بَاب مَا جَاءَ فِي الْخَيْلِ وَالْمُسَابَقَةِ بَيْنَهَا وَالنَّفَقَةِ فِي الْغَزْوِ
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي قَدْ أُضْمِرَتْ مِنْ الْحَفْيَاءِ وَكَانَ أَمَدُهَا ثَنِيَّةَ الْوَدَاعِ ، وَسَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي لَمْ تُضَمَّرْ مِنْ الثَّنِيَّةِ إِلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ ، وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ مِمَّنْ سَابَقَ بِهَا . 1017 1000 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَابَقَ ) أَجْرَى بِنَفْسِهِ أَوْ أَمَرَ أَوْ أَبَاحَ ( بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي قَدْ أُضْمِرَتْ ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ بِأَنْ عُلِفَتْ حَتَّى سَمِنَتْ وَقَوِيَتْ ثُمَّ قُلِّلَ عَلَفُهَا بِقَدْرِ الْقُوتِ وَأُدْخِلَتْ بَيْتًا وَغُشِّيَتْ بِالْجِلَالِ حَتَّى حَمِيَتْ وَعَرِقَتْ ، فَإِذَا جَفَّ عَرَقُهَا خَفَّ لَحْمُهَا وَقَوِيَتْ عَلَى الْجَرْيِ ( مِنَ الْحَفْيَاءِ ) ، بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْفَاءِ فَتَحْتِيَّةٍ وَمَدٍّ ، مَكَانٌ خَارِجَ الْمَدِينَةِ وَيَجُوزُ الْقَصْرُ ، وَحَكَى الْحَازِمِيُّ تَقْدِيمَ التَّحْتِيَّةِ عَلَى الْفَاءِ وَحَكَى ضَمَّ أَوَّلِهِ وَخَطَّأَهُ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ . ( وَكَانَ أَمَدُهَا ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْمِيمِ ؛ أَيْ : غَايَتُهَا ( ثَنِيَّةَ الْوَدَاعِ ) بِالْمُثَلَّثَةِ وَفَتْحِ الْوَاوِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْخَارِجَ مِنَ الْمَدِينَةِ يَمْشِي مَعَهُ الْمُوَدِّعُونَ إِلَيْهَا ، قَالَ سُفْيَانُ : بَيْنَ الْحَفْيَاءِ إِلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ خَمْسَةُ أَمْيَالٍ أَوْ سِتَّةٌ ، وَقَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ : بَيْنَهُمَا سِتَّةُ أَمْيَالٍ أَوْ سَبْعَةٌ رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَهُوَ اخْتِلَافٌ قَرِيبٌ ، وَسُفْيَانُ هُوَ الثَّوْرِيُّ .
( وَسَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي لَمْ تُضَمَّرْ ) بِضَمِّ التَّاءِ وَفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمِيمِ الثَّقِيلَةِ ، وَفِي رِوَايَةٍ بِسُكُونِ الضَّادِ وَخِفَّةِ الْمِيمِ ( مِنَ الثَّنِيَّةِ ) الْمَذْكُورَةِ ( إِلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ ) بِضَمِّ الزَّايِ ثُمَّ رَاءٍ مَفْتُوحَةٍ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ فَقَافٍ ، ابْنُ عَامِرٍ قَبِيلَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ ، وَإِضَافَةُ مَسْجِدِ إِلَيْهِمْ إِضَافَةُ تَمْيِيزٍ لَا مِلْكٍ ، قَالَ سُفْيَانُ : وَبَيْنَهُمَا مِيلٌ ، وَقَالَ ابْنُ عُقْبَةَ : مِيلٌ أَوْ نَحْوُهُ . ( وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ فِيمَنْ سَابَقَ بِهَا ) أَيْ : بِالْخَيْلِ أَوْ بِهَذِهِ الْمُسَابَقَةِ ، وَهَذَا مِنْ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ نَفْسِهِ كَمَا تَقُولُ عَنْ نَفْسِكَ : الْعَبْدُ فَعَلَ كَذَا . وَفِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ : وَكُنْتُ فِيمَنْ أَجْرِي .
وَعِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ قَالَ ابْنُ عُمَرَ : وَكُنْتُ فِيمَنْ أَجْرِي فَوَثَبَ بِي فَرَسٌ جِدَارًا . وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ : فَسَبَقْتُ النَّاسَ فَطَفَّفَ بِي الْفَرَسُ مَسْجِدَ بَنِي زُرَيْقٍ ؛ أَيْ : جَاوَزَ بِي الْمَسْجِدَ الَّذِي هُوَ الْغَايَةُ ، وَأَصْلُ التَّطْفِيفِ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ ، وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ الْمُسَابَقَةِ وَأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْعَبَثِ بَلْ مِنَ الرِّيَاضَةِ الْمَحْمُودَةِ الْمُوصِلَةِ إِلَى تَحْصِيلِ الْمَقَاصِدِ فِي الْغَزْوِ وَالِانْتِفَاعِ بِهَا عِنْدَ الْحَاجَةِ ، وَهِيَ دَائِرَةٌ بَيْنَ الِاسْتِحْبَابِ وَالْإِبَاحَةِ بِحَسَبِ الْبَاعِثِ عَلَى ذَلِكَ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ الْمُسَابَقَةِ عَلَى الْخَيْلِ وَغَيْرِهَا مِنَ الدَّوَابِّ مَجَّانًا وَعَلَى الْأَقْدَامِ ، وَكَذَا التَّرَامِي بِالسِّهَامِ وَاسْتِعْمَالِ الْأَسْلِحَةِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ التَّدْرِيبِ عَلَى الْحَرْبِ وَفِيهِ جَوَازُ إِضْمَارِ الْخَيْلِ ، وَلَا يَخْفَى اخْتِصَاصُ اسْتِحْبَابِهَا بِالْخَيْلِ الْمُعَدَّةِ لِلْغَزْوِ ، وَمَشْرُوعِيَّةُ الْإِعْلَامِ بِالِابْتِدَاءِ وَالِانْتِهَاءِ عِنْدَ الْمُسَابَقَةِ ، وَنِسْبَةُ الْفِعْلِ إِلَى الْآمِرِ بِهِ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ سَابَقَ ؛ أَيْ : أَمَرَ أَوْ أَبَاحَ ؛ أَيْ : شَامِلٌ لِذَلِكَ ، وَجَوَازُ إِضَافَةِ الْمَسْجِدِ إِلَى مَخْصُوصِينَ وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ خِلَافًا لِلنَّخَعِيِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ ( سُورَةُ الْجِنِّ : الْآيَةُ : 18 ) وَيَرُدُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ الْبَابِ وَجَوَازُ مُعَامَلَةِ الْبَهَائِمِ عِنْدَ الْحَاجَةِ بِمَا يَكُونُ تَعْذِيبًا لَهَا فِي غَيْرِ الْحَاجَةِ ، كَالْإِجَاعَةِ وَالْإِجْرَاءِ ، وَتَنْزِيلُ الْخَلْقِ مَنَازِلَهُمْ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَايَرَ بَيْنَ مَنْزِلَةِ الْمُضَمَّرِ وَغَيْرِ الْمُضَمَّرِ وَلَوْ خَلَطَهُمَا لَأَتْعَبَ مَا لَمْ تُضَمَّرْ .
وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّلَاةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَمُسْلِمٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى التَّمِيمِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ ، والليث ، وَمُوسَى بن عقبة ، وَأَيُّوبُ ، كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا .