بَاب مَا جَاءَ فِي الْإِحْدَادِ
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ ، عَنْ عَائِشَةَ ، وَحَفْصَةَ زَوْجَيْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيْتٍ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ . 1271 1258 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ) مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ ( عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ ) زَوْجَةِ سَيِّدِهِ ( عَنْ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ زَوْجَيِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) هَكَذَا لِيَحْيَى ، وَأَبِي مُصْعَبٍ وَطَائِفَةٍ بِالْوَاوِ ، وَلِابْنِ بُكَيْرٍ ، وَالْقَعْنَبِيِّ وَآخَرِينَ عَنْ عَائِشَةَ أَوْ حَفْصَةَ عَلَى الشَّكِّ ، وَكَذَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارِ والليث بْنِ سَعْدٍ كِلَاهُمَا عَنْ نَافِعٍ بِالشَّكِّ ، وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ صَفِيَّةَ ، عَنْ حَفْصَةَ وَحْدَهَا ، وَرَوَاهُ عُبَيْدُ اللَّهِ ، عَنْ نَافِعٍ عَنْ صَفِيَّةَ عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، أَخْرَجَ ذَلِكَ كُلَّهُ مُسْلِمٌ ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) نَفْيٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ ، وَالتَّقْيِيدُ بِذَلِكَ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ ، كَمَا يُقَالُ : هَذَا طَرِيقُ الْمُسْلِمِينَ مَعَ أَنَّهُ يَسْلُكُهُ غَيْرُهُمْ ، فَالْكِتَابِيَّةُ كَذَلِكَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْكُوفِيُّونَ وَمَالِكٌ فِي رِوَايَةٍ وَابْنُ نَافِعٍ ، وَابْنُ كِنَانَةَ ، وَأَشْهَبُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ : لَا إِحْدَادَ عَلَيْهَا لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ ، وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ لِلْغَالِبِ ، أَوْ لِأَنَّ الْمُؤْمِنَةَ هِيَ الَّتِي تَنْتَفِعُ بِالْخِطَابِ وَتَنْقَادُ ، فَهَذَا الْوَصْفُ لِتَأْكِيدِ التَّحْرِيمِ وَتَغْلِيظِهِ ، وَقَدْ خَالَفَ أَبُو حَنِيفَةَ قَاعِدَتَهُ فِي إِنْكَارِهِ الْمَفَاهِيمَ ( أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ ) فَإِنَّهَا تُحِدُّ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ، كَمَا زَادَهُ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ نَافِعٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَالْحَدِيثُ يَعُمُّ كُلَّ زَوْجَةٍ صَغِيرَةٍ أَوْ كَبِيرَةٍ حُرَّةٍ أَوْ أَمَةٍ مَدْخُولًا بِهَا أَمْ لَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا إِحْدَادَ عَلَى صَغِيرَةٍ وَلَا أَمَةٍ زَوْجَةٍ ، وَعُمُومُ الْحَدِيثِ حُجَّةٌ عَلَيْهِ ، فَبِالْوَجْهِ الَّذِي يَلْزَمُهَا الْعِدَّةُ يَلْزَمُهَا الْإِحْدَادُ ، وَلِهَذَا الْوَجْهِ اعْتَدَّتْ غَيْرُ الْمَدْخُولِ بِهَا فِي الْوَفَاةِ اسْتِظْهَارًا لِحُجَّةِ الزَّوْجِ بَعْدَ مَوْتِهِ ؛ إِذْ لَوْ كَانَ حَيًّا لَبُيِّنَ أَنَّهُ دَخَلَ بِهَا ، كَمَا لَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالدَّيْنِ حَتَّى تَسْتَظْهِرَ لَهُ بِيَمِينِ الطَّالِبِ ، قَالُوا : وَهِيَ الْحِكْمَةُ فِي جَعْلِ عِدَّةِ الْوَفَاةِ أَزْيَدَ مِنْ عِدَّةِ الْمُطَلَّقَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا عُدِمَ الزَّوْجُ اسْتُظْهِرَ لَهُ بِأَتَمِّ وُجُوهِ الْبَرَاءَةِ ، وَهِيَ الْأَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ لِأَنَّهُ الْأَمْرُ الَّذِي يَتَبَيَّنُ فِيهِ الْحَمْلُ ، فَبَعْدَ الرَّابِعِ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ ، وَزِيدَتِ الْعَشْرُ حَتَّى تَتَبَيَّنَ حَرَكَتُهُ ، وَلِذَا جُعِلَتْ عِدَّتُهَا بِالزَّمَانِ الَّذِي يَشْتَرِكُ فِي مَعْرِفَتِهِ الْجَمِيعُ ، وَلَمْ تُوكَّلْ إِلَى أَمَانَةِ النِّسَاءِ فَتُجْعَلُ بِالْإِقْرَاءِ كَالْمُطَلَّقَاتِ ، كُلُّ ذَلِكَ حَوْطَةٌ لِلْمَيِّتِ لِعَدَمِ الْمُحَامِي عَنْهُ ، وَلَزِمَتْ عِدَّةُ الْوَفَاةِ الصَّغِيرَةُ ؛ لِأَنَّ كَوْنَ الزَّوْجَةِ صَغِيرَةً نَادِرٌ ، فَشَمَلَهُنَّ الْحُكْمُ وَعَمَّتْهُنَّ الْحَوْطَةُ ، ثُمَّ قَوْلُهُ : إِلَّا عَلَى زَوْجٍ ، إِيجَابٌ بَعْدَ النَّفْيِ ، فَيَقْتَضِي حَصْرَ الْإِحْدَادِ فِي الْمُتَوَفَّى عَنْهَا ، فَلَا إِحْدَادَ عَلَى مُطَلَّقَةٍ عِنْدَ الْأَكْثَرِ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ رَجْعِيَّةً كَانَتْ أَوْ بَائِنَةً أَوْ مُثَلَّثَةً ، وَاسْتَحَبَّهُ أَحْمَدُ وَالشَّافِعِيُّ لِلرَّجْعِيَّةِ ، وَأَوْجَبَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْكُوفِيُّونَ عَلَى الْمُثَلَّثَةِ ، وَشَذَّ الْحَسَنُ وَحْدَهُ ، فَقَالَ : لَا إِحْدَادَ عَلَى مُتَوَفَّى عَنْهَا وَلَا عَلَى مُطَلَّقَةٍ ، وَلَوْلَا الِاتِّفَاقُ عَلَى وُجُوبِ الْإِحْدَادِ لَكَانَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ الْإِبَاحَةَ ؛ لِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ عُمُومِ الْمَنْعِ ، قَالَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ . وَأُجِيبُ بِأَنَّ حَدِيثَ الَّتِي شَكَتْ عَيْنَهَا الْمُتَقَدِّمَ دَلَّ عَلَى الْوُجُوبِ وَإِلَّا لَمْ يَمْتَنِعُ التَّدَاوِي الْمُبَاحُ ، وَبِأَنَّ السِّيَاقَ أَيْضًا يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ ، فَإِنَّ كُلَّ مَمْنُوعٍ مِنْهُ إِذَا دَلَّ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِهِ كَانَ ذَلِكَ الدَّلِيلُ بِعَيْنِهِ دَالًّا عَلَى الْوُجُوبِ ، وَيُرَشِّحُ ذَلِكَ هُنَا زِيَادَةُ مُسْلِمٍ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ : إِلَّا عَلَى زَوْجٍ ، فَإِنَّهَا تُحِدُّ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ، فَإِنَّهُ أَمَرَ بِلَفْظِ الْخَبَرِ ؛ إِذْ لَيْسَ الْمُرَادُ مَعْنَى الْخَبَرِ ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ قَدْ لَا تُحِدُّ فَهُوَ عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ ( سُورَةُ الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ 228 ) وَالْمُرَادُ بِهِ الْأَمْرُ اتِّفَاقًا . وَفِي الْمُفْهِمِ : الْقَائِلُ بِوُجُوبِ الْإِحْدَادِ عَلَى الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا إِنْ قَاسَهُ عَلَى الْمُتَوَفَّى عَنْهَا فَلَا يَصِحُّ لِلْحَصْرِ الَّذِي اقْتَضَاهُ الْحَدِيثُ ، وَأَيْضًا فَعَلَى أَنَّ عِدَّةَ الْوَفَاةِ تَعَبُّدِيَّةٌ يَمْتَنِعُ الْقِيَاسُ ، وَكَذَا عَلَى أَنَّهَا مَعْقُولَةٌ لِوُضُوحِ الْفَرْقِ بِأَنَّ الْإِحْدَادَ إِنَّمَا هُوَ مُبَالَغَةٌ فِي التَّحَرُّزِ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنَ النِّكَاحِ بِتَعَاطِي أَسْبَابِهِ لِعَدَمِ الزَّوْجِ ، وَفِي الطَّلَاقِ الزَّوْجُ حَيٌّ فَهُوَ يَبْحَثُ وَيَحْتَاطُ لِنَفْسِهِ .