بَاب مَا جَاءَ فِي الرَّضَاعَةِ بَعْدَ الْكِبَرِ
إِلَخْ ، وَهَذَا حَسَنٌ مَوْجُودٌ فِي الْقُرْآنِ كَقَوْلِهِ : وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ( سُورَةُ الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ 89 ) فَأَعَادَ لَمَّا جَاءَهُمْ لِطُولِ الْكَلَامِ ، وَقَوْلِهِ : ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ ﴾( سُورَةُ الْمُؤْمِنُونَ : الْآيَةُ 35 ) فَأَعَادَ أَنَّكُمْ ( بِنْتَ أَخِيهِ فَاطِمَةَ ) وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ ، وَشُعَيْبٍ ، وَغَيْرِهِمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ : هِنْدَ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَالصَّوَابُ فَاطِمَةُ ( بِنْتَ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ ، وَهِيَ يَوْمَئِذٍ مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلِ ) الْفَاضِلَاتِ ( وَهِيَ مِنْ أَفْضَلِ أَيَامَى قُرَيْشٍ ) جَمْعُ أَيِّمٍ ، مَنْ لَا زَوْجَ لَهَا بِكْرًا أَوْ ثَيِّبًا ، زَادَ فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ : وَكَانَ مَنْ تَبَنَّى رَجُلًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ دَعَاهُ النَّاسُ إِلَيْهِ وَوَرِثَ مِيرَاثَهُ ( فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي كِتَابِهِ فِي زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ مَا أَنْزَلَ فَقَالَ : ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ أَعْدَلُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ بَنُو عَمِّكُمْ ( رُدَّ ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ ( كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ أُولَئِكَ إِلَى أَبِيهِ ) الَّذِي وَلَدَهُ ( فَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ أَبُوهُ رُدَّ إِلَى مَوْلَاهُ ) وَفِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ : فَمَنْ لَمْ يُعْلَمْ لَهُ أَبٌ كَانَ مَوْلًى وَأَخًا فِي الدِّينِ ( فَجَاءَتْ سَهْلَةُ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْهَاءِ ( بِنْتُ سُهَيْلٍ ) بِضَمِّ السِّينِ ، مُصَغَّرٌ ، ابْنِ عَمْرٍو ، بِفَتْحِ الْعَيْنِ ، أَسْلَمَتْ قَدِيمًا بِمَكَّةَ ( وَهِيَ امْرَأَةُ أَبِي حُذَيْفَةَ ) وَهَاجَرَتْ مَعَهُ إِلَى الْحَبَشَةِ فَوَلَدَتْ لَهُ هُنَاكَ مُحَمَّدًا وَهِيَ ضَرَّةُ مُعْتَقَةِ سَالِمٍ الْأَنْصَارِيَّةُ ( وَهِيَ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ ) فَهِيَ قُرَشِيَّةٌ عَامِرِيَّةٌ ، وَأَبُوهَا صَحَابِيٌّ شَهِيرٌ ( إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا نَرَى ) نَعْتَقِدُ ( سَالِمًا وَلَدًا ) بِالتَّبَنِّي ( وَكَانَ يَدْخُلُ عَلَيَّ وَأَنَا فُضُلٌ ) بِضَمِّ الْفَاءِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ ، قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : أَيْ مَكْشُوفَةُ الرَّأْسِ وَالصَّدْرِ ، وَقِيلَ عَلَى ثَوْبٍ وَاحِدٍ لَا إِزَارَ تَحْتَهُ ، وَقِيلَ مُتَوَشِّحَةً بِثَوْبٍ عَلَى عَاتِقِهَا خَالَفَتْ بَيْنَ طَرَفَيْهِ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : أَصَحُّهَا الثَّانِي لِأَنَّ كَشْفَ الْحُرَّةِ الصَّدْرَ لَا يَجُوزُ عِنْدَ مَحْرَمٍ وَلَا غَيْرِهِ ( وَلَيْسَ لَنَا إِلَّا بَيْتٌ وَاحِدٌ ) فَلَا يُمْكِنُ الِاحْتِجَابُ مِنْهُ ، زَادَ فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ : وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ مَا عَلِمْتَ ( فَمَاذَا تَرَى فِي شَأْنِهِ ؟ ) وَلِمُسْلِمٍ عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ فَقَالَتْ : إِنِّي أَرَى فِي وَجْهِ أَبِي حُذَيْفَةَ مِنْ دُخُولِ سَالِمٍ وَهُوَ حَلِيفُهُ . وَلَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْقَاسِمِ عَنْهَا فَقَالَتْ : إِنَّ سَالِمًا قَدْ بَلَغَ مَا يَبْلُغُ الرِّجَالُ وَعَقِلَ مَا عَقَلُوهُ ، وَإِنَّهُ يَدْخُلُ عَلَيْنَا ، وَإِنِّي أَظُنُّ أَنَّ فِي نَفْسِ أَبِي حُذَيْفَةَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا . وَلَا مُنَافَاةَ فَإِنَّ سَهْلَةَ ذَكَرَتِ السُّؤَالَيْنِ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاقْتَصَرَ كُلُّ رَاوٍ عَلَى وَاحِدٍ .
( فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَرَضِعِيهِ خَمْسَ رَضَعَاتٍ ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَفِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِإِسْنَادِهِ ( عَشْرَ رَضَعَاتٍ ) ، وَالصَّوَابُ رِوَايَةُ مَالِكٍ ، وَتَابَعَهُ يُونُسُ : خَمْسَ رَضَعَاتٍ ( فَيَحْرُمُ بِلَبَنِهَا ) زَادَ فِي مُسْلِمٍ : فَقَالَتْ : كَيْفَ أُرْضِعُهُ وَهُوَ رَجُلٌ كَبِيرٌ ؟ فَتَبَسَّمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ : قَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ رَجُلٌ كَبِيرٌ ، وَكَانَ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا . وَفِي لَفْظٍ لَهُ : أَرْضِعِيهِ تَحْرُمِي عَلَيْهِ وَيَذْهَبُ الَّذِي فِي نَفْسِ أَبِي حُذَيْفَةَ ، فَرَجَعَتْ إِلَيْهِ فَقَالَتْ : إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُهُ فَذَهَبَ الَّذِي فِي نَفْسِ أَبِي حُذَيْفَةَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : صِفَةُ رَضَاعِ الْكَبِيرِ أَنْ يُحْلَبَ لَهُ اللَّبَنُ وَيُسْقَاهُ ، فَأَمَّا أَنْ تُلْقِمَهُ الْمَرْأَةُ ثَدْيَهَا فَلَا يَنْبَغِي عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ .
وَقَالَ عِيَاضٌ : وَلَعَلَّ سَهْلَةَ حَلَبَتْ لَبَنَهَا فَشَرِبَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمَسَّ ثَدْيَهَا وَلَا الْتَقَتْ بَشْرَتَاهُمَا ؛ إِذْ لَا يَجُوزُ رُؤْيَةُ الثَّدْيِ وَلَا مَسُّهُ بِبَعْضِ الْأَعْضَاءِ . قَالَ النَّوَوِيُّ : وَهُوَ حَسَنٌ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ عَفَا عَنْ مَسِّهِ لِلْحَاجَةِ كَمَا خُصَّ بِالرَّضَاعَةِ مَعَ الْكِبَرِ ، وَأَيَّدَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ أَنَّهُ رَضَعَ مِنْ ثَدْيِهَا لِأَنَّهُ تَبَسَّمَ وَقَالَ : قَدْ عَلِمْتِ أَنَّهُ رَجُلٌ كَبِيرٌ ، وَلَمْ يَأْمُرْهَا بِالْحَلْبِ ، وَهُوَ مَوْضِعُ بَيَانٍ ، وَمُطْلَقُ الرَّضَاعِ يَقْتَضِي مَصَّ الثَّدْيِ فَكَأَنَّهُ أَبَاحَ لَهَا ذَلِكَ لِمَا تَقَرَّرَ فِي نَفْسِهِمَا أَنَّهُ ابْنُهَا وَهِيَ أُمُّهُ ، فَهُوَ خَاصٌّ بِهِمَا لِهَذَا الْمَعْنَى ، وَكَأَنَّهُمْ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى لَمْ يَقِفُوا فِي ذَلِكَ عَلَى شَيْءٍ . وَقَدْ رَوَى ابْنُ سَعْدٍ عَنِ الْوَاقِدِيِّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كَانَتْ سَهْلَةُ تَحْلِبُ فِي مُسْعُطٍ - إِنَاءٍ قَدْرَ رَضْعَتِهِ - فَيَشْرَبُهُ سَالِمٌ فِي كُلِّ يَوْمٍ حَتَّى مَضَتْ خَمْسَةُ أَيَّامٍ ، فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ يَدْخُلُ عَلَيْهَا وَهِيَ حَاسِرٌ رُخْصَةً مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِسَهْلَةَ .
( وَكَانَتْ تَرَاهُ ابْنًا مِنَ الرَّضَاعَةِ ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَرْضِعَيْهِ تَحْرُمِي عَلَيْهِ ( فَأَخَذَتْ بِذَلِكَ عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ فِيمَنْ كَانَتْ تُحِبُّ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهَا مِنَ الرِّجَالِ ) الْأَجَانِبِ ( فَكَانَتْ تَأْمُرُ أُخْتَهَا أُمَّ كُلْثُومٍ ) بِضَمِّ الْكَافِ مِنَ الْكَلْثَمَةِ وَهِيَ الْحُسْنُ ( ابْنَةَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَبَنَاتِ أَخِيهَا ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ ( أَنْ يُرْضِعْنَ مَنْ أَحَبَّتْ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهَا مِنَ الرِّجَالِ ) قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ : مَا عَلِمْتُ مَنْ أَخَذَ بِهِ عَامًّا إِلَّا عَائِشَةَ ، وَلَوْ أَخَذَ بِهِ فِي رَفْعِ الْحِجَابِ آخِذٌ لَمْ أَعِبْهُ وَتَرْكُهُ أَحَبُّ إِلَى الْبَاجِيِّ ، وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُحَرِّمُ ، يَعْنِي وَالْخِلَافُ إِنَّمَا كَانَ أَوَّلًا ، ثُمَّ انْقَطَعَ الْقُرْطُبِيُّ فِي قَوْلِ ابْنِ الْمَوَّازِ عَامًّا نَظَرٌ ، فَحَدِيثُ الْمُوَطَّأِ نَصٌّ فِي أَنَّهَا أَخَذَتْ بِهِ فِي رَفْعِ الْحِجَابِ خَاصَّةً ، أَلَا تَرَى قَوْلَهُ : مَنْ تُحِبُّ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهَا مِنَ الرِّجَالِ اهـ ، وَلَا نَظَرَ ، فَمُرَادُ ابْنِ الْمَوَّازِ بِالْعُمُومِ فِي كُلِّ النَّاسِ لَا خَاصٌّ بِسَهْلَةَ . وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : ذَهَبَ إِلَى قَوْلِهَا أَنَّ رَضَاعَ الْكَبِيرِ يُحَرِّمُ عَطَاءٌ ، وَاللَّيْثُ لِحَدِيثِ سَهْلَةَ هَذَا ، وَلَعَمْرُ اللَّهِ إِنَّهُ لَقَوِيٌّ وَلَوْ كَانَ خاصا بِسَالِمٍ لَقَالَ لَهَا : وَلَا يَكُونُ لِأَحَدٍ بَعْدَكِ كَمَا قَالَ لِأَبِي بُرْدَةَ فِي الْجَذَعَةِ اهـ ، وَلَيْسَ بِلَازِمٍ . وَقَالَ أَبُو عُمَرَ : قَالَ بِهِ قَوْمٌ مِنْهُمْ عَطَاءٌ ، والليث ، وَرَوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَلَا يَصِحُّ عَنْهُ .
وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنِ اللَّيْثِ : أَكْرَهُ رَضَاعَ الْكَبِيرِ أَنْ أُحِلَّ مِنْهُ شَيْئًا . وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إِلَى اللَّيْثِ فَقَالَتْ : أُرِيدُ الْحَجَّ وَلَيْسَ لِي مَحْرَمٌ ، فَقَالَ : اذْهَبِي إِلَى امْرَأَةِ رَجُلٍ تُرْضِعُكِ فَيَكُونُ زَوْجُهَا أَبًا لَكِ فَتَحُجِّينَ مَعَهُ ، وَحُجَّتُهُمْ حَدِيثُ عَائِشَةَ هَذَا وَفَتْوَاهَا وَعَمَلُهَا بِهِ ( وَأَبَى ) امْتَنَعَ ( سَائِرُ ) أَيْ بَاقِي ( أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِنَّ بِتِلْكَ الرَّضَاعَةِ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ ) زَادَ أَبُو دَاوُدَ : حَتَّى يَرْضَعَ فِي الْمَهْدِ ( وَقُلْنَ ) لِعَائِشَةَ ( لَا وَاللَّهِ مَا نَرَى ) نَعْتَقِدُ ( الَّذِي أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَهْلَةَ بِنْتَ سُهَيْلٍ إِلَّا رُخْصَةً مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي رَضَاعَةِ سَالِمٍ وَحْدَهُ ) لِأَنَّهَا قَضِيَّةٌ فِي عَيْنٍ لَمْ تَأْتِ فِي غَيْرِهِ ، وَاحْتَفَّتْ بِهَا قَرِينَةُ التَّبَنِّي وَصِفَاتٌ لَا تُوجَدُ فِي غَيْرِهِ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ ، قَالَ الْمَازِرِيُّ : وَلَهَا أَنْ تُجِيبَ بِأَنَّهُ وَرَدَ مُتَأَخِّرًا فَهُوَ نَاسِخٌ لِمَا عَدَاهُ مَعَ مَا لِأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ شِدَّةِ الْحُكْمِ فِي الْحِجَابِ وَالتَّغْلِيظِ فِيهِ ، كَذَا قَالَ ، وَفِيهِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى . ( لَا وَاللَّهِ لَا يَدْخُلُ عَلَيْنَا بِهَذِهِ الرَّضَاعَةِ أَحَدٌ ، فَعَلَى هَذَا كَانَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي رَضَاعَةِ الْكَبِيرِ ) فَأَجَازَتْهُ عَائِشَةُ وَمَنَعَهُ بَاقِيهُنَّ .
وَفِي مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّهُ سَمِعَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنَ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَ : فَمَكَثْتُ سَنَةً أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا لَا أُحَدِّثُ بِهِ رَهْبَةً ثُمَّ لَقِيتُ الْقَاسِمَ فَأَخْبَرْتُهُ قَالَ : حَدِّثْهُ عَنِّي أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْنِيهِ ، قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ حَدِيثٌ تُرِكَ قَدِيمًا وَلَمْ يُعْمَلْ بِهِ وَلَا تَلَقَّاهُ الْجُمْهُورُ بِالْقَبُولِ عَلَى عُمُومِهِ بَلْ تَلَقَّوْهُ عَلَى أَنَّهُ خُصُوصٌ . وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : لَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ حَدِيثُ سَهْلَةَ مَنْسُوخًا ، وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ بَعْضَهُ عَنْ شُعَيْبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالْبَرْقَانِيُّ تَامًّا نَحْوَهُ ، وَمُسْلِمٌ مِنْ طُرُقٍ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ أُمِّهَا أَنَّهَا قَالَتْ لِعَائِشَةَ : إِنَّهُ يَدْخُلُ عَلَيْكِ الْغُلَامُ الْأَيْفَعُ الَّذِي مَا أُحِبُّ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيَّ ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ : أَمَا لَكِ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ ؟ فَذَكَرَتِ الْحَدِيثَ بِنَحْوِهِ . وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ عَنْ زَيْنَبَ أَنَّ أُمَّهَا قَالَتْ : أَبَى سَائِرُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِنَّ أَحَدٌ بِتِلْكَ الرَّضَاعَةِ وَقُلْنَ لِعَائِشَةَ : وَاللَّهِ مَا نَرَى هَذَا إِلَّا رُخْصَةً .
إِلَخْ .