بَاب التَّرْغِيبِ فِي الْجِهَادِ
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي عُبَادَةُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ : بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْيُسْرِ وَالْعُسْرِ وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ ، وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ ، وَأَنْ نَقُولَ أَوْ نَقُومَ بِالْحَقِّ حَيْثُمَا كُنَّا ، لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ . 977 961 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ) الْأَنْصَارِيِّ ( قَالَ : أَخْبَرَنِي عُبَادَةُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ) الْأَنْصَارِيُّ ، وَيُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ ، مِنَ الثِّقَاتِ ( عَنْ أَبِيهِ ) الْوَلِيدِ يُكَنَّى أَبَا عُبَادَةَ ، وُلِدَ فِي الْعَهْدِ النَّبَوِيِّ وَهُوَ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ ، مَاتَ بَعْدَ السَّبْعِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ ( عَنْ جَدِّهِ ) عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ بْنِ قَيْسٍ الْأَنْصَارِيِّ الْخَزْرَجِيِّ أَبِي الْوَلِيدِ الْمَدَنِيِّ الْبَدْرِيِّ أَحَدِ النُّقَبَاءِ ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ : كَانَ طُولُهُ عَشَرَةَ أَشْبَارٍ مَاتَ بِالرَّمْلَةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ وَلَهُ ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ سَنَةً ، وَقِيلَ عَاشَ إِلَى خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ ( قَالَ : بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ ، وَضُمِّنَ بَايَعَ مَعْنَى عَاهَدَ فَعُدِّيَ بِعَلَى فِي قَوْلِهِ ( عَلَى السَّمْعِ ) لَهُ بِإِجَابَةِ أَقْوَالِهِ ( وَالطَّاعَةِ ) لَهُ بِفِعْلِ مَا يَقُولُ ، قَالَ الْبَاجِيُّ : السَّمْعُ هُنَا يَرْجِعُ إِلَى مَعْنَى الطَّاعَةِ ( فِي الْيُسْرِ وَالْعُسْرِ ) أَيْ يُسْرِ الْمَالِ وَعُسْرِهِ ( وَالْمَنْشَطِ ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْمُعْجَمَةِ بَيْنَهُمَا نُونٌ سَاكِنَةٌ آخِرُهُ طَاءٌ مُهْمَلَةٌ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ مِنَ النَّشَاطِ ( وَالْمَكْرَهِ ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَثَالِثِهِ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ أَيْضًا أَيْ وَقْتَ النَّشَاطِ إِلَى امْتِثَالِ أَوَامِرِهِ وَقْتَ الْكَرَاهِيَةِ كَذَلِكَ ، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ : الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ فِي وَقْتِ الْكَسَلِ وَالْمَشَقَّةِ فِي الْخُرُوجِ لِيُطَابِقَ قَوْلَهُ الْمَنْشَطُ ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ رَفَاعَةَ ، عَنْ عُبَادَةَ : فِي النَّشَاطِ وَالْكَسَلِ ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ : أَيْ عَهْدُنَا بِالْتِزَامِ السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي حَالَتَيِ الشِّدَّةِ وَالرَّخَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالسَّرَّاءِ ، وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِالْمُفَاعَلَةِ لِلْمُبَالَغَةِ وَالْإِيذَانِ بِأَنَّهُ الْتَزَمَ لَهُمْ أَيْضًا بِالْأَجْرِ وَالثَّوَابِ وَالشَّفَاعَةِ يَوْمَ الْحِسَابِ عَلَى الْقِيَامِ بِمَا الْتَزَمُوا ، زَادَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : وَعَلَى أَثْرِهِ عَلَيْنَا ( وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ ) أَيِ الْمُلْكَ وَالْإِمَارَةَ ( أَهْلَهُ ) قَالَ الْبَاجِيُّ : يُحْتَمَلُ أَنَّ هَذَا شَرْطٌ عَلَى الْأَنْصَارِ وَمَنْ لَيْسَ مِنْ قُرَيْشٍ أَنْ لَا يُنَازِعُوا أَهْلَهُ وَهُمْ قُرَيْشٌ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ مِمَّا أُخِذَ عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ أَنْ لَا يُنَازِعُوا مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ الْأَمْرَ مِنْهُمْ وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ يَصْلُحُ لِذَلِكَ الْأَمْرِ إِذَا صَارَ لِغَيْرِهِ ، قَالَ السُّيُوطِيُّ : الثَّانِي هُوَ الصَّحِيحُ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ زِيَادَةَ : وَإِنْ رَأَيْتَ أَنَّ لَكَ فِي الْأَمْرِ حَقًّا ، وَعِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ زِيَادَةُ : وَإِنْ أَكَلُوا مَالَكَ وَضَرَبُوا ظَهْرَكَ وَفِي الْبُخَارِيِّ زِيَادَةُ : إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا أَيْ ظَاهِرًا بَادِيًا انْتَهَى . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : اخْتُلِفَ فِي أَهْلِهِ فَقِيلَ أَهْلُ الْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَالْفَضْلِ فَلَا يُنَازَعُونَ لِأَنَّهُمْ أَهْلُهُ ، أَمَّا أَهْلُ الْفِسْقِ وَالْجَوْرِ وَالظُّلْمِ فَلَيْسُوا بِأَهْلِهِ ، أَلَا تَرَى قَوْلَهُ تَعَالَى : لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ( سُورَةُ الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ 124 ) وَإِلَى مُنَازَعَةِ الظَّالِمِ الْجَائِرِ ذَهَبَتْ طَوَائِفُ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَعَامَّةُ الْخَوَارِجِ ، أَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ فَقَالُوا : الِاخْتِيَارُ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ فَاضِلًا عَدْلًا مُحْسِنًا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَالصَّبْرُ عَلَى طَاعَةِ الْجَائِرِ أَوْلَى مِنَ الْخُرُوجِ عَلَيْهِ لِمَا فِيهِ مِنِ اسْتِبْدَالِ الْأَمْنِ بِالْخَوْفِ وَهَرْقِ الدِّمَاءِ وَشَنِّ الْغَارَاتِ وَالْفَسَادِ ، وَذَلِكَ أَعْظَمُ مِنَ الصَّبْرِ عَلَى جَوْرِهِ وَفِسْقِهِ ، وَالْأُصُولُ تَشْهَدُ وَالْعَقْلُ وَالدِّينُ أَنَّ أَوْلَى الْمَكْرُوهَيْنِ أَوْلَاهُمَا بِالتَّرْكِ .
( وَأَنْ نَقُولَ ) بِاللَّامِ ( أَوْ نَقُومَ ) بِالْمِيمِ شَكٌّ مِنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَوْ مَالِكٍ ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى الْإِتْيَانِ بِالْأَلْفَاظِ وَمُرَاعَاتِهَا ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ( بِالْحَقِّ حَيْثُمَا كُنَّا لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ ) أَيْ فِي نُصْرَةِ دِينِهِ ( لَوْمَةَ لَائِمٍ ) مِنَ النَّاسِ ، وَاللَّوْمَةُ الْمَرَّةُ مِنَ اللَّوْمِ ، قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ : وَفِيهَا وَفِي التَّنْكِيرِ مُبَالَغَتَانِ كَأَنَّهُ قَالَ : لَا نَخَافُ شَيْئًا قَطُّ مِنْ لَوْمِ أَحَدٍ مِنَ اللُّوَّامِ ، وَ لَوْمَةَ مَصْدَرٌ مُضَافٌ لِفَاعِلِهِ فِي الْمَعْنَى ، وَفِيهِ تَغْيِيرُ الْمُنْكَرِ عَلَى كُلِّ مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ ، وَأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَلْحَقْهُ فِي تَغْيِيرِهِ إِلَّا اللَّوْمُ الَّذِي لَا يَتَعَدَّى إِلَى الْأَذَى وَجَبَ أَنْ يُغَيِّرَهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَبِقَلْبِهِ ، وَكَمَا وَجَبَتْ مُجَاهَدَةُ الْكُفَّارِ حَتَّى يَظْهَرَ دِينُ اللَّهِ كَمَا قَالَ : وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ( سُورَةُ الْحَجِّ : الْآيَةُ 78 ) كَذَلِكَ يَجِبُ مُجَاهَدَةُ كُلِّ مَنْ عَانَدَ الْحَقَّ حَتَّى يَظْهَرَ عَلَى مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَكَذَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ مَالِكٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ جُمْهُورُ رُوَاتِهِ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَمَا خَالَفَهُ عَنْ مَالِكٍ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ ، وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ فَذَكَرَهُ مَبْسُوطًا أَضْرَبْتُ عَنْهُ لِأَنَّ الشَّيْخَيْنِ لَمْ يَلْتَفِتَا إِلَيْهِ وَاعْتَمَدَا رِوَايَةَ مَالِكٍ وَمَنْ وَافَقَهُ ، فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَمُسْلِمٌ فِي الْمَغَازِي مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ بِهِ .