتُهُ بِالْأَرْضِ وَجَعَلْتُ لَهُ بَابَيْنِ : بَابًا شَرْقِيًّا وَبَابًا غَرْبِيًّا ، فَبَلَغْتُ بِهِ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ وَفِيهِ تَرْكُ مَا هُوَ صَوَابٌ خَوْفَ وُقُوعِ مَفْسَدَةٍ أَشَدَّ ، وَاسْتِئْلَافُ النَّاسِ إِلَى الْإِيمَانِ ، وَاجْتِنَابُ وَلِيِّ الْأَمْرِ مَا يَتَسَارَعُ النَّاسُ إِلَى إِنْكَارِهِ ، وَمَا يُخْشَى مِنْهُ تَوَلُّدُ الضَّرَرِ عَلَيْهِمْ فِي دِينٍ أَوْ دُنْيَا ، وَتَأَلُّفَ قُلُوبِهِمْ بِمَا لَا يُتْرَكُ فِيهِ أَمْرٌ وَاجِبٌ ، كَمُسَاعَدَتِهِمْ عَلَى تَرْكِ الزَّكَاةِ وَشِبْهِ ذَلِكَ ، وَفِيهِ تَقْدِيمُ الْأَهَمِّ فَالْأَهَمِّ مِنْ دَفْعِ الْمَفْسَدَةِ وَجَلْبِ الْمَصْلَحَةِ ، وَأَنَّهُمَا إِذَا تَعَارَضَا بُدِئَ بِرَفْعِ الْمَفْسَدَةِ ، وَحَدِيثُ الرَّجُلِ مَعَ أَهْلِهِ فِي الْأُمُورِ الْعَامَّةِ ، وَفِيهِ سَدُّ الذَّرَائِعِ . وَفِي رِوَايَةٍ لِلشَّيْخَيْنِ : أَخَافُ أَنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهُمْ أَنْ أُدْخِلَ الْجِدَارَ فِي الْبَيْتِ ، وَأَنْ أَلْصَقَ بَابَهُ إِلَى الْأَرْضِ وَفِي رِوَايَةٍ : تَنْفِرُ الْفَاءُ بَدَلَ الْكَافِ .
وَنَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ النَّفْرَةَ الَّتِي خَشِيَهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَنْسِبُوهُ إِلَى الِانْفِرَادِ بِالْفَخْرِ دُونَهُمْ . وَفِيهِ أَنَّ الْمَفْسَدَةَ إِذَا أَمِنَ وُقُوعَهَا ، عَادَ اسْتِحْبَابُ الْمَصْلَحَةِ . وَفِي مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ : سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ : إِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُ عَهْدِهِمْ بِكُفْرٍ ، وَلَيْسَ عِنْدِي مِنَ النَّفَقَةِ مَا يُقَوِّينِي عَلَى بِنَائِهِ ، لَكُنْتُ أَدْخَلْتُ فِيهِ مِنَ الْحِجْرِ خَمْسَةَ أَذْرُعٍ ، وَجَعَلْتُ لَهُ بَابًا يَدْخُلُ النَّاسُ مِنْهُ وَبَابًا يَخْرُجُونَ مِنْهُ ، قَالَ : أَيْ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ : فَأَنَا أَجِدُ مَا أُنْفِقَ وَلَسْتُ أَخَافُ النَّاسَ ، فَزَادَ فِيهِ خَمْسَةَ أَذْرُعٍ مِنَ الْحِجْرِ حَتَّى أَبْدَى أُسًّا نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ ، فَبَنَى عَلَيْهِ ، وَكَانَ طُولُ الْكَعْبَةِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ذِرَاعًا ، فَزَادَهُ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ ، وَجَعَلَ لَهَا بَابَيْنِ : بَابًا يُدْخَلُ مِنْهُ ، وَالْآخَرُ يُخْرَجُ مِنْهُ ، فَلَمَّا قُتِلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ كَتَبَ الْحَجَّاجُ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ يُخْبِرُهُ بِذَلِكَ ، وَيُخْبِرُهُ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ قَدْ وَضَعَ الْبِنَاءَ عَلَى أُسٍّ نَظَرَ إِلَيْهِ الْعُدُولُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ ، فَكَتَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ : إِنَّا لَسْنَا مِنْ تَلْطِيخِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فِي شَيْءٍ ، أَمَّا مَا زَادَ فِي طُولِهِ فَأَقَرَّهُ ، وَأَمَّا مَا زَادَ فِيهِ مِنَ الْحَجَرِ ، فَرَدَّهُ إِلَى بِنَائِهِ ، وَسَدَّ الْبَابَ الَّذِي فَتَحَهُ فَنَقَضَهُ وَأَعَادَهُ إِلَى بِنَائِهِ .
وَلِمُسْلِمٍ أَيْضًا : أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَفَدَ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ فَقَالَ : مَا أَظُنُّ أَبَا خُبَيْبٍ سَمِعَ مِنْ عَائِشَةَ مَا كَانَ يَزْعُمُ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْهَا ، قَالَ الْحَارِثُ : بَلَى أَنَا سَمِعْتُهُ مِنْهَا ، قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ قَوْمَكِ اقْتَصَرُوا مِنْ بُنْيَانِ الْبَيْتِ ، وَلَوْلَا حَدَاثَةُ عَهْدِهِمْ بِالشِّرْكِ أَعَدْتُ مَا تَرَكُوا مِنْهُ ، فَإِنْ بَدَا لِقَوْمِكِ مِنْ بَعْدِي أَنْ يَبْنُوهُ فَهَلُمِّي لِأُرِيَكِ مَا تَرَكُوا مِنْهُ ، فَأَرَاهَا قَرِيبًا مِنْ سَبْعَةِ أَذْرُعٍ ، فَنَكَتَ عَبْدُ الْمَلِكِ سَاعَةً بِعَصَاهُ ثُمَّ قَالَ : وَدِدْتُ أَنِّي تَرَكْتُهُ وَمَا تَحَمَّلَ ( قَالَ ) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ : ( فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : لَئِنْ كَانَتْ عَائِشَةُ سَمِعَتْ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) قَالَ عِيَاضٌ : لَيْسَ هَذَا شَكًّا فِي رِوَايَتِهَا ، فَإِنَّهَا مِنَ الْحِفْظِ وَالضَّبْطِ بِحَيْثُ لَا يُسْتَرَابُ فِيمَا تَنْقُلُهُ ، وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ مَا يَأْتِي بِصُورَةِ الشَّكِّ مُرَادًا بِهِ الْيَقِينُ وَالتَّقْرِيرُ ، وَمِنْهُ : وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ ( سُورَةُ الْأَنْبِيَاءِ : الْآيَةُ 111 ) ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى : قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ ( سُورَةُ سَبَإٍ : الْآيَةُ 50 ) الْآيَةُ ( مَا أُرَى ) - بِضَمِّ الْهَمْزَةِ - أَيْ أَظُنُّ ( رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَرَكَ اسْتِلَامَ الرُّكْنَيْنِ ) افْتِعَالٌ مِنَ السَّلَامِ وَالْمُرَادُ هُنَا مَسَّهُمَا بِالْقُبْلَةِ ، أَوِ الْيَدِ ( اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ الْحِجْرَ ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ يَقْرُبَانِ مِنَ الْحِجْرِ ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ عَلَى صِفَةِ نِصْفِ الدَّائِرَةِ ، وَقَدْرُهَا : تِسْعٌ وَثَلَاثُونَ ذِرَاعًا ، وَزَادَ مَعْمَرٌ فِي رِوَايَتِهِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ : وَلَا طَافَ النَّاسُ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ ( إِلَّا أَنَّ الْبَيْتَ ) الْكَعْبَةَ ( لَمْ يُتَمَّمْ ) مَا نَقُصَ مِنْهُ ، وَهُمَا الرُّكْنَانِ اللَّذَانِ كَانَا فِي الْأَصْلِ ( عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ ) فَالْمَوْجُودُ الْآنَ فِي جِهَةِ الْحِجْرِ نَقْصُ الْجِدَارِ الَّذِي بَنَتْهُ قُرَيْشٌ ، فَلِذَا لَمْ يَسْتَلِمْهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْأَبِيُّ : هَذَا مِنْ فِقْهِ ابْنِ عُمَرَ ، وَمِنْ تَعْلِيلِ الْعَدَمِ بِالْعَدَمِ ، عَلَّلَ عَدَمَ الِاسْتِلَامِ بِعَدَمِ أَنَّهُمَا مِنَ الْبَيْتِ ، قَالَ غَيْرُهُ : وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ فَإِنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْلَمَ عَائِشَةَ بِذَلِكَ ، فَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى بَعْضَهَا وَبَنَاهَا ابْنُ أخْتِهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ لِغَيْرِهَا مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ لَهَا : فَإِنْ بَدَا لِقَوْمِكَ أَنْ يَبْنُوهُ ، فَهَلُمِّي لِأُرِيَكِ مَا تَرَكُوا مِنْهُ . إِلَخْ .
وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ هُنَا عَنِ الْقَعْنَبِيِّ ، وَفِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَفِي التَّفْسِيرِ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، وَمُسْلِمٍ ، عَنْ يَحْيَى ، الْأَرْبَعَةِ عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَلَهُ مُتَابَعَاتٌ وَطُرُقٌ كَثِيرَةٌ بِزِيَادَاتٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا .