بَاب جَامِعِ الْحَجِّ
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي عَبْلَةَ ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ كَرِيزٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَا رُئِيَ الشَّيْطَانُ يَوْمًا هُوَ فِيهِ أَصْغَرُ وَلَا أَدْحَرُ وَلَا أَحْقَرُ وَلَا أَغْيَظُ مِنْهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِمَا رَأَى مِنْ تَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ ، وَتَجَاوُزِ اللَّهِ عَنْ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ ، إِلَّا مَا أُرِيَ يَوْمَ بَدْرٍ ، قِيلَ : وَمَا رَأَى يَوْمَ بَدْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : أَمَا إِنَّهُ قَدْ رَأَى جِبْرِيلَ يَزَعُ الْمَلَائِكَةَ . 962 945 - ( مَالِكٌ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي عَبْلَةَ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ ، وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ ، وَاسْمُهُ شِمْرٌ ، بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ ، ابْنُ يَقْظَانَ الْعَقِيلِيُّ ، ثُمَّ الشَّامِيُّ يُكَنَّى أَبَا إِسْمَاعِيلَ ثِقَةٌ تَابِعِيٌّ ، سَمِعَ أَنَسًا وَأَبُا أُمَامَةَ وَوَائِلَةَ ، سَكَنَ الشَّامَ وَبِهَا مَاتَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ أَوْ إِحْدَى وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ ، لِمَالِكٍ عَنْهُ مَرْفُوعًا هَذَا الْحَدِيثُ الْوَاحِدُ ( عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ) بِضَمِّ الْعَيْنِ ( ابْنِ كَرِيزٍ ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَإِسْكَانِ التَّحْتِيَّةِ وَزَايٍ مَنْقُوطَةٍ ، الْخُزَاعِيِّ ، وَثَّقَهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ ، يُكَنَّى أَبَا الْمُطَرِّفِ ، وَهُوَ تَابِعِيٌّ مَاتَ بِالشَّامِ سَنَةَ ثَمَانِ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ ، وَوَهِمَ مَنْ ظَنِّهِ أَحَدَ الْعَشَرَةِ لِأَنَّهُ تَيْمِيٌّ ، وَاسْمُ جَدِّهِ عُثْمَانُ ، وَهَذَا خُزَاعِيٌّ ، وَجَدُّهُ كَرِيزٌ ، فَحَدِيثُهُ مُرْسَلٌ ، وَزَعَمَ ابْنُ الْحَذَّاءِ أَنَّهُ مِنَ الْغَرَائِبِ الَّتِي لَمْ يُوجَدْ لَهَا إِسْنَادٌ ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا أَسْنَدَهُ مِنْ قُصُورِهِ الشَّدِيدِ ، فَقَدْ وَصَلَهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ : ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ : مَا رُئِيَ ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ ( الشَّيْطَانُ يَوْمًا ) أَيْ فِي يَوْمٍ ( هُوَ فِيهِ أَصْغَرُ ) أَيْ أَذَلُّ ( وَلَا أَدْحَرُ ) بِإِسْكَانِ الدَّالِ وَفَتْحِ الْحَاءِ وَبِالرَّاءِ مُهْمَلَاتٍ ، أَيْ أَبْعَدُ عَنِ الْخَيْرِ ، قَالَ تَعَالَى : ( مَدْحُورًا ) ( سُورَةُ الْإِسْرَاءِ : الْآيَةُ 18 ) أَيْ مُبْعَدًا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ( وَلَا أَحْقَرُ ) : أَذَلُّ وَأَهْوَنُ عِنْدَ نَفْسِهِ لِأَنَّهُ عِنْدَ النَّاسِ حَقِيرٌ أَبَدًا ( وَلَا أَغْيَظُ ) : أَشَدُّ غَيْظًا مُحِيطًا بِكَبِدِهِ ، وَهُوَ أَشَدُّ الْحَنَقِ ( مِنْهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِمَا رَأَى مِنْ تَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ ) أَيِ الْمَلَائِكَةِ النَّازِلِينَ بِهَا عَلَى الْوَاقِفِينَ بِعَرَفَةَ ، وَهُوَ - لَعَنَهُ اللَّهُ - لَا يُحِبُّ ذَلِكَ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَرَى الرَّحْمَةَ نَفْسَهَا ، وَلَعَلَّهُ رَأَى الْمَلَائِكَةَ تَبْسُطُ أَجْنِحَتَهَا بِالدُّعَاءِ لِلْحَاجِّ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ سَمِعَ الْمَلَائِكَةَ تَقُولُ : غُفِرَ لِهَؤُلَاءِ ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ ، فَعَلِمَ أَنَّهُمْ نَزَلُوا بِالرَّحْمَةِ ، وَرُؤْيَتُهُ الْمَلَائِكَةَ لِلْغَيْظِ لَا لِلْإِكْرَامِ ، قَالَهُ أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ الْبَوْنِيُّ ( وَتَجَاوُزِ اللَّهِ عَنِ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ ) الْكَبَائِرِ الَّتِي زَيَّنَهَا لَهُمْ - لَعَنَهُ اللَّهُ - وَكَانَ يَوَدُّ أَنْ يُهْلِكَهُمْ بِهَا وَانْتِقَالَهُمْ مِنْهَا إِلَى الْكُفْرِ ، لِأَنَّهَا كَمَا قِيلَ بَرِيدُهُ ؛ فَيَخْلُدُوا فِي الْعَذَابِ الْأَلِيمِ مِثْلَهُ ( إِلَّا مَا أُرِيَ يَوْمَ بَدْرٍ ) أَوَّلُ غَزْوَةٍ وَقَعَ فِيهَا الْقِتَالُ ، وَكَانَتْ فِي ثَانِيَةِ الْهِجْرَةِ ( قِيلَ : وَمَا رَأَى يَوْمَ بَدْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : أَمَا ) بِالتَّخْفِيفِ ( إِنَّهُ قَدْ رَأَى جِبْرِيلَ يَزَعُ ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالزَّايِ الْمَنْقُوطَةِ وَعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ ، أَيْ يَصِفُّ ( الْمَلَائِكَةَ ) لِلْقِتَالِ وَيَمْنَعُهُمْ أَنْ يَخْرُجَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ فِي الصَّفِّ ، قَالَ الشَّاعِرُ : وَلَا يَزَعُ النَّفْسُ اللَّحُوحُ عَنِ الْهَوَى مِنَ النَّاسِ إِلَّا وَافِرَ الْعَقْلِ كَامِلُهُ وَقِيلَ مَعْنَاهُ : يَكُفُّهُمْ ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِذْ لَوْ رَأَى ذَلِكَ لَأَحَبَّهُ ، وَلَكِنَّهُ رَآهُ يُعَبِّيهِمْ لِلْقَتَّالِ ، وَالْمُعَبِّي يُسَمَّى وَازِعًا وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ﴾ ( سُورَةُ النَّمْلِ : الْآيَةُ 17 ) أَيْ يَحْبِسُ أَوَّلَهَمْ عَلَى آخِرِهِمْ ، وَفِيهِ فَضْلُ الْحَجِّ وَشُهُودُ عَرَفَةَ وَسِعَةُ فَضْلِ اللَّهِ عَلَى الْمُذْنِبِينَ . وَفِي مُسْلِمٍ ، وَالنَّسَائِيِّ ، وَابْنِ مَاجَهْ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا : مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرُ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبِيدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو وَيَتَجَلَّى ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ ، فَيَقُولُ : مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ وَلِأَحْمَدَ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ : إِنَّ اللَّهَ يُبَاهِي بِأَهْلِ عَرَفَاتٍ أَهْلَ السَّمَاءِ ، فَيَقُولُ لَهُمْ : انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي جَاؤُونِي شُعْثًا غُبْرًا ، وَرَوَى ابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَالْبَزَّارُ ، وَأَبُو يَعْلَى ، وَالْبَيْهَقِيُّ ، عَنْ جَابِرٍ رَفَعَهُ : مَا مِنْ يَوْمٍ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ ، يَنْزِلُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا ، فَيُبَاهِي بِأَهْلِ الْأَرْضِ أَهْلَ السَّمَاءِ فَيَقُولُ : انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي جَاؤُونِي شُعْثًا غُبْرًا ضَاجِّينَ جَاؤُوا مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ يَرْجُونَ رَحْمَتِي وَلَمْ يَرَوْا عِقَابِي ، فَلَمْ يُرَ يَوْمًا أَكْثَرُ عِتْقًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ ، زَادَ الْبَيْهَقِيُّ : فَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ : إِنَّ فُلَانًا فِيهِمْ ، وَهُوَ مُرْهَقٌ ، فَيَقُولُ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ : قَدْ غَفَرْتُ لَهُ .