بَاب مَا جَاءَ فِي الْخَيْلِ وَالْمُسَابَقَةِ بَيْنَهَا وَالنَّفَقَةِ فِي الْغَزْوِ
( الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ) ؛ أَيْ : إِلَى قُرْبِهِ ، أَعْلَمَ بِهِ أَنَّ الْجِهَادَ قَائِمٌ إِلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ ، زَادَ الشَّيْخَانِ عَنْ عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ مَرْفُوعًا : الْأَجْرُ وَالْمَغْنَمُ بِرَفْعِهِمَا بَدَلٌ مِنَ الْخَيْرِ أَوْ بِتَقْدِيرِ هُوَ الْأَجْرُ . وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : قَالُوا : بِمَ ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : الْأَجْرُ وَالْمَغْنَمُ وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّهُ عَامٌّ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ ؛ أَيِ : الْخَيْلُ الْمُتَّخَذَةُ لِلْغَزْوِ بِأَنْ يُقَاتَلَ عَلَيْهَا أَوْ تُرْبَطَ لِلْغَزْوِ ، وَيَدُلُّ لَهُ أَيْضًا : الْخَيْلُ لِثَلَاثَةٍ ، الْحَدِيثَ السَّابِقَ . وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ جِنْسُ الْخَيْلِ ؛ أَيْ : أَنَّهَا بِصَدَدِ أَنْ يَكُونَ فِيهَا الْخَيْرُ ، فَأَمَّا مَنِ ارْتَبَطَهَا لِعَمَلٍ غير صَالِحٍ فَالْوِزْرُ لِطَرَيَانِ ذَلِكَ الْأَمْرِ الْعَارِضِ .
وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ ، عَنْ مَالِكٍ بِلَفْظِ : الْخَيْرُ مَعْقُودٌ وَلَيْسَ فِي الْمُوَطَّأِ وَلَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طَرِيقِهِ ، نَعَمْ لَفْظُ مَعْقُودٌ فِيهِمَا مِنْ حَدِيثِ عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ ، وَجَرِيرٍ فِي مُسْلِمٍ ، وَأَحْمَدَ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ فِي الطَّبَرَانِيِّ ، وَأَبِي يَعْلَى ، وَجَابِرٍ ، عَنْ أَحْمَدَ ، وَمَعْنَاهُ مُلَازِمٌ لَهَا كَأَنَّهُ مَعْقُودٌ فِيهَا . قَالَ الطِّيبِيُّ : وَيَجُوزُ أَنَّ الْخَيْرَ الْمُفَسَّرَ بِالْأَجْرِ وَالْمَغْنَمِ اسْتِعَارَةٌ مَكْنِيَّةٌ لِأَنَّ الْخَيْرَ لَيْسَ بِشَيْءٍ مَحْسُوسٍ حَتَّى يُعْقَدَ عَلَى النَّاصِيَةِ ، لَكِنْ شَبَّهَهُ لِظُهُورِهِ وَمُلَازَمَتِهِ بِشَيْءٍ مَحْسُوسٍ مَعْقُودٍ يُجْعَلُ عَلَى مَكَانٍ مُرْتَفِعٍ ، فَنَسَبَ الْخَيْرَ إِلَى لَازِمِ الْمُشَبَّهِ بِهِ ، وَذِكْرُ النَّاصِيَةِ تَجْرِيدٌ لِلِاسْتِعَارَةِ . وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمْ يُدْخِلُونَ الْمَعْقُولَ فِي جِنْسِ الْمَحْسُوسِ وَيَحْكُمُونَ عَلَيْهِ بِمَا يُحْكَمُ عَلَى الْمَحْسُوسِ مُبَالَغَةً فِي اللُّزُومِ .
وَقَالَ عِيَاضٌ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَعَ وَجِيزِ لَفْظِهِ مِنَ الْبَلَاغَةِ وَالْعُذُوبَةِ مَا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ فِي الْحُسْنِ مَعَ الْجِنَاسِ السَّهْلِ الَّذِي بَيْنَ الْخَيْلِ وَالْخَيْرِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْمَالَ الَّذِي يُكْتَسَبُ بِاتِّخَاذِ الْخَيْلِ مِنْ خَيْرِ وُجُوهِ الْأَمْوَالِ وَأَطْيَبِهَا ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الْمَالَ خَيْرًا . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى تَفْضِيلِ الْخَيْلِ عَلَى غَيْرِهَا مِنَ الدَّوَابِّ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي شَيْءٍ غَيْرِهَا مِثْلُ هَذَا الْقَوْلِ .
وَفِي النَّسَائِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ : لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ النِّسَاءِ مِنَ الْخَيْلِ . وَقَالَ عِيَاضٌ : إِذَا كَانَ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ فَيَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ فِيهَا شُؤْمٌ ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّ حَدِيثَ : إِنَّمَا الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثٍ : الْفَرَسِ وَالْمَرْأَةِ وَالدَّارِ فِي غَيْرِ خَيْلِ الْجِهَادِ ، وَأَنَّ الْمُعَدَّةَ لَهُ هِيَ الْمَخْصُوصَةُ بِالْخَيْرِ وَالشَّر ، يُمْكِنُ اجْتِمَاعُهُمَا فِي ذَاتٍ وَاحِدَةٍ فَإِنَّهُ فَسَّرَ الْخَيْرَ بِالْأَجْرِ وَالْمَغْنَمِ ، وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ تِلْكَ الْفَرَسُ يُتَشَاءَمُ بِهَا ، وَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مَزِيدُ بَسْطٍ لِذَلِكَ فِي كِتَابِ الْجَامِعِ ، حَيْثُ ذَكَرَ الْإِمَامُ الْحَدِيثَ الثَّانِيَ ثَمَّةَ ، وَحَدِيثُ الْبَابِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ ، وَمُسْلِمٌ ، عَنْ يَحْيَى كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ جَمَاعَةٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا .