بَاب مَا جَاءَ فِي الْخَيْلِ وَالْمُسَابَقَةِ بَيْنَهَا وَالنَّفَقَةِ فِي الْغَزْوِ
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ نُودِيَ فِي الْجَنَّةِ يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا خَيْرٌ ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الْجِهَادِ ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عَلَى مَنْ يُدْعَى مِنْ هَذِهِ الْأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ ، فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأَبْوَابِ كُلِّهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ . 1021 1004 - ( مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ) مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الزُّهْرِيِّ ( عَنْ حُمَيْدٍ ) بِضَمِّ الْحَاءِ ( ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ) الزُّهْرِيِّ ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ ) أَيْ : شَيْئَيْنِ مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَالِ ، وَقَدْ جَاءَ مُفَسَّرًا مَرْفُوعًا : بَعِيرَيْنِ شَاتَيْنِ حِمَارَيْنِ دِرْهَمَيْنِ ، وَزَادَ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي ، عَنْ أَبِي مُصْعَبٍ ، عَنْ مَالِكٍ : مِنْ مَالِهِ ( فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) ؛ أَيْ : فِي طَلَبِ ثَوَابِ اللَّهِ وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الْجِهَادِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْعِبَادَاتِ ، وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ : يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ تَكْرِيرَ الْإِنْفَاقِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى ، قَالَ الطِّيبِيُّ : وَهَذَا هُوَ الْوَجْهُ إِذَا حُمِلَتِ التَّثْنِيَةُ عَلَى التَّكْرِيرِ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنَ الْإِنْفَاقِ التَّثَبُّتُ مِنَ الْأَنْفُسِ بِإِنْفَاقِ كَرَائِمِ الْأَمْوَالِ وَالْمُوَاظَبَةُ عَلَى ذَلِكَ كَمَا قَالَ تَعَالَى : وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ ( سُورَةُ الْأَنْفَالِ : الْآيَةُ 265 ) ؛ أَيْ : لِيَثْبُتُوا بِبَذْلِ الْمَالِ الَّذِي هُوَ شَقِيقُ الرُّوحِ ، وَبَذْلُهُ أَشَقُّ شَيْءٍ عَلَى النَّفْسِ مِنْ سَائِرِ الْعِبَادَاتِ الشَّاقَّةِ ( نُودِيَ فِي ) أَيْ : عِنْدَ دُخُولِ ( الْجَنَّةِ ) وَفِي رِوَايَةِ مَعْنٍ : نُودِيَ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ ( يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا خَيْرٌ ) ؛ أَيْ : فَاضِلٌ لَا بِمَعْنَى : أَفْضَلُ ، وَإِنْ أَوْهَمَهُ اللَّفْظُ فَفَائِدَتُهُ رَغْبَةُ السَّامِعِ فِي طَلَبِ الدُّخُولِ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ . وَبَيَّنَ الْبُخَارِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بَيَانَ الدَّاعِي ، وَلَفْظُهُ : دَعَاهُ خَزَنَةُ الْجَنَّةِ كُلُّ خَزَنَةِ بَابٍ ؛ أَيْ : خَزَنَةُ كُلِّ بَابٍ ؛ أَيْ : قُلْ هَلُمَّ بِضَمِّ اللَّامِ لُغَةٌ فِي فُلَانٍ وَبِهِ ثَبَتَتِ الرِّوَايَةُ ، وَقِيلَ تَرْخِيمُهُ فَاللَّامُ مَفْتُوحَةٌ قَالَهُ الْحَافِظُ ، وَقَالَ الْبَاجِيُّ : يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ : هَذَا خَيْرٌ أَعَدَّهُ اللَّهُ لَكَ فَأَقْبِلْ إِلَيْهِ مِنْ هَذَا الْبَابِ ، أَوْ هَذَا خَيْرُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ لِأَنَّ فِيهِ الْخَيْرَ وَالثَّوَابَ الَّذِي أُعِدَّ لَكَ ( فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ ) ؛ أَيْ : مَنْ كَانَتْ أَغْلَبَ أَعْمَالِهِ وَأَكْثَرَهَا ( دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ ) قَالَ الْحَافِظُ : وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ كُلَّ عَامِلٍ يُدْعَى مِنْ بَابِ ذَلِكَ الْعَمَلِ ، وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ صَرِيحًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ : لِكُلِّ عَامِلٍ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ يُدْعَى مِنْهُ بِذَلِكَ الْعَمَلِ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ .
( وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الْجِهَادِ ) مَحَلُّ الشَّاهِدِ مِنَ الْحَدِيثِ ( وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ ) الْمُكْثِرِينَ مِنْهَا ( دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ ) وَلَيْسَ هَذَا بِتَكْرَارٍ مَعَ قَوْلِهِ فِي صَدْرِ الْحَدِيثِ : مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ ، لِأَنَّ الْإِنْفَاقَ وَلَوْ قَلَّ خَيْرٌ مِنَ الْخَيْرَاتِ الْعَظِيمَةِ وَذَلِكَ حَاصِلٌ مِنْ كُلِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ وَهَذَا اسْتِدْعَاءٌ خَاصٌّ . ( وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ ) الْمُكْثِرِينَ مِنْهُ ( دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ ) مُشْتَقٌّ مِنَ الرِّيِّ فَخُصَّ بِذَلِكَ لِمَا فِي الصَّوْمِ مِنَ الصَّبْرِ عَلَى أَلَمِ الْعَطَشِ وَالطُّمَأْنِينَةِ فِي الْهَوَاجِرِ قَالَهُ الْبَاجِيُّ ، وَقَالَ الْحَرْبِيُّ : إِنْ كَانَ الرَّيَّانُ عَلَمًا لِلْبَابِ فَلَا كَلَامَ ، وَإِنْ كَانَ صِفَةً فَهُوَ مِنَ الرَّوَاةِ الَّذِي يَرْوِي ، وَالْمَعْنَى أَنَّ لِيَأْمَنَ مِنَ الْعَطَشِ ثَوَابًا لَهُ عَلَى ذَلِكَ ، وَفِي التَّعْبِيرِ بِالرَّيَّانِ إِيمَاءٌ إِلَى زِيَادَةِ أَمْرِ الصَّوْمِ وَمُبَادَرَةِ الْقَبُولِ لَهُ ، وَاحْتِمَالُ أَنَّهُ يُدْعَى إِلَيْهِ كُلُّ مَنْ رَوِيَ مِنْ حَوْضِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، رَدَّهُ عِيَاضٌ بِأَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ الْحَوْضُ بِالصَّائِمِينَ وَالْبَابُ مُخْتَصٌّ بِهِمْ ، قَالَ : وَعَلَى أَنَّهُ اسْمٌ لِلْبَابِ فَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِاخْتِصَاصِ الدَّاخِلِينَ فِيهِ بِالرِّيِّ ، قَالَ الْحَافِظُ : فَذَكَرَ أَرْبَعَةَ أَبْوَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ وَبَقِيَ الْحَجُّ فَلَهُ بَابٌ بِلَا شَكٍّ ، وَالثَّلَاثَةُ بَابُ الْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ الْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ، رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنِ الْحَسَنِ مُرْسَلًا : إِنَّ لِلَّهِ بَابًا فِي الْجَنَّةِ لَا يَدْخُلُهُ إِلَّا مَنْ عَفَا عَنْ مَظْلَمَةٍ وَالْبَابُ الْأَيْمَنُ الَّذِي يَدْخُلُ مِنْهُ مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِ وَلَا عَذَابَ ، وَالثَّامِنُ لَعَلَّهُ بَابُ الذِّكْرِ ، فَفِي التِّرْمِذِيَّ مَا يُومِي إِلَيْهِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ بَابُ الْعِلْمِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَبْوَابِ الَّتِي يُدْعَى مِنْهَا أَبْوَابٌ مِنْ دَاخِلِ أَبْوَابِ الْأَصْلِيَّةِ لِأَنَّ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ أَكْثَرُ عَدَدًا مِنْ ثَمَانِيَةٍ انْتَهَى . وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ الَّذِينَ لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ يَتَسَوَّرُونَ كَمَا وَرَدَ لِاحْتِمَالِ أَنَّ هَذَا الْبَابَ مِنْ أَسْفَلِ الْجَنَّةِ الَّتِي يَتَسَوَّرُونَ مِنْهَا ، فَأُطْلِقَ عَلَيْهِ أَنَّهُمْ دَخَلُوا مِنْهَا مَجَازًا أَوْ أَنَّهُ مُعَدٌّ لَهُمْ تَكْرِيمًا وَإِنْ لَمْ يَدْخُلُوا مِنْهُ ، وَتَبِعَ فِي عَدِّ الْبَابِ الْأَيْمَنِ عِيَاضًا ، وَقَدْ تَعَقَّبَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْأَبِيُّ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَيْمَنِ مَا عَنْ يَمِينِ الدَّاخِلِ وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الدَّاخِلِينَ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ بَابًا إِذَا كَانَ اسْمًا وَعَلَمًا عَلَى بَابٍ مُعَيَّنٍ .
( فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ) زَادَ مَعْنٌ : بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي ( مَا عَلَى مَنْ يُدْعَى مِنْ هَذِهِ الْأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ ) قَالَ الْمُظَهَّرِيُّ : مَا نَافِيَةٌ وَ مِنْ زَائِدَةٌ ؛ أَيْ : لَيْسَ ضَرُورَةٌ عَلَى مَنْ دُعِيَ مِنْهَا ، إِذْ لَوْ دُعِيَ مِنْ وَاحِدٍ لَحَصَلَ مُرَادُهُ وَهُوَ دُخُولُ الْجَنَّةِ مَعَ أَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ عَلَيْهِ أَنْ يُدْعَى بَلْ مِنْ جَمِيعِهَا بَلْ هُوَ تَكْرِيمٌ وَإِعْزَازٌ . وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ وَغَيْرُهُ : يُرِيدُ مِنْ أَحَدِ تِلْكَ الْأَبْوَابِ خَاصَّةً دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْأَبْوَابِ فَأَطْلَقَ الْجَمِيعَ وَأَرَادَ الْوَاحِدَ . وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : يُرِيدُ أَنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا مِنْ أَهْلِ خَصْلَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الْخِصَالِ وَدُعِيَ مِنْ بَابِهَا لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْغَايَةَ الْمَطْلُوبَةَ دُخُولُ الْجَنَّةِ .
وَقَالَ الطِّيبِيُّ : لَمَّا خَصَّ كُلَّ بَابٍ بِمَنْ أَكْثَرُ نَوْعًا مِنَ الْعِبَادَةِ وَسَمِعَ ذَلِكَ الصِّدِّيقُ رَغِبَ فِي أَنْ يُدْعَى مِنْ كُلِّ بَابٍ وَقَالَ : لَيْسَ عَلَى مَنْ دُعِيَ مِنْهَا ضَرَرٌ بَلْ شَرَفٌ وَإِكْرَامٌ ، فَسَأَلَ فَقَالَ : ( فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأَبْوَابِ كُلِّهَا ؟ ) وَيَخْتَصُّ بِهَذِهِ الْكَرَامَةِ ( قَالَ : نَعَمْ ) يُقَالُ لَهُ عِنْدَ كُلِّ بَابٍ إِنَّ لَكَ هُنَا خَيْرًا أَعَدَّهُ اللَّهُ لَكَ لِعِبَادَتِكَ الْمُخْتَصَّةِ بِالدُّخُولِ مِنْ هَذَا الْبَابِ ، قَالَهُ الْبَاجِيُّ . وَقَالَ الْحَافِظُ وَغَيْرُهُ : يُدْعَى مِنْهَا كُلِّهَا عَلَى سَبِيلِ التَّخْيِيرِ فِي الدُّخُولِ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ إِكْرَامًا لَهُ لِاسْتِحَالَةِ الدُّخُولِ مِنَ الْكُلِّ مَعًا فَإِنَّمَا يَدْخُلُ مِنْ وَاحِدٍ ، وَلَعَلَّهُ الْعَمَلُ الَّذِي يَكُونُ أَغْلَبَ عَلَيْهِ ، وَلَا يُنَافِيهِ مَا فِي مُسْلِمٍ ، عَنْ عُمَرَ مَرْفُوعًا : مَنْ تَوَضَّأَ ثُمَّ قَالَ : أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْحَدِيثَ وَفِيهِ : فُتِحْتَ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ لِأَنَّهَا تُفْتَحُ لَهُ تَكْرِيمًا ، وَإِنَّمَا يَدْخُلُ مِنْ بَابِ الْعَمَلِ الْغَالِبِ عَلَيْهِ . ( وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ ) قَالَ الْعُلَمَاءُ : الرَّجَاءُ مِنَ اللَّهِ وَمِنْ نَبِيِّهِ وَاقِعٌ ، وَبِهِ صُرِّحَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ وَلَفْظُهُ : فَقَالَ : أَجَلْ وَفِي الْحَدِيثِ إِشْعَارٌ بِقِلَّةِ مَنْ يُدْعَى مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ كُلِّهَا ، وَإِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ مَا يُتَطَوَّعُ بِهِ مِنَ الْأَعْمَالِ الْمَذْكُورَةِ لَا وَاجِبَاتُهَا لِكَثْرَةِ مَنْ يَجْتَمِعُ لَهُ الْعَمَلُ بِالْوَاجِبَاتِ ، بِخِلَافِ التَّطَوُّعَاتِ فَقَلَّ مَنْ يَجْتَمِعُ لَهُ الْعَمَلُ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِهَا ، ثُمَّ الْإِنْفَاقُ فِي الصَّدَقَةِ وَالْجِهَادِ وَالْعِلْمِ وَالْحَجِّ ظَاهِرٌ أَمَّا فِي غَيْرِهَا فَمُشْكِلٌ ، فَيُمْكِنُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِنْفَاقِ فِي الصَّلَاةِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِوَسَائِلِهَا مِنْ تَحْصِيلِ آلَاتِهَا مِنْ طَهَارَةٍ وَتَطْهِيرِ ثَوْبٍ وَبَدَنٍ وَمَكَانٍ .
وَفِي الصِّيَامِ بِمَا يُقَوِّيهِ عَلَى فِعْلِهِ وَخُلُوصِ الْقَصْدِ فِيهِ وَالْإِنْفَاقِ فِي الْعَفْوِ عَنِ النَّاسِ بِتَرْكِ مَا يَجِبُ لَهُ مِنْ حَقٍّ ، وَفِي التَّوَكُّلِ مَا يُنْفِقُهُ عَلَى نَفْسِهِ فِي مَرَضِهِ الْمَانِعِ لَهُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي طَلَبِ الْمَعَاشِ مَعَ الصَّبْرِ عَلَى الْمُصِيبَةِ ، أَوْ يُنْفِقُ عَلَى مَنْ أَصَابَهُ مِثْلُ ذَلِكَ طَلَبًا لِلثَّوَابِ وَالْإِنْفَاقِ فِي الذِّكْرِ عَلَى نَحْوِ ذَلِكَ . وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِالْإِنْفَاقِ فِي الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ بَذْلُ النَّفْسِ وَالْبَدَنِ فِيهِمَا ، فَالْعَرَبُ تُسَمِّي مَا يَبْذُلُهُ الْمَرْءُ مِنْ نَفْسِهِ صَدَقَةً كَمَا يُقَالُ : أَنْفَقْتُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ عُمْرِي وَبَذَلْتُ فِيهِ نَفْسِي وَهَذَا مَعْنًى حَسَنٌ ، وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ : الْمُرَادُ بِالزَّوْجَيْنِ النَّفْسُ وَالْمَالُ ؛ لِأَنَّ الْمَالَ فِي الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَنَحْوِهِمَا لَيْسَ بِظَاهِرٍ إِلَّا بِالتَّأْوِيلِ الْمُتَقَدِّمِ ، وَكَذَا مَنْ قَالَ : النَّفَقَةُ فِي الصِّيَامِ تَقَعُ بِتَفْطِيرِ الصَّائِمِ وَالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ لِأَنَّ ذَلِكَ يَرْجِعُ إِلَى بَابِ الصَّدَقَةِ . وَفِي الْحَدِيثِ : أَنَّ مَنْ أَكْثَرَ مِنْ شَيْءٍ عُرِفَ بِهِ وَأَنَّ أَعْمَالَ الْبِرِّ قَلَّ أَنْ تَجْتَمِعَ كُلُّهَا لِشَخْصٍ وَاحِدٍ عَلَى السَّوَاءِ ، وَأَنَّ الْمَلَائِكَةَ تُحِبُّ صَالِحِي بَنِي آدَمَ وَتَفْرَحُ بِهِمْ ، وَأَنَّ الْإِنْفَاقَ كُلَّمَا كَانَ أَكْثَرَ كَانَ أَفْضَلَ ، وَأَنَّ تَمَنِّيَ الْخَيْرِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مَطْلُوبٌ .
وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصِّيَامِ مِنْ طَرِيقِ مَعْنٍ ، عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ شُعَيْبٌ فِي الْبُخَارِيِّ ، وَيُونُسُ ، وَصَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ ، وَمَعْمَرٌ فِي مُسْلِمٍ ، الْأَرْبَعَةُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ .