شرح الزرقاني على الموطأ
بَاب الشُّهَدَاءِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
983
حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : وَالَّذِينَفْسِي بِيَدِهِ ، لَوَدِدْتُ أَنِّي أُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأُقْتَلُ ، ثُمَّ أُحْيَا فَأُقْتَلُ ، ثُمَّ أُحْيَا فَأُقْتَلُ ، فَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقُولُ ثَلَاثًا : أَشْهَدُ بِاللَّهِ .
14
بَابُ الشُّهَدَاءِ فِيسَبِيلِ اللَّهِ 999
983
( مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذَكْوَانَ ( عَنِ الْأَعْرَجِ ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ) بِمُلْكِهِ وَقُدْرَتِهِ ، قَالَهُ عِيَاضٌ ( لَوَدِدْتُ ) بِلَامٍ مَفْتُوحَةٍ فِي جَوَابِ الْقَسَمِ ، وَفِي رِوَايَةٍ بِغَيْرِ لَامٍ وَكَسْرِ الدَّالِ الْأُولَى وَسُكُونِ الثَّانِيَةِ ( أَنِّي أُقَاتِلُ ) بِصِيغَةِ الْمُفَاعَلَةِ ( فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأُقْتَلُ ثُمَّ أَحْيَا ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ فِيهِمَا ( فَأُقْتَلُ ثُمَّ أَحْيَا فَأُقْتَلُ ) وَفِي رِوَايَةٍ : ثُمَّ أُقْتَلُ فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ بَدَلُ الْفَاءِ ، قَالَ الطِّيبِيُّ : ثُمَّ وَإِنْ دَلَّتْ عَلَى تَرَاخِي الزَّمَانِ لَكِنَّ الْحَمْلَ عَلَى تَرَاخِي الرُّتْبَةِ هُوَ الْوَجْهُ لِأَنَّ التَّمَنِّيَ حُصُولُ دَرَجَاتٍ بَعْدَ الْقَتْلِ ، وَالْإِحْيَاءِ لَمْ يَحْصُلْ قَبْلُ ، وَمِنْ ثَمَّ كَرَّرَهَا لِنَيْلِ مَرْتَبَةٍ بَعْدَ مَرْتَبَةٍ إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى الْفِرْدَوْسِ الْأَعْلَى . ( فَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقُولُ ثَلَاثًا : أَشْهَدُ اللَّه ) أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ ذَلِكَ ، وَفَائِدَةُ التَّأْكِيدِ لِتَطْمَئِنَّ نَفْسُ سَامِعِهِ إِلَيْهِ وَلَا يَشُكَّ فِيمَا حَدَّثَهُ بِهِ وَهَذَا مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي ، وَيَأْتِي مِنْ رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ زِيَادَةٌ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ ، وَاسْتُشْكِلَ هَذَا التَّمَنِّي مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ لَا يُقْتَلُ ، وَأَجَابَابْنُ التِّينِ بِاحْتِمَالِ أَنَّهُ قَبْلَ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ( سُورَةُ الْمَائِدَةِ : الْآيَةُ 67 ) وَرَدَّ بِأَنَّ نُزُولَهَا كَانَ فِي أَوَائِلِ مَا قَدِمَ إِلَى الْمَدِينَةِ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ صَرَّحَ أَبُو هُرَيْرَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْهُ بِسَمَاعِهِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنَّمَا قَدِمَ أَبُو هُرَيْرَةَ فِي أَوَائِلِ سَنَةِ سَبْعٍ ، وَالَّذِي يَظْهَرُ فِي الْجَوَابِ أَنَّ تَمَنِّيَ الْفَضْلِ وَالْخَيْرِ لَا يَسْتَلْزِمُ الْوُقُوعَ فَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَدِدْتُ لَوْ أَنَّ مُوسَى صَبَرَ وَلَهُ نَظَائِرُ فَكَأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرَادَ الْمُبَالَغَةَ فِي بَيَانِ فَضْلِ الْجِهَادِ وَتَحْرِيضِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ ، قَالَ ابْنُ التِّينِ : وَهَذَا أَشْبَهُ ، وَفِي الْحَدِيثِ اسْتِحْبَابُ طَلَبِ الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَجَوَازِ قَوْلِهِ : وَدِدْتُ حُصُولَ كَذَا مِنَ الْخَيْرِ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ ؛ لِأَنَّ فِيهِ إِظْهَارَ مَحَبَّةِ الْخَيْرِ وَالرَّغْبَةِ فِيهِ ، وَالْأَجْرُ يَقَعُ عَلَى قَدْرِ النِّيَّةِ ، وَتَمَنِّي مَا يَمْتَنِعُ عَادَةً ، وَفِيهِ أَنَّ الْجِهَادَ عَلَى الْكِفَايَةِ إِذْ لَوْ كَانَ عَلَى الْأَعْيَانِ مَا تَخَلَّفَ عَنْهُ أَحَدٌ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْخِطَابَ إِنَّمَا يَتَوَجَّهُ عَلَى الْقَادِرِ ، أَمَّا الْعَاجِزُ فَمَعْذُورٌ ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ ( سُورَةُ النِّسَاءِ : الْآيَةُ 95 ) وَأَدِلَّةُ كَوْنِهِ فَرْضَ كِفَايَةٍ يُؤْخَذُ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ .
وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّمَنِّي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، عَنْ مَالِكٍ بِهِ . وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ ، وَطُرُقُهُ كَثِيرَةٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا .