بَاب جَامِعِ الْبُيُوعِ
وَعِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ ، وَابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ ، عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ أَنَّ جَدَّهُ مُنْقِذَ بْنَ عَمْرٍو كَانَ قَدْ أَتَى عَلَيْهِ سَبْعُونَ وَمِائَةُ سَنَةٍ ، فَكَانَ إِذَا بَايَعَ غُبِنَ ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ ، الْحَدِيثَ . وَأَخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ مُنْقِذًا سُفِعَ فِي رَأْسِهِ مَأْمُومَةٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَخَبَلَتْ لِسَانَهُ ، فَكَانَ يُخْدَعُ فِي الْبَيْعِ . ( فَقَالَ ) لَهُ ( رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ : لَا خِلَابَةَ ) بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَخِفَّةِ اللَّامِ وَمُوَحَّدَةٍ ، أَيْ : لَا خَدِيعَةَ فِي الدِّينِ ؛ لِأَنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ ، فَلَا لِنَفْيِ الْجِنْسِ ، وَخَبَرُ لَا خِلَابَةَ مَحْذُوفٌ ، قَالَ التُّورِبِشَتِيُّ : لَقَّنَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذَا الْقَوْلَ لِيَلْفِظَ بِهِ عِنْدَ الْبَيْعِ لِيُطْلِعَ بِهِ صَاحِبَهُ ، عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ ذَوِي الْبَصَائِرِ فِي مَعْرِفَةِ السِّلَعِ وَمَقَادِيرِ الْقِيمَةِ فِيهَا لِيَرَى لَهُ كَمَا يَرَى لِنَفْسِهِ ، وَكَانَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ إِخْوَانًا لَا يَغْبِنُونَ أَخَاهُمُ الْمُسْلِمَ ، وَيَنْظُرُونَ لَهُ أَكْثَرَ مَا يَنْظُرُونَ لِأَنْفُسِهِمُ اهـ .
زَادَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ طَرِيقِ نَافِعٍ : ثُمَّ أَنْتَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثًا مِنْ بَيْعِكَ ، قَالَ فِي الْإِكْمَالِ : جَعْلُهُ لَهُ عُهْدَةَ الثَّلَاثِ لِأَنَّ أَكْثَرَ مُبَايَعَتِهِ كَانَتْ فِي الرَّقِيقِ لِيَتَبَصَّرَ وَيَثْبُتَ عَيْبُهُ ، وَرُوِيَ أَنَّهُ جَعَلَ لَهُ مَعَ ذَلِكَ خِيَارَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِيمَا اشْتَرَاهُ . ( فَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا بَايَعَ يَقُولُ لَا خِلَابَةَ ) أَيْ مَعْنَاهُ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ النُّطْقِ . فَفِي مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ عَنِ ابْنِ دِينَارٍ يَقُولُ : لَا خِيَابَةَ ، قَالَ عِيَاضٌ : بِالتَّحْتِيَّةِ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ أَلْثَغَ يُخْرِجُ اللَّامَ مِنْ غَيْرِ مَخْرَجِهَا ، وَلِبَعْضِهِمْ : لَا خِنَابَةَ بِالنُّونِ وَهُوَ تَصْحِيفٌ ، وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِ مُسْلِمٍ : لَا خِذَابَةَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ اهـ .
وَفِي رِوَايَةِ أَبِي عُمَرَ مِنْ طَرِيقِ نَافِعٍ قَالَ ابْنُ عُمَرَ : فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ إِذَا بَاعَ لَا خِذَابَةَ لَا خِذَابَةَ . وَعِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ ، وَالْبَيْهَقِيِّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ : ثُمَّ أَنْتَ بِالْخِيَارِ فِي كُلِّ سِلْعَةٍ ابْتَعْتَهَا ثَلَاثَ لَيَالٍ ، فَإِنْ رَضِيتَ فَأَمْسِكْ وَإِنْ سَخِطْتَ فَارْدُدْ ، فَبَقِيَ حَتَّى أَدْرَكَ زَمَنَ عُثْمَانَ وَهُوَ ابْنُ مِائَةٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً ، فَكَثُرَ النَّاسُ فِي زَمَانِ عُثْمَانَ ، فَكَانَ إِذَا اشْتَرَى شَيْئًا فَقِيلَ لَهُ : إِنَّكَ غُبِنْتَ فِيهِ ، رَجَعَ بِهِ فَيَشْهَدُ لَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ بِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَهُ بِالْخِيَارِ ثَلَاثًا ، فَيَرُدُّ لَهُ دَرَاهِمَهُ . وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ ، عَنْ أَنَسٍ : أَنَّ رَجُلًا كَانَ فِي عَقْلِهِ ضَعْفٌ وَكَانَ يُبَايِعُ ، وَأَنَّ أَهْلَهُ أَتَوُا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالُوا : احْجُرْ عَلَيْهِ ، فَدَعَاهُ فَنَهَاهُ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَأَصْبِرُ عَلَى الْبَيْعِ ، فَقَالَ : إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ : لَا خِلَابَةَ ، وَأَنْتَ فِي كُلِّ سِلْعَةٍ ابْتَعْتَهَا بِالْخِيَارِ ثَلَاثَ لَيَالٍ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : قَالَ بَعْضُهُمْ هَذَا خَاصٌّ بِهَذَا الرَّجُلِ وَحْدَهُ ، جَعَلَ لَهُ الْخِيَارَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، اشْتَرَطَهُ أَوْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ ، لِمَا كَانَ فِيهِ مِنَ الْحِرْصِ عَلَى الْمُبَايَعَةِ مَعَ ضَعْفِ عَقْلِهِ وَلِسَانِهِ ، وَقِيلَ : إِنَّمَا جَعَلَ لَهُ أَنْ يُشْتَرَطَ الْخِيَارَ لِنَفْسِهِ ثَلَاثًا مَعَ قَوْلِهِ لَا خِلَابَةَ ، فَيَكُونَ عَامًّا كَسَائِرِ مُشْتَرِطِي الْخِيَارِ اهـ .
وَقَدِ اسْتَدَلَّ أَحْمَدُ وَالْبَغْدَادِيُّونَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى الْقِيَامِ بِالْغَبْنِ غَيْرِ الْمُعْتَادِ وَحَدُّوهُ بِالثُّلُثِ لَا أَقَلَّ ، لِأَنَّهُ غَبْنٌ يَسِيرٌ انْتَصَبَ لَهُ التُّجَّارُ فَهُوَ كَالْمَدْخُولِ عَلَيْهِ ، وَأَبَى ذَلِكَ الْجُمْهُورُ وَالْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ وَقَالُوا : لَا رَدَّ بِالْغَبْنِ لَوْ خَالَفَ الْعَادَةَ وَتَجَاذَبَ الطَّرِيقَانِ ، قَوْلَهُ تَعَالَى : وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ( سُورَةُ الْبَقَرَةِ : الْآيَةَ 188 ) فَقَالَ : الْأَقَلُّ الْغَبْنُ الْمُخَالِفُ لِلْعَادَةِ مِنْ ذَلِكَ . وَقَالَ الْجُمْهُورُ : قَدِ اسْتَثْنَى مِنْهُ التِّجَارَةَ عَنْ تَرَاضٍ ، وَهَذَا عَنْ تَرَاضٍ ، وَكَذَلِكَ تَجَاذَبُوا فَهْمَ الْحَدِيثِ ، فَقَالَ الْبَغْدَادِيُّونَ وَأَحْمَدُ : فِيهِ الْخِيَارُ لِلْمَغْبُونِ ، وَقَالَ الْجُمْهُورُ : هِيَ وَاقِعَةُ عَيْنٍ وَحِكَايَةُ حَالٍ لَا يَصِحُّ دَعْوَى الْعُمُومِ فِيهَا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَجْعَلِ الْخِيَارَ إِلَّا بِشَرْطٍ ، فَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ لِعَدَمِ الْقِيَامِ بِالْغَبْنِ إِذْ لَوْ كَانَ ثَابِتًا لَمْ يَأْمُرْهُ بِالشَّرْطِ بِأَنْ يَقُولَ لَا خِلَابَةَ ، فَلَوْ قِيلَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ الْيَوْمَ فِي الْعَقْدِ ثُمَّ ظَهَرَ الْغَبْنُ ، فَقَالَ الْأَكْثَرُ : لَا يُوجِبُ قَوْلُهَا قِيَامًا بِالْغَبْنِ ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقَالَ بَعْضُهُمْ : لِأَنَّهَا كَانَتْ خَاصَّةً بِذَلِكَ الرَّجُلِ ، وَلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَخُصَّ مَنْ شَاءَ بِمَا شَاءَ ، وَقِيلَ : إِنَّمَا أَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِطَ ، وَيُصَدِّرُهُ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ حَضًّا لِمَنْ عَامَلَهُ عَلَى النَّصِيحَةِ وَالتَّحَرُّزِ مِنَ الْخِلَابَةِ ، فَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ لَهُ : قُلْ لَا خِلَابَةَ وَاشْتَرِطِ الْخِيَارَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، وَلِيُعْلِمَ صَاحِبَهُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ ذَوِي الْبَصِيرَةِ فِي الْبَيْعِ فَيَنْظُرَ لَهُ كَمَا يَنْظُرُ لِنَفْسِهِ ، وَقَالَ أَحْمَدُ : تُوجِبُ الْقِيَامَ بِالْغَبْنِ لِقَائِلِهَا إِذْ كَأَنَّهُ شَرَطَ أَنْ لَا يَزِيدَ الثَّمَنُ عَنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ ، وَلَا أَنْ تَنْقُصَ السِّلْعَةُ عَنْهُ ، وَإِنْ قَالَهَا الْبَائِعُ صَارَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ شَرَطَ وَصْفًا فِي الْمَبِيعِ فَبَانَ خِلَافُهُ . وَفِي الْحَدِيثِ حُجَّةٌ لِإِمْضَاءِ بَيْعِ مَنْ لَا يُحْسِنُ النَّظَرَ لِنَفْسِهِ وَشِرَائِهِ قَبْلَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ .
وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ هُنَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَفِي تَرْكِ الْحِيَلِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ . وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ ، وَتَابَعَهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ، وَسُفْيَانُ ، وَشُعْبَةُ ، الثَّلَاثَةُ عَنِ ابْنِ دِينَارٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ .