بَاب مَا يَجُوزُ مِنْ الْهَدْيِ
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً فَقَالَ : ارْكَبْهَا ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهَا بَدَنَةٌ ، فَقَالَ : ارْكَبْهَا وَيْلَكَ ، فِي الثَّانِيَةِ أَوْ الثَّالِثَةِ . 848 838 - ( مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذَكْوَانَ ( عَنِ الْأَعْرَجِ ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى رَجُلًا ) قَالَ الْحَافِظُ : لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ بَعْدَ طُولِ الْبَحْثِ ( يَسُوقُ بَدَنَةً ) زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ الْمُغِيرَةِ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ : مُقَلَّدَةٌ ، وَلِلْبُخَارِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ : مُقَلَّدَةٌ نَعْلًا ، وَالْبَدَنَةُ تَقَعُ عَلَى الْجَمَلِ وَالنَّاقَةِ وَالْبَقَرَةِ ، وَكَثُرَ اسْتِعْمَالُهَا فِيمَا كَانَ هَدْيًا . وَفِي الْبُخَارِيِّ : قَالَ مُجَاهِدٌ : سُمِّيَتِ الْبُدْنَ بِبَدَنِهَا ، بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَالْمُهْمَلَةِ لِلْأَكْثَرِ ، وَبِضَمِّهَا وَسُكُونِ الدَّالِ .
وَفِي رِوَايَةٍ : لِبَدَانَتِهَا ، أَيْ سِمَنِهَا . وَلِعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : إِنَّمَا سَمِّيَتِ الْبُدْنَ مِنْ قِبَلِ السِّمَانَةِ ( فَقَالَ : ارْكَبْهَا ) لِضَرُورَتِكَ ، فَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بدنة وَقَدْ أُجْهِدَ ، فَقَالَ لَهُ : ارْكَبْهَا . ( فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهَا بَدَنَةٌ ) أَيْ : هَدْيٌّ ( فَقَالَ : ارْكَبْهَا وَيْلَكَ ، فِي الثَّانِيَةِ ، أَوِ الثَّالِثَةِ ) بِالشَّكِّ مِنَ الرَّاوِي ، وَفِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ : وَيْلَكَ ارْكَبْهَا وَيْلَكَ ارْكَبْهَا وَلِأَحْمَدَ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ وَالثَّوْرِيِّ ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ عِجْلَانَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : ارْكَبْهَا وَيْحَكَ قَالَ : إِنَّهَا بَدَنَةٌ ، قَالَ : ارْكَبْهَا وَيْحَكَ زَادَ الْبُخَارِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عِكْرِمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ رَاكِبَهَا يُسَايِرُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالنَّعْلُ فِي عُنُقِهَا وَهَذِهِ الطُّرُقُ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّهُ أَطْلَقَ الْبَدَنَةَ عَلَى الْوَاحِدَةِ مِنَ الْإِبِلِ الْمُهْدَاةِ إِلَى الْبَيْتِ ، إِذْ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ مَدْلُولَهَا اللُّغَوِيَّ لَمْ يَحْسُنِ الْجَوَابُ بِأَنَّهَا بَدَنَةٌ لَأَنَّ كَوْنَهَا مِنَ الْإِبِلِ مَعْلُومٌ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الرَّجُلَ ظَنَّ أَنَّهُ خَفِيَ عَلَيْهِ كَوْنُهَا هَدْيًا ، فَقَالَ : إِنَّهَا بَدَنَةٌ ، وَالْحَقُّ أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَخْفَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّهَا كَانَتْ مُقَلَّدَةً ، وَلِذَا قَالَ لَمَّا زَادَ فِي مُرَاجَعَتِهِ : وَيْلَكَ ؛ تَأْدِيبًا لِمُرَاجَعَتِهِ مَعَ عَدَمِ خَفَاءِ الْحَالِ عَلَيْهِ ، وَبِهِ جَزْمُ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَابْنُ الْعَرَبِيِّ ، وَبَالَغَ فَقَالَ : الْوَيْلُ لِمَنْ رَاجَعَ فِي ذَلِكَ بَعْدَ هَذَا ، وَلَوْلَا أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اشْتَرَطَ عَلَى رَبِّهِ مَا اشْتَرَطَ لَهَلَكَ الرَّجُلُ لَا مَحَالَةَ .
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ فَهِمَ عَنْهُ تَرْكَ رُكُوبِهَا عَلَى عَادَةِ الْجَاهِلِيَّةِ فِي السَّائِبَةِ وَغَيْرِهَا ، فَزَجَرَهُ عَنْ ذَلِكَ ، فَعَلَى الْحَالَتَيْنِ فَهِيَ دُعَاءٌ ، وَرَجَّحَهُ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ قَالُوا : وَالْأَمْرُ هُنَا وَإِنْ قُلْنَا إِنَّهُ لِلْإِرْشَادِ ؛ لَكِنَّهُ اسْتَحَقَّ الذَّمَّ لِتَوَقُّفِهِ عَنِ امْتِثَالِ الْأَمْرِ ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ مَا تَرَكَ الِامْتِثَالَ عِنَادًا ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ ظَنَّ أَنَّهُ يَلْزَمُ غُرْمٌ بِرُكُوبِهَا أَوْ إِثْمٌ ، وَأَنَّ الْإِذْنَ بِرُكُوبِهَا إِنَّمَا هُوَ لِلشَّفَقَةِ عَلَيْهِ ، فَلَمَّا أَغْلَظَ لَهُ بَادَرَ إِلَى الِامْتِثَالِ ، وَقِيلَ : لِأَنَّهُ أَشْرَفَ عَلَى هَلَكَةٍ مِنَ الْجُهْدِ ، وَوَيْلٌ يُقَالُ لِمَنْ وَقَعَ فِي هَلَكَةٍ ، فَالْمَعْنَى أَشْرَفَتْ عَلَى الْهَلَكَةِ فَارْكَبْ ، فَعَلَى هَذَا هِيَ إِخْبَارٌ ، وَقِيلَ : هِيَ كَلِمَةٌ تُدَعِّمُ بِهَا الْعَرَبُ كَلَامَهَا ، وَلَا تَقْصِدُ مَعْنَاهَا كَقَوْلِهِمْ : لَا أُمَّ لَكَ ، وَيُقَوِّيهِ مَا تَقَدَّمَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ بِلَفْظِ وَيْحَكَ بَدَلَ وَيْلَكَ ، فَإِنَّهُ يُقَالُ : وَيْلَكَ لِمَنْ وَقَعَ فِي هَلَكَةٍ يَسْتَحِقُّهَا ، وَوَيْحٌ لِمَنْ وَقَعَ فِي هَلَكَةٍ لَا يَسْتَحِقُّهَا . وَفِي الْحَدِيثِ تَكْرِيرُ الْفَتْوَى ، وَالنَّدْبُ إِلَى الْمُبَادَرَةِ إِلَى امْتِثَالِ الْأَمْرِ ، وَزَجْرُ مَنْ لَمْ يُبَادِرْ وَتَوْبِيخُهُ ، وَجَوَازُ مُسَايَرَةِ الْكِبَارِ فِي السَّفَرِ ، وَأَنَّ الْكَبِيرَ إِذَا رَأَى مَصْلَحَةً لِلصَّغِيرِ لَا يَأْنَفُ عَنْ إِرْشَادِهِ إِلَيْهَا ، وَاحْتَجَّ بِإِطْلَاقِهِ ، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى : لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ ( سُورَةُ الْحَجِّ : الْآيَةُ 33 ) مَنْ أَجَازَ رُكُوبَ الْهَدْيِ اخْتِيَارًا حَيْثُ لَا يَضُرُّهَا . وَرَوَاهُ ابْنُ نَافِعٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، وَكَرِهَهُ الْجُمْهُورُ ، وَمَالِكٌ فِي الْمَشْهُورِ إِلَّا لِضَرُورَةٍ ، لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ ، عَنْ جَابِرٍ ، مَرْفُوعًا : ارْكَبْهَا بِالْمَعْرُوفِ إِذَا أُلْجِئْتَ إِلَيْهَا حَتَّى تَجِدَ ظَهْرًا قَالَ الْمَازِرِيُّ : لِأَنَّهُ مُقَيَّدٌ وَالْمُقَيَّدُ يَقْضِي عَلَى الْمُطْلَقِ ، وَلِأَنَّهُ شَيْءٌ خَرَجَ عَنْهُ لِلَّهِ تَعَالَى فَلَا يَرْجِعُ فِيهِ ، وَلَوْ أُبِيحَ النَّفْعُ بِلَا ضَرُورَةٍ أُبِيحَ إِجَارَتُهُ ، وَلَا يَجُوزُ بِاتِّفَاقٍ ، ثُمَّ إِذَا رَكِبَ لِلْعُذْرِ لَا يَلْزَمُهُ النُّزُولُ بَعْدَ الرَّاحَةِ اسْتِصْحَابًا لِإِبَاحَةِ الرُّكُوبِ ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ ، وَعَنْهُ أَيْضًا يَلْزَمُهُ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى وُجُودِ غَيْرِهَا ، وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ : يَجِبُ رُكُوبُهَا تَمَسُّكًا بِظَاهِرِ الْأَمْرِ ، وَلِمُخَالَفَةِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنَ الْبَحِيرَةِ وَالسَّائِبَةِ .
وَرَدَّهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِأَنَّ الَّذِينَ سَاقُوا الْهَدْيَ فِي عَهْدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانُوا كَثِيرًا ، وَلَمْ يَأْمُرْ أَحَدًا مِنْهُمْ بِذَلِكَ ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ : أَنَّ عَلِيًّا سُئِلَ هَلْ يَرْكَبُ الرَّجُلُ هَدْيَهُ ؟ فَقَالَ : لَا بَأْسَ قَدْ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمُرُّ بِالرِّجَالِ يَمْشُونَ فَيَأْمُرُهُمْ يَرْكَبُونَ هَدْيَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِسْنَادُهُ صَالِحٌ ، وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْمَرَاسِيلِ عَنْ عَطَاءٍ ، قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْمُرُ بِالْبَدَنَةِ إِذَا احْتَاجَ إِلَيْهَا سَيِّدُهَا أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهَا وَيَرْكَبَهَا غَيْرُ مُنْهِكِهَا قُلْتُ : هَذَا الْمُرْسَلُ مُقَيَّدٌ بِالْحَاجَةِ ، وَعَلَيْهَا يُحْمَلُ حَدِيثُ عَلِيٍّ ، فَلَا يُرَدُّ عَلَى أَبِي عُمَرَ ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ هَدْيِ التَّطَوُّعِ وَالْوَاجِبِ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَسْتَفْصِلْ صَاحِبَ الْبَدَنَةِ عَنْ ذَلِكَ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ لَا يَخْتَلِفُ . وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَمُسْلِمٌ ، عَنْ يَحْيَى ، وَأَبُو دَاوُدَ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، عَنْ قُتَيْبَةَ ، الْأَرْبَعَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابِعِهِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي الزِّنَادِ بِهِ .