بَاب جَامِعِ الْأَيْمَانِ
وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ ، فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : إِنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ مُنْكَرَةٌ غَيْرُ مَحْفُوظَةٍ يَرُدَّهَا الْآثَارُ الصِّحَاحُ ، وَقِيلَ : إنَّهَا مُصَحَّفَةٌ مِنْ قَوْلِهِ وَاللَّهِ وَهُوَ مُحْتَمَلٌ ، وَلَكِنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ لَا سِيَّمَا وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ مِنْ لَفْظِ الصِّدِّيقِ فِي قِصَّةِ السَّارِقِ الَّذِي سَرَقَ حُلِيِّ ابْنَتِهِ فَقَالَ : وَأَبِيكَ لَأُنَبِّئَنَّكَ أَوْ لَأُحَدِّثَنَّكَ . وَأَحْسَنُ الْأَجْوِبَةِ مَا قَالَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَارْتَضَاهُ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ : إنَّ هَذَا اللَّفْظَ كَانَ يَجْرِي عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْصِدُوا بِهِ الْقَسَمَ ، وَالنَّهْيُ إِنَّمَا وَرَدَ فِي حَقِّ مَنْ قَصَدَ حَقِيقَةَ الْحَلِفِ أَنَّ فِي الْكَلَامِ حَذْفًا ؛ أَيْ : أَفْلَحَ وَرَبِّ أَبِيهِ ، قَالَهُ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا انْتَهَى . وَمَرَّ لِهَذَا مَزِيدٌ فِي الصَّلَاةِ ، وَجُمْلَةُ يَنْهَاكُمْ فِي مَحَلِّ رَفْعِ خَبَرِ إنَّ ، وَ أَن مَصْدَرِيَّةٌ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عِنْدَ الْخَلِيلِ ، وَالْكِسَائِيِّ ، أَوْ جَرٍّ بِتَقْدِيرِ حَرْفِ الْجَرِّ ؛ أَيْ : يَنْهَاكُمْ عَنْ أَنْ تَحْلِفُوا عِنْدَ سِيبَوَيْهِ ، وَحُكْمُ غَيْرِ الْآبَاءِ مِنْ سَائِرِ الْخَلْقِ كَالْآبَاءِ فِي النَّهْيِ وَفِي التِّرْمِذِيِّ وَقَالَ حَسَنٌ ، وَالْحَاكِمِ وَقَالَ : صَحِيحٌ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ : لَا وَالْكَعْبَةِ ، فَقَالَ : لَا تَحْلِفْ بِغَيْرِ اللَّهِ ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ وَأَشْرَكَ وَالتَّعْبِيرُ بِذَلِكَ مُبَالَغَةٌ فِي الزَّجْرِ وَالتَّغْلِيظِ ، وَهَلِ النَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ أَوِ التَّنْزِيهِ ؟ قَوْلَانِ شُهِرَا مَعًا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ ، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لِلتَّنْزِيهِ ، وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ لِلتَّحْرِيمِ ، وَبِهِ قَالَ الظَّاهِرِيَّةُ .
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَا يَجُوزُ الْحَلِفُ بِغَيْرِ اللَّهِ بِالْإِجْمَاعِ ، وَمُرَادُهُ بِنَفْيِ الْجَوَازِ الْكَرَاهَةُ أَعَمُّ مِنَ التَّحْرِيمِ وَالتَّنْزِيهِ ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْيَمِينَ بِغَيْرِ اللَّهِ مَكْرُوهَةٌ مَنْهِيٌّ عَنْهَا لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ الْحَلِفُ بِهَا ، وَإِنَّمَا خُصَّ الْحَدِيثُ بِالْآبَاءِ لِوُرُودِهِ عَلَى سَبَبِهِ الْمَذْكُورِ أَوْ لِكَوْنِهِ غَالِبَ حَلِفِهِمْ لِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تَحْلِفُ بِآبَائِهَا ، وَيَدُلُّ عَلَى التَّعْمِيمِ قَوْلُهُ : ( مَنْ كَانَ حَالِفًا ) أَيْ : مُرِيدًا لِلْحَلِفِ ( فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ ) لَا بِغَيْرِهِ مِنَ الْآبَاءِ وَغَيْرِهِمْ ( أَوْ لِيَصْمُتْ ) بِضَمِّ الْمِيمِ كَمَا ضَبَطَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ ، وَكَأَنَّ الرِّوَايَةَ الْمَشْهُورَةَ وَإِلَّا فَقَدْ قَالَ الطُّوفِيُّ : سَمِعْنَاهُ بِكَسْرِهَا ، وَهُوَ الْقِيَاسُ ؛ لِأَنَّ قِيَاسَ فَعَلَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ يَفْعِلُ بِكَسْرِهَا كَـ ضَرَبَ يَضْرِبُ وَيَفْعُلُ بِضَمِّ الْعَيْنِ فِيهِ دَخِيلٌ كَمَا فِي خَصَائِصِ ابْنِ جِنِّي انْتَهَى . أَيْ : لَا يَحْلِفْ لَا أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الصَّمْتُ إِذَا لَمْ يَحْلِفْ بِاللَّهِ ، فَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى : سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ ( سُورَةُ الْأَعْرَافِ : الْآيَةُ 193 ) أَيْ : أَمْ لَمْ تَدْعُوهُمْ ، وَالتَّخْيِيرُ فِي حَقِّ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ فَيَحْلِفُ لِيَبْرَأَ أَوْ يَتْرُكَ وَيَغْرَمَ ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْيَمِينَ بِاللَّهِ مُبَاحَةٌ لِأَنَّ أَقَلَّ مَرَاتِبِ الْأَمْرِ الْإِبَاحَةُ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْأَكْثَرُ وَهُوَ الصَّحِيحُ نَقْلًا لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَلَفَ كَثِيرًا وَأَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ : قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ ( سُورَةُ يُونُسَ : الْآيَةُ 53 ) وَنَظَرًا لِأَنَّهُ تَعْظِيمٌ لِلَّهِ تَعَالَى ، وَ مِنْ شَرْطِيَّةٌ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ وَكَانَ وَاسْمُهَا وَخَبَرُهَا فِي مَحَلِّ الْخَبَرِ ، وَظَاهِرُهُ تَخْصِيصُ الْحَلِفِ بِاللَّهِ خَاصَّةً ، لَكِنِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ اليمين تنعقد بِاللَّهِ وَذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ الْعَلِيَّةِ ، فَكَأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ بِاللَّهِ الذَّاتُ لَا خُصُوصُ لَفْظِ اللَّهِ ، فَمَنْ كَانَ الْمَحْلُوفُ بِهِ يَسْتَحِقُّ التَّعْظِيمَ كَالْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكَعْبَةِ أَوْ لَا كَالْآحَادِ ، أَوْ يَسْتَحِقُّ التَّحْقِيرَ كَالشَّيَاطِينِ وَالْأَصْنَامِ ، وَلْيَسْتَغْفِرْ اللَّهَ لِإِقْدَامِهِ عَلَى مَا نُهِيَ عَنْهُ وَلَا كَفَّارَةَ ، نَعَمْ اسْتَثْنَى بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ مِنْ ذَلِكَ الْحَلِفَ بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَنْعَقِدُ بِهِ الْيَمِينُ وَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِالْحِنْثِ بِهِ ، لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَدُ رُكْنَيِ الشَّهَادَةِ الَّتِي لَا تَتِمُّ إِلَّا بِهِ ، وَلَا حُجَّةَ فِي ذَلِكَ إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ انْعِقَادُ الْيَمِينِ بِهِ ، بَلْ وَلَا جَوَازُ الْحَلِفِ بِهِ ، وَلَا سِيَّمَا مَعَ صِحَّةِ هَذَا النَّهْيِ الصَّرِيحِ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ ، وَلِلَّهِ تَعَالَى أَنْ يُقْسِمَ بِمَا شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ كَاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لِيُعَجِّبَ بِهَا الْمَخْلُوقِينَ وَيُعَرِّفَهُمْ قُدْرَتَهُ ؛ لِعِظَمِ شَأْنِهَا عِنْدَهُمْ وَلِدَلَالَتِهَا عَلَى خَالِقِهَا ، أَمَّا الْمَخْلُوقُ فَلَا يُقْسِمُ إِلَّا بِالْخَالِقِ كَمَا قِيلَ : وَيُقَبِّحُ مَنْ سِوَاكَ الشَّيْءَ عِنْدِي وَتَفْعَلُهُ فَيَحْسُنُ مِنْكَ ذَاكَا وَزَادَ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ عُمَرُ : فَوَاللَّهِ مَا حَلَفْتُ مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاكِرًا وَلَا آثِرًا ، بِمَدِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْمُثَلَّثَةِ ؛ أَيْ : حَاكِيًا عَنْ غَيْرِي ، أَيْ : مَا حَلَفْتُ بِأَبِي عَامِدًا وَلَا حَاكِيًا عَنْ غَيْرِي ، وَاسْتُشْكِلَ بِأَنَّ الْحَاكِيَ لَا يُسَمَّى حَالِفًا ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْعَامِلَ مَحْذُوفٌ ؛ أَيْ : وَلَا ذَكَرْتُهَا آثِرًا عَنْ غَيْرِي ، أَوْ ضَمَّنَ حَلَفْتُ مَعْنَى تَكَلَّمْتُ ، أَوْ مَعْنَاهُ يَرْجِعُ إِلَى التَّفَاخُرِ بِالْآبَاءِ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : مَا حَلَفْتُ بِآبَائِي ذَاكِرًا لِمَآثِرِهِمْ ، وَحَدِيثُ الْبَابِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ ، عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ .