بَاب مَا جَاءَ فِي الْخَيْلِ وَالْمُسَابَقَةِ بَيْنَهَا وَالنَّفَقَةِ فِي الْغَزْوِ
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ خَرَجَ إِلَى خَيْبَرَ أَتَاهَا لَيْلًا ، وَكَانَ إِذَا أَتَى قَوْمًا بِلَيْلٍ لَمْ يُغِرْ حَتَّى يُصْبِحَ ، فَلَمَّا أَصْبَحَ خَرَجَتْ يَهُودُ بِمَسَاحِيهِمْ وَمَكَاتِلِهِمْ ، فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا : مُحَمَّدٌ ، وَاللَّهِ مُحَمَّدٌ وَالْخَمِيسُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اللَّهُ أَكْبَرُ ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ . 1020 1003 - ( مَالِكٌ ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ ) الْخُزَاعِيِّ الْبَصْرِيِّ ( عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ) وَلِلْبُخَارِيِّ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْفَزَارِيِّ ، عَنْ حُمَيْدٍ قَالَ : سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ : ( إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ خَرَجَ إِلَى خَيْبَرَ ) بِوَزْنِ جَعْفَرٍ مَدِينَةٌ كَبِيرَةٌ ذَاتُ حُصُونٍ وَمَزَارِعَ عَلَى ثَمَانِيَةِ بُرُدٍ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى جِهَةِ الشَّامِ ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْبَكْرِيُّ : سُمِّيَتْ بِاسْمِ رَجُلٍ مِنَ الْعَمَالِيقِ نَزَلَهَا ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : خَرَجَ إِلَيْهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَقِيَّةِ الْمُحَرَّمِ سَنَةَ سَبْعٍ فَأَقَامَ يُحَاصِرُهَا بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً إِلَى أَنْ فَتَحَهَا فِي صَفَرٍ ( أَتَاهَا لَيْلًا ) لَا تُخَالِفُهُ رِوَايَةُ الصَّحِيحِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَنَسٍ : صَبَّحْنَا خَيْبَرَ بُكْرَةً ، لِحَمْلِهِ عَلَى أَنَّهُمْ قَدِمُوهَا لَيْلًا وَبَاتُوا دُونَهَا ثُمَّ رَكِبُوا إِلَيْهَا بُكْرَةً فصبحوها بِالْقِتَالِ وَالْإِغَارَةِ ، وَيُشِيرُ إِلَى هَذَا قَوْلُهُ : ( وَكَانَ إِذَا أَتَى قَوْمًا بِلَيْلٍ لَمْ يُغِرْ ) بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ مِنْ أَغَارَ ، وَفِي لَفْظٍ : لَا يُغِيرُ عَلَيْهِمْ ، وَفِي رِوَايَةِ التِّنِّيسِيِّ : لَمْ يُغِرْ بِهِمْ ، بِكَسْرِ الْغَيْنِ أَيْضًا مِنَ الْإِغَارَةِ ، وَلِبَعْضِ الرُّوَاةِ : لَمْ يَقْرَبْهُمْ ، بِفَتْحِ الْيَاءِ وَسُكُونِ الْقَافِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ ، وَصَحَّحَ الْأَوَّلَ ( حَتَّى يُصْبِحَ ) ؛ أَيِ : يَطْلُعَ الْفَجْرُ . وَلِلْبُخَارِيِّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ : كَانَ إِذَا غَزَا قَوْمًا لَمْ يُغِرْ بِنَا حَتَّى يُصْبِحَ وَيَنْظُرَ ، فَإِذَا سَمِعَ أَذَانًا كَفَّ عَنْهُمْ وَإِلَّا أَغَارَ ، قَالَ : فَخَرَجْنَا إِلَى خَيْبَرَ فَانْتَهَيْنَا إِلَيْهِمْ لَيْلًا ، فَلَمَّا أَصْبَحَ وَلَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا رَكِبَ ( فَخَرَجَتْ يَهُودُ ) وَفِي رِوَايَةِ الْقَعْنَبِيِّ ، وَلِلتِّنِّيسِيِّ : فَلَمَّا أَصْبَحَ خَرَجَتْ يَهُودُ ، زَادَ أَحْمَدُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ : إِلَى زُرُوعِهِمْ .
وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّهُمْ سَمِعُوا بِقَصْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُمْ وَكَانُوا يَخْرُجُونَ كُلَّ يَوْمٍ مُسَلَّحِينَ مُسْتَعِدِّينَ فَلَا يَرَوْنَ أَحَدًا ، حَتَّى إِذَا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي قَدِمَ فِيهَا الْمُسْلِمُونَ نَامُوا فَلَمْ تَتَحَرَّكْ لَهُمْ دَابَّةٌ وَلَمْ يَصِحْ لَهُمْ دِيكٌ فَخَرَجُوا ( بِمَسَاحِيهِمْ ) بِمُهْمَلَتَيْنِ مُخَفَّفًا ، جَمْعُ مِسْحَاةٍ كَالْمَجَارِفِ إِلَّا أَنَّهَا مِنْ حَدِيدٍ ، طَالِبِينَ زُرُوعَهُمْ ( وَمَكَاتِلِهِمْ ) بِفَوْقِيَّةٍ جَمْعُ مِكْتَلٍ بِكَسْرِ الْمِيمِ ، الْقُفَّةُ الْكَبِيرَةُ يُحَوَّلُ فِيهَا التُّرَابُ وَغَيْرُهُ ( فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا ) هَذَا ( مُحَمَّدٌ ) أَوْ جَاءَ مُحَمَّدٌ ( وَاللَّهِ ) قَسَمٌ ( مُحَمَّدٌ وَالْخَمِيسُ ) ؛ أَيِ : الْجَيْشُ كَمَا فَسَّرَ بِهِ الْبُخَارِيُّ ، سُمِّيَ خَمِيسًا لِأَنَّهُ خَمْسَةُ أَقْسَامٍ : مَيْمَنَةٌ وَمَيْسَرَةٌ وَمُقَدِّمَةٌ وَقَلْبٌ وَجَنَاحَانِ ، وَضَبَطَهُ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ بِالرَّفْعِ عَطْفٌ عَلَى مُحَمَّدٍ وَالنَّصْبِ مَفْعُولٌ مَعَهُ ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اللَّهُ أَكْبَرُ ) كَبَّرَ حِينَ أَنْجَزَ لَهُ وَعْدَهُ ، زَادَ فِي رِوَايَةِ للْبُخَارِيِّ ثَلَاثًا ، وَفِي أُخْرَى : فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ : اللَّهُ أَكْبَرُ ( خَرِبَتْ خَيْبَرُ ) ؛ أَيْ : صَارَتْ خَرَابًا ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : قِيلَ تَفَاءَلَ بِخَرَابِهَا بِمَا رَآهُ فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ آلَاتِ الْخَرَابِ مِنَ الْمَسَاحِي وَغَيْرِهَا ، وَقِيلَ أَخَذَهُ مِنِ اسْمِهَا ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ أَعْلَمَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ . وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ : يُؤْخَذُ مِنْهُ التَّفَاؤُلُ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا رَأَى آلَةَ الْهَدْمِ ، مَعَ أَنَّ لَفْظَ الْمِسْحَاةِ مِنْ سَحَوْتَ إِذَا قَشَرْتَ أَخَذَ مِنْهُ أَنَّ مَدِينَتَهُمْ سَتُخَرَّبُ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ قَالَهُ بِطَرِيقِ الْوَحْيِ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ : ( إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ ) بِفِنَائِهِمْ وَقَرْيَتِهِمْ وَحُصُونِهِمْ ، وَأَصْلُ السَّاحَةِ الْفَضَاءُ بَيْنَ الْمَنَازِلِ ( فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ ) ؛ أَيْ : بِئْسَ الصَّبَاحُ صَبَاحُ مَنْ أُنْذِرَ بِالْعَذَابِ ، وَفِيهِ جَوَازُ التَّمْثِيلِ وَالِاسْتِشْهَادِ بِالْقُرْآنِ وَالِاقْتِبَاسِ ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَابْنُ رَشِيقٍ ، وَالنَّوَوِيُّ ، وَلَا أَعْلَمُ خِلَافًا فِي جَوَازِهِ فِي النَّثْرِ فِي غَيْرِ الْمُجُونِ وَالْخَلَاعَةِ وَهَزْلِ الْفُسَّاقِ لَهُ شَرَبَةِ الْخَمْرِ وَاللَّاطَةِ ، وَأَلَّفَ فِي جَوَازِ ذَلِكَ قَدِيمًا أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ كِتَابًا جَمَعَ فِيهِ مَا وَقَعَ لِلصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ مِنْ ذَلِكَ بِالْأَسَانِيدِ الْمُتَّصِلَةِ إِلَيْهِمْ ، وَمِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ الشَّيْخُ دَاوُدُ الشَّاذُلِيُّ الْبَاجِلِيُّ كُرَّاسَةً قَالَ فِيهَا : لَا خِلَافَ بَيْنَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ فِي جَوَازِهِ وَنَقَلَهُ عَنْ عِيَاضٍ ، وَالْبَاقِلَّانِيِّ ، وَقَالَ : كَفَى بِهِمَا حُجَّةً غَيْرَ أَنَّهُمْ كَرِهُوهُ فِي الشِّعْرِ خَاصَّةً . وَرَوَى الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ وَغَيْرُهُ بِالْإِسْنَادِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ يَسْتَعْمِلُهُ ، وَهَذِهِ أَكْبَرُ حُجَّةٍ عَلَى مَنْ يَزْعُمُ أَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ تَحْرِيمُهُ ، وَالْعُمْدَةُ فِي نَفْيِ الْخِلَافِ عَلَى الشَّيْخِ دَاوُدَ فَهُوَ أَعْرَفُ بِمَذْهَبِهِ ، وَأَمَّا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فَأَئِمَّتُهُ مُجْمِعُونَ عَلَى الْجَوَازِ ، وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ وَالْآثَارُ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ تَشْهَدُ لَهُمْ ، فَمَنْ نَسَبَ تَحْرِيمَهُ لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فَقَدْ فَسَّرَ وَأَبَانَ عَنْ أَنَّهُ أَجْهَلُ الْجَاهِلِينَ ، قَالَهُ السُّيُوطِيُّ مُلَخَّصًا وَهُوَ يَقْضِي عَلَيْهِ بِالْوَهْمِ فِي قَوْلِهِ فِي عُقُودِ الْجُمَانِ : قُلْتُ وَأَمَّا حُكْمُهُ فِي الشَّرْعِ فَمَالِكٌ مُشَدِّدٌ فِي الْمَنْعِ وَلَيْسَ فِيهِ عِنْدَنَا صَرَاحَهْ لَكِنَّ يَحْيَى النَّوَوِي أَبَاحَهْ فِي الْوَعْظِ نَثْرًا دُونَ نَظْمٍ مُطْلَقَا وَالشَّرَفُ الْمَقْرِيُّ فِيهِ حَقَّقَا جَوَازُهُ فِي الزُّهْدِ وَالْوَعْظِ وَفِي مَدْحِ النَّبِيِّ وَلَوْ بِنَظْمٍ فَاقْتَفِي وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ التَّكْبِيرِ عِنْدَ الْحَرْبِ وَتَثْلِيثُهُ ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا ( سُورَةُ الْأَنْفَالِ : الْآيَةُ 45 ) ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ هُنَا عَنِ الْقَعْنَبِيِّ ، وَفِي الْمَغَازِي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ، وَأَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ فِي الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ ، وَلَهُ طُرُقٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا بِزِيَادَاتٍ .