حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
شرح الزرقاني على الموطأ

بَاب التَّرْغِيبِ فِي الْجِهَادِ

994
حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا ذَهَبَ إِلَى قُبَاءٍ يَدْخُلُ عَلَى أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ فَتُطْعِمُهُ ، وَكَانَتْ أُمُّ حَرَامٍ تَحْتَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فَأَطْعَمَتْهُ وَجَلَسَتْ تَفْلِي فِي رَأْسِهِ ، فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ ، قَالَتْ : فَقُلْتُ : مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ مُلُوكًا عَلَى الْأَسِرَّةِ أَوْ مِثْلَ الْمُلُوكِعَلَى الْأَسِرَّةِ - يَشُكُّ إِسْحَقُ - قَالَتْ : فَقُلْتُ لَهُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ ، فَدَعَا لَهَا ، ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ ، فَنَامَ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ يَضْحَكُ ، قَالَتْ : فَقُلْتُ لَهُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا يُضْحِكُكَ ؟ قَالَ : نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ مُلُوكًا عَلَى الْأَسِرَّةِ ، أَوْ مِثْلَ الْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ ، كَمَا قَالَ فِي الْأُولَى ، قَالَتْ : فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ ، فَقَالَ : أَنْتِ مِنْ الْأَوَّلِينَ ، قَالَ : فَرَكِبَتْ الْبَحْرَ فِي زَمَانِ مُعَاوِيَةَ فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتِهَا حِينَ خَرَجَتْ مِنْ الْبَحْرِ فَهَلَكَتْ .
18
بَابُ التَّرْغِيبِ فِي الْجِهَادِ يَعْنِي زِيَادَةً عَلَى مَا سَبَقَ ، فَإِنَّ هَذِهِ التَّرْجَمَةَ مَرَّتْ بِلَفْظِهَا أَوَّلَ كِتَابِالْجِهَادِ لَكِنَّ أَحَادِيثَهُمَا مُتَغَايِرَةٌ فَلَا تَكْرَارَ ، وَإِنْ كَانَ يُمْكِنُ جَعْلُ جَمِيعِ الْأَحَادِيثِ تَرْجَمَةً وَاحِدَةً . 1011
994
( مَالِكٌ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ) زَيْدِ بْنِ سَهْلٍ الْأَنْصَارِيِّ ( عَنْ ) عَمِّهِ ( أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا ذَهَبَ إِلَى قُبَا ) بِضَمِّ الْقَافِ وَالْمَدِّ وَالصَّرْفِ مُذَكَّرٌ ، وَبِالْقَصْرِ وَالتَّأْنِيثِ وَمَنْعِ الصَّرْفِ ( يَدْخُلُ عَلَى أُمِّ حَرَامٍ ) بِحَاءٍ وَرَاءٍ مُهْمَلَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ ( بِنْتِ مِلْحَانَ )بِكَسْرِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ اللَّامِ وَمُهْمَلَةٍ فَأَلِفٍ فَنُونٍ وَاسْمُهُ مَالِكُ بْنُ خَالِدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَرَامٍ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَتَيْنِ الْأَنْصَارِيَّةِ خَالَةِ أَنَسٍ ، قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ أَقِفْ لَهَا عَلَى اسْمٍ صَحِيحٍ ، قَالَ فِي الْإِصَابَةِ : وَيُقَالُ إِنَّهَا الرُّمَيْصَا بِالرَّاءِ وَالْغُمَيْصَا بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَلَا يَصِحُّ ، بَلِ الصَّحِيحُ أَنَّ ذَلِكَ وَصْفٌ لِأُخْتِهَا أُمِّ سُلَيْمٍ ، ثَبَتَ ذَلِكَ فِي حَدِيثَيْنِ لِأَنَسٍ ، وَجَابِرٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ .

( فَتُطْعِمُهُ ) مِمَّا فِي بَيْتِهَا مِنَ الطَّعَامِ ( وَكَانَتْ أُمُّ حَرَامٍ تَحْتَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ) أَيْ كَانَتْ زَوْجَةً لَهُ حِينَئِذٍ فِي الزَّمَنِ النَّبَوِيِّ هَذَا ظَاهِرُهُ . وَلِلْبُخَارِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ التَّصْرِيحُ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ عُبَادَةَ تَزَوَّجَهَا بَعْدُ وَجَمَعَ ابْنُ التِّينِ بِأَنَّهَا كَانَتْ إِذْ ذَاكَ زَوْجَتُهُ ثُمَّ طَلَّقَهَا ثُمَّ رَاجَعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ ، وَالْحَافِظُ يَحْمِلُ رِوَايَةَ إِسْحَاقَ عَلَى أَنَّهَا جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ أَرَادَ وَصْفَهَا بِهِ غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِحَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ ، وَظَهَرَ مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِهِ أَنَّهُ إِنَّمَا تَزَوَّجَهَا بَعْدُ ، وَهَذَا أَوْلَى لِاتِّفَاقِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبِي طُوَالَةَ الْأَنْصَارِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ عَلَى أَنَّ عُبَادَةَ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ ذَلِكَ ، قَالَ : ثُمَّ ظَاهِرُ رِوَايَةِ إِسْحَاقَ أَنَّ الْحَدِيثَ مِنْ مُسْنَدِ أَنَسٍ ، وَكَذَا هُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ أَبِي طُوَالَةَ ، عَنْ أَنَسٍ : دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى بِنْتِ مِلْحَانَ وَأَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى فَقَالَ : عَنْ أَنَسٍ عَنْ خَالَتِهِ أُمِّ حَرَامٍ ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ مِنْ مُسْنَدِ أُمِّ حَرَامٍ وَهُوَ الْمُعْتَمِدُ ، وَكَأَنَّ أَنَسًا لَمْ يَحْضُرْ ذَلِكَ فَحَمَلَهُ عَنْ خَالَتِهِ ( فَدَخَلَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَطْعَمَتْهُ ) لَمْ يُوقَفْ عَلَى تَعْيِينِ مَا أَكَلَ عِنْدَهَا يَوْمَئِذٍ ( وَجَلَسَتْ تَفْلِي ) بِفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ وَإِسْكَانِ الْفَاءِ وَكَسْرِ اللَّامِ مِنْ فَلَى يَفْلِي كَضَرَبَ يَضْرِبُ أَيْ تُفَتِّشُ ( فِي ) شَعْرِ ( رَأْسِهِ ) لِإِخْرَاجِ الْهَوَامِّ أَوْ لِلتَّنْظِيفِ ، وَاخْتُلِفَ هَلْ كَانَ فِيهِ قَمْلٌ وَلَا يُؤْذِيهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ أَصْلًا ، وَإِنَّمَا تُفَلِّي ثَوْبَهُ لِلتَّنْظِيفِ مِنْ نَحْوِ الْغُبَارِ ، وَإِنَّمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهَا وَيُمَكِّنُهَا مِنَ التَّفْلِيَةِ لِأَنَّهَا ذَاتُ مَحْرَمٍ مِنْهُ لِأَنَّهَا خَالَةُ أَبِيهِ أَوْ جَدِّهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لِأَنَّ أُمَّهُ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ ، وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : كَانَتْ إِحْدَى خَالَاتِهِ مِنَ الرَّضَاعَةِ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : فَأَيُّ ذَلِكَ كَانَ فَهِيَ مَحْرَمٌ لَهُ ، عَلَى أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم مَعْصُومٌ لَيْسَ كَغَيْرِهِ ، وَلَا يُقَاسُ بِهِ سِوَاهُ انْتَهَى .

وَحَكَى النَّوَوِيُّ الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّهَا مَحْرَمٌ ، وَصَحَّحَ الْحَافِظُ الدِّمْيَاطِيُّ أَنْ لَا مَحْرَمِيَّةَ بَيْنَهُمَا فِي جُزْءٍ أَفْرَدَهُ لِذَلِكَ ، وَقَالَ : لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْخَلْوَةِ بِهَا ، فَلَعَلَّ ذَلِكَ كَانَ مَعَ وَلَدٍ أَوْ زَوْجٍ أَوْ خَادِمٍ أَوْ تَابِعٍ ، وَالْعَادَةُ تَقْضِي الْمُحَافَظَةَ بَيْنَ الْمَخْدُومِ وَأَهْلِ الْخَادِمِ لَا سِيَّمَا إِذَا كُنَّ مُسِنَّاتٍ مَعَ مَا ثَبَتَ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْعِصْمَةِ ، وَقِيلَ : هُوَ مِنْ خَصَائِصِهِ وَإِلَيْهِ أَوْمَأَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، قَالَ فِي الْفَتْحِ : وَالَّذِي وَضَحَ لَنَا بِالْأَدِلَّةِ الْقَوِيَّةِ أَنَّ مِنْ خَصَائِصِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَوَازُ الْخَلْوَةِ بِالْأَجْنَبِيَّةِ وَالنَّظَرِ إِلَيْهَا لِمَكَانِ عِصْمَتِهِ ، وَإِنْ نَازَعَ فِي ذَلِكَ الْقَاضِي عِيَاضٌ بِأَنَّ الْخَصَائِصَ لَا تَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ ، قَالَ : وَثُبُوتُ الْعِصْمَةِ مُسَلَّمٌ لَكِنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْخُصُوصِيَّةِ ( فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمًا ) أَيْ فِي يَوْمٍ ، وَفِي رِوَايَةٍ فَقَالَ بِالْقَافِ أَيْ نَامَ وَقْتَ الْقَائِلَةِ ( ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ ) سُرُورًا بِكَوْنِ أُمَّتِهِ تَبْقَى بَعْدَهُ مُظْهِرَةً أُمُورَ الْإِسْلَامِ قَائِمَةً بِالْجِهَادِ حَتَّى فِي الْبَحْرِ ، وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ . ( قَالَتْ ) أُمُّ حَرَامٍ ( فَقُلْتُ : مَا يُضْحِكُكَ ؟ ) بِلَفْظِ الْمُضَارِعِ ( قَالَ : نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ ) بِشَدِّ الْيَاءِ حَالَ كَوْنِهِمْ ( غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَرْكَبُونَ ثَبَجَ ) بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَالْجِيمِ ( هَذَا ) بِمَعْنَى ذَلِكَ ( الْبَحْرِ ) أَيْ وَسَطَهُ أَوْ مُعْظَمَهُ أَوْ هُوَ لَهُ أَقْوَالٌ ، وَلِمُسْلِمٍ : يَرْكَبُونَ ظَهْرَ الْبَحْرِ أَيِ السُّفُنَ الَّتِي تَجْرِي عَلَى ظَهْرِهِ ، وَلَمَّا كَانَ غَالِبُ جَرْيِهَا إِنَّمَا يَكُونُ فِي وَسَطِهِ ، قِيلَ : الْمُرَادُ وَسَطُهُ وَإِلَّا فَلَا اخْتِصَاصَ لَهُ بِالرُّكُوبِ ، زَادَ فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ : الْأَخْضَرِ ، فَقِيلَ : الْمُرَادُ الْأَسْوَدُ ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ : الْأَخْضَرُ صِفَةٌ لَازِمَةٌ لِلْبَحْرِ لَا مُخَصِّصَةٌ إِذْ كُلُّ الْبِحَارِ خُضْرٌ ، فَإِنْ قِيلَ الْمَاءُ بَسِيطٌ لَا لَوْنَ لَهُ ، قُلْتُ تُتَوَهَّمُ الْخُضْرَةُ مِنِ انْعِكَاسِ الْهَوَاءِ وَسَائِرِ مُقَابَلَاتِهِ إِلَيْهِ ( مُلُوكًا ) نُصِبَ بِنَزْعِ الْخَافِضِ أَيْ مِثْلَ مُلُوكٍ كَذَا قِيلَ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ حَالٌ ثَانِيَةٌ مِنْ نَاسٍ بِالتَّقْدِيرِ الْمَذْكُورِ ( عَلَى الْأَسِرَّةِ ) جَمْعُ سَرِيرٍ كَسُرُرٍ بِضَمَّتَيْنِ ( أَوْ مِثْلَ الْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ - يَشُكُّ ) بِالْمُضَارِعِ ( إِسْحَاقُ - ) شَيْخُ مَالِكٍ فِي اللَّفْظِ الَّذِي قَالَهُ أَنَسٌ ، قَالَ أَبُو عُمَرَ : رَأَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صِفَتَهُمْ فِي الْجَنَّةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى : ﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ ( سُورَةُ الصَّافَّاتِ : الْآيَةُ 44 ) وَقَالَ النَّوَوِيُّ : الْأَصَحُّ أَنَّهُ صِفَتُهُمْ فِي الدُّنْيَا أَيْ أَنَّهُمْ يَرْكَبُونَ مَرَاكِبَ الْمُلُوكِ لِسِعَةِ مَالِهِمْ وَاسْتِقَامَةِ أَمْرِهِمْ وَكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ . قَالَ الْحَافِظُ : وَالْإِتْيَانُ بِالتَّمْثِيلِ فِي مُعْظَمِ طُرُقِ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ رَأَى مَا يَؤولُ إِلَيْهِ أَمْرُهُمْ لَا أَنَّهُمْ نَالُوا ذَلِكَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ ، أَوْ مَوْضِعُ التَّشْبِيهِ أَنَّهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي أُثِيبُوا بِهِ عَلَى جِهَادِهِمْ مِثْلُ مُلُوكِ الدُّنْيَا عَلَى أَسِرَّتِهِمْ ، وَالتَّشْبِيهُ بِالْمَحْسُوسِ أَبْلَغُ فِي نَفْسِ السَّامِعِ .

( قَالَتْ ) أُمُّ حَرَامٍ ( فَقُلْتُ ) زَادَ ابْنُ وَضَّاحٍ لَهُ ( يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ ، فَدَعَا لَهَا ) وَاسْتُشْكِلَ الدُّعَاءُ بِالشَّهَادَةِ لِأَنَّ حَاصِلَهُ أَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ أَنْ يُمَكِّنَ مِنْهُ كَافِرًا يَعْصِي اللَّهَ بِقَتْلِهِ فَيَقِلَّ عَدَدُ الْمُسْلِمِينَ وَتُسَرُّ قُلُوبُ الْكُفَّارِ ، وَمُقْتَضَى قَوَاعِدِ الْفِقْهِ أَنْ لَا يَتَمَنَّى مَعْصِيَةَ اللَّهِ لِنَفْسِهِ وَلَا لِغَيْرِهِ . وَأَجَابَ ابْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّ الْمَدْعُوَّ بِهِ قَصْدًا إِنَّمَا هُوَ نَيْلُ الدَّرَجَةِ الرَّفِيعَةِ الْمُعَدَّةِ لِلشُّهَدَاءِ ، وَأَمَّا قَتْلُ الْكَافِرِ لِلْمُسْلِمِ فَلَيْسَ بِمَقْصُودٍ لِلدَّاعِي وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ ضَرُورَاتِ الْوُجُودِ لِأَنَّ اللَّهَ أَجْرَى حُكْمَهُ أَنْ لَا يَنَالَ تِلْكَ الدَّرَجَةَ إِلَّا شَهِيدٌ ، فَاغْتُفِرْ لِحُصُولِ الْمَصْلَحَةِ الْعُظْمَى مِنْ دَفْعِ الْكُفَّارِ وَإِذْلَالِهِمْ وَقَهْرِهِمْ بِقَصْدِ قَتْلِهِمْ حُصُولُ مَا يَقَعُ فِي ضِمْنِ ذَلِكَ مِنْ قَتْلِ بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ ، وَجَازَ تَمَنِّي الشَّهَادَةِ لِمَا بَذَلَ عَلَيْهِ مَنْ وَقَعَتْ لَهُ فِي إِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ حَتَّى بَذَلَ نَفْسَهُ فِي تَحْصِيلِ ذَلِكَ . وَقَوْلُ ابْنِ التِّينِ : لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ تَمَنِّي الشَّهَادَةِ إِنَّمَا فِيهِ تَمَنِّي الْغَزْوِ مَرْدُودٌ بِأَنَّ الشَّهَادَةَ هِيَ الثَّمَرَةُ الْعُظْمَى الْمَطْلُوبَةُ فِي الْغَزْوِ .

( ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ ) ثَانِيًا ( فَنَامَ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ ) حَالَ كَوْنِهِ ( يَضْحَكُ ، قَالَتْ فَقُلْتُ ) زَادَ ابْنُ وَضَّاحٍ لَهُ ( يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا يُضْحِكُكَ ؟ قَالَ : نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) يَرْكَبُونَ الْبَرَّ ( مُلُوكًا عَلَى الْأَسِرَّةِ أَوْ ) قَالَ ( مِثْلَ الْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ - كَمَا قَالَ فِي الْأُولَى - ) مِنْ تَشْبِيهِمْ بِالْمُلُوكِ ، وَشَكَّ إِسْحَاقُ ( قَالَتْ : فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ ، قَالَ : أَنْتِ مِنَ الْأَوَّلِينَ ) الَّذِينَ يَرْكَبُونَ ثَبَجَ الْبَحْرِ ، زَادَ أَبُو عِوَانَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ : وَلَسْتِ مِنَ الْآخِرِينَ . وَلِلْبُخَارِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَنَّهُ قَالَ : فِي الْأُولَى يَغْزُونَ هَذَا الْبَحْرَ وَفِي الثَّانِيَةِ يَغْزُونَ قَيْصَرَ ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الثَّانِيَةَ إِنَّمَا غَزَتْ فِي الْبَرِّ كَمَا فِي الْفَتْحِ ، لَكِنْ فِي رِوَايَةٍ أَخْرَجَهَا ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ ، عَنْ أَنَسٍ عَنْ أُمِّ حَرَامٍ قَالَ : اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا مِنْهُمْ ، ثُمَّ نَامَ فَاسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ ، فَقُلْتُ : مِمَّ تَضْحَكُ ؟ فَقَالَ : عُرِضَ عَلَيَّ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي يَرْكَبُونَ ظَهْرَ الْبَحْرِ ، لَكِنَّ الْمَرْوِيَّ فِي الْبُخَارِيِّ مِنَ الطَّرِيقِ الْمَذْكُورَةِ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ . ( قَالَ ) أَنَسٌ ( فَرَكِبَتْ ) أُمُّ حَرَامٍ ( الْبَحْرَ ) مَعَ زَوْجِهَا عُبَادَةَ ( فِي زَمَانِ ) غَزْوِ ( مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ ) صَخْرِ بْنِ حَرْبٍ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ ، وَكَانَ مُعَاوِيَةُ أَمِيرَ الْجَيْشِ مِنْ جِهَةِ عُثْمَانَ عَلَى غَزَاةِ قُبْرُسَ وَهِيَ أَوَّلُ غَزْوَةٍ كَانَتْ إِلَى الرُّومِ ، هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَأَهْلِ السِّيَرِ .

وَقَالَ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ : فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ . قَالَ الْبَاجِيُّ ، وَعِيَاضٌ : وَهُوَ الْأَظْهَرُ . ( فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتِهَا حِينَ خَرَجَتْ مِنَ الْبَحْرِ فَهَلَكَتْ ) أَيْ مَاتَتْ لَمَّا رَجَعُوا مِنَ الْغَزْوِ بِغَيْرِ مُبَاشَرَةِ قِتَالٍ .

فَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ : فَخَرَجَتْ مَعَ زَوْجِهَا عُبَادَةَ غَازِيًا أَوَّلُ مَا رَكِبَ الْمُسْلِمُونَ الْبَحْرَ مَعَ مُعَاوِيَةَ ، فَلَمَّا انْصَرَفُوا مِنْ غَزْوِهِمْ قَافِلِينَ نَزَلُوا الشَّامَ فَقُرِّبَتْ إِلَيْهَا دَابَّةٌ لِتَرْكَبَهَا فَصَرَعَتْهَا فَمَاتَتْ . وَلَهُ أَيْضًا : فَلَمَّا رجعت قُرِّبَتْ لَهَا دَابَّةٌ لِتَرْكَبَهَا فَوَقَعَتْ فَانْدَقَّتْ عُنُقُهَا . وَلِمُسْلِمٍ مَرْفُوعًا : مَنْ مَاتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ مَرْفُوعًا : مَنْ صُرِعَ عَنْ دَابَّتِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمَاتَ فَهُوَ شَهِيدٌ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ ، فَفِي حَدِيثِ أُمِّ حَرَامٍ أَنَّ حُكْمَ الرَّاجِعِ مِنَ الْغَزْوِ حُكْمُ الذَّاهِبِ إِلَيْهِ فِي الثَّوَابِ .

وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أُمِّ حَرَامٍ أَيْضًا مَرْفُوعًا : أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِي يَغْزُونَ الْبَحْرَ قَدْ أَوْجَبُوا ، قُلْتُ : أَنَا مِنْهُمْ ؟ قَالَ : أَنْتِ مِنْهُمْ ، ثُمَّ قَالَ : أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِي يَغْزُونَ مَدِينَةَ قَيْصَرَ مَغْفُورٌ لَهُمْ ، فَقُلْتُ : أَنَا مِنْهُمْ ؟ قَالَ : لَا قَالَ الْمُهَلَّبُ : فِيهِ مَنْقَبَةٌ لِمُعَاوِيَةَ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ غَزَا الْبَحْرَ ، وَلِابْنِهِ يَزِيدَ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ غَزَا مَدِينَةَ قَيْصَرَ وَهِيَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةُ . وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ ، وَابْنُ التِّينِ بِمَا حَاصِلُهُ : أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ دُخُولِهِ فِي ذَلِكَ الْعُمُومِ أَنْ لَا يَخْرُجَ بِدَلِيلٍ خَاصٍّ ، إِذْ لَا خِلَافَ أَنَّ قَوْلَهُ مَغْفُورٌ لَهُمْ مَشْرُوطٌ بِأَنْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الْمَغْفِرَةِ حَتَّى لَوِ ارْتَدَّ وَاحِدٌ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْعُمُومِ اتِّفَاقًا ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ : مَغْفُورٌ لِمَنْ وُجِدَ شَرْطُ الْمَغْفِرَةِ فِيهِ مِنْهُمْ ، وَاحْتِمَالُ أَنَّ يَزِيدَ لَمْ يَحْضُرْ مَعَ الْجَيْشِ مَرْدُودٌ إِلَّا أَنْ يُرَادَ : لَمْ يُبَاشِرِ الْقِتَالَ فَيُمْكِنُ لِأَنَّهُ كَانَ أَمِيرًا عَلَى ذَلِكَ الْجَيْشِ اتِّفَاقًا مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ ، وَكَانَ فِيهِ أَبُو أَيُّوبَ فَمَاتَ فَدُفِنَ عِنْدَ بَابِ مَدِينَةِ قَيْصَرَ سَنَةَ اثْنَتيْنِ وَخَمْسِينَ ، وَفِيهِ جَوَازُ رُكُوبِ الْبَحْرِ الْمِلْحِ ، وَذَكَرَ مَالِكٌ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ مَنَعَ مِنْهُ فَلَمَّا مَاتَ اسْتَأْذَنَ مُعَاوِيَةُ عُثْمَانَ فَأَذِنَ لَهُ فِي رُكُوبِهِ ، فَلَمْ يَزَلْ يُرْكَبُ إِلَى أَيَّامِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَمَنَعَ مِنْ رُكُوبِهِ ثُمَّ رُكِبَ بَعْدَهُ إِلَى الْآنَ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَإِنَّمَا مَنَعَ الْعُمَرَانِ رُكُوبَهُ فِي التِّجَارَةِ وَطَلَبِ الدُّنْيَا ، أَمَّا فِي الْجِهَادِ وَالْحَجِّ فَلَا ، وَقَدْ أَبَاحَتِ السُّنَّةُ رُكُوبَهُ لِلْجِهَادِ ، فَالْحَجُّ الْمُفْتَرَضُ أَوْلَى .

قَالَ : وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ يُجِيزُونَ رُكُوبَهُ فِي طَلَبِ الْحَلَالِ إِذَا تَعَذَّرَ الْبَرُّ ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي حُرْمَةِ رُكُوبِهِ عِنْدَ ارْتِجَاجِهِ ، وَكَرِهَ مَالِكٌ رُكُوبَ النِّسَاءِ الْبَحْرَ لِمَا يُخْشَى مِنِ اطِّلَاعِهِنَّ عَلَى عَوْرَاتِ الرِّجَالِ وَعَكْسِهِ إِذْ يَعْسُرُ الِاحْتِرَازُ مِنْ ذَلِكَ ، وَخَصَّهُ أَصْحَابُهُ بِالسُّفُنِ الصِّغَارِ ، أَمَّا الْكِبَارُ الَّتِي يُمْكِنُ فِيهَا الِاسْتِتَارُ بِأَمَاكِنَ تَخُصُّهُن فَلَا حَرَجَ ، وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ الْقَائِلَةِ لِمَا فِيهَا مِنَ الْإِعَانَةِ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ ، وَعَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ وَهُوَ الْإِخْبَارُ بِمَا سَيَقَعُ ، فَوَقَعَ كَمَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفَضْلُ شَهِيدِ الْبَحْرِ . وَقَدِ اخْتُلِفَ هَلْ هُوَ أَفْضَلُ لِحَدِيثِ : مَنْ لَمْ يُدْرِكِ الْغَزْوَ مَعِي فَلْيَغْزُ فِي الْبَحْرِ ، فَإِنَّ غَزَاةً فِي الْبَحْرِ أَفْضَلُ مِنْ غَزْوَتَيْنِ فِي الْبَرِّ الْحَدِيثَ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ، وَشَهِيدُ الْبَرِّ أَفْضَلُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَفْضَلُ الشُّهَدَاءِ مَنْ عُقِرَ جَوَادُهُ وَأُهْرِيقَ دَمُهُ وَفِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ . وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ هُنَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَفِي الِاسْتِئْذَانِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، وَمُسْلِمٌ ، عَنْ يَحْيَى الثَّلَاثَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ .

ورد في أحاديث3 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث