باب الْقَضَاءِ فِيمَنْ ارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ
وَحَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ : قَدِمَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَجُلٌ مِنْ قِبَلِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ فَسَأَلَهُ عَنْ النَّاسِ فَأَخْبَرَهُ ، ثُمَّ قَالَ لَهُ عُمَرُ : هَلْ كَانَ فِيكُمْ مِنْ مُغَرِّبَةِ خَبَرٍ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ ، رَجُلٌ كَفَرَ بَعْدَ إِسْلَامِهِ قَالَ : فَمَا فَعَلْتُمْ بِهِ ؟ قَالَ : قَرَّبْنَاهُ فَضَرَبْنَا عُنُقَهُ ، فَقَالَ عُمَرُ : أَفَلَا حَبَسْتُمُوهُ ثَلَاثًا ، وَأَطْعَمْتُمُوهُ كُلَّ يَوْمٍ رَغِيفًا ، وَاسْتَتَبْتُمُوهُ ، لَعَلَّهُ يَتُوبُ وَيُرَاجِعُ أَمْرَ اللَّهِ ؟ ثُمَّ قَالَ عُمَرُ : اللَّهُمَّ إِنِّي لَمْ أَحْضُرْ وَلَمْ آمُرْ وَلَمْ أَرْضَ إِذْ بَلَغَنِي . 1445 1409 - ( مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدٍ ) بِالتَّنْوِينِ بِلَا إِضَافَةٍ ( الْقَارِيِّ ) بِتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ ، نِسْبَةً إِلَى الْقَارَةِ ، بَطْنٌ مِنْ خُزَيْمَةَ ابْنِ مُدْرِكَةَ ( عَنْ أَبِيهِ ) مُحَمَّدٍ الْمَدَنِيِّ الثِّقَةِ ( أَنَّهُ قَالَ : قَدِمَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَجُلٌ مِنْ قِبَلِ ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ أَيِ جِهَةِ ( أَبِي مُوسَى ) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ ( الْأَشْعَرِيِّ ، فَسَأَلَهُ عَنِ النَّاسِ ، فَأَخْبَرَهُ ثُمَّ قَالَ لَهُ عُمَرُ : هَلْ كان فيكم مِنْ مُغَرِّبَةِ ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَفَتْحِهَا ، مُثَقَّلَةً فِيهِمَا ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ فَتَاءِ تَأْنِيثٍ ، مُضَافٍ إِلَى ( خَبَرٍ ) أَيْ : هَلْ مِنْ حَالَةٍ حَامِلَةٍ لِخَبَرٍ مِنْ مَوْضِعٍ بَعِيدٍ ؟ ( فَقَالَ : نَعَمْ ، رَجُلٌ كَفَرَ بَعْدَ إِسْلَامِهِ ، قَالَ : فَمَا فَعَلْتُمْ بِهِ ؟ قَالَ : قَرَّبْنَاهُ فَضَرَبْنَا عُنُقَهُ ) بِلَا اسْتِتَابَةٍ أَخْذًا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ ، وَبِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ أَمَرَ بِقَتْلِ قَوْمٍ ارْتَدُّوا كَابْنِ خَطَلٍ وَلَمْ يَذْكُرِ اسْتِتَابَةً . وَبِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَعْمَلَ أَبَا مُوسَى عَلَى الْيَمَنِ ثُمَّ أَتْبَعَهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ، فَوَجَدَ عِنْدَهُ رَجُلًا مُقَيَّدًا فِي الْحَدِيدِ ، فَقَالَ : مَا هَذَا ؟ قَالَ : كَانَ يَهُودِيًّا فَأَسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ ، فَقَالَ مُعَاذٌ : لَا أَنْزِلُ حَتَّى يُقْتَلَ ؛ قَضَاءُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ .
وَبِهِ قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّ أَبَا مُوسَى قَدِ اسْتَتَابَهُ شَهْرَيْنِ ، وَلَا حُجَّةَ فِي حَدِيثِ الْفَتْحِ كَمَا لَا يَخْفَى ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى الِاسْتِتَابَةِ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي قَدْرِهَا ( فَقَالَ عُمَرُ : أَفَلَا حَبَسْتُمُوهُ ثَلَاثًا ) مِنَ الْأَيَّامِ ، كَذَا قَالَ عُثْمَانُ ، وَعَلِيٌّ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ ، وَقِيلَ : يُسْتَتَابُ مَرَّةً ، وَقِيلَ : شَهْرًا ، وَقِيلَ : ثَلَاثَة جمعٍ ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ ، قَالَ الْبَاجِيُّ : يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَخَذَ الثَّلَاثَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ( سورة هُودٍ : الْآيَةُ 65 ) وَلِأَنَّ الثَّلَاثَ جُعِلَتْ أَصْلًا فِي مَعَانٍ كَالْمُصَرَّاةِ وَاسْتِظْهَارِ الْمُسْتَحَاضَةِ وَعُهْدَةِ الرَّقِيقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ . ( وَأَطْعَمْتُمُوهُ كُلَّ يَوْمٍ رَغِيفًا ) يُرِيدُ أَنْ لَا يُوَسَّعَ عَلَيْهِ تَوْسِعَةَ إِحْسَانٍ . قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ : لَيْسَ الْعَمَلُ عَلَى قَوْلِ عُمَرَ ، وَلَكِنْ يُطْعَمُ مَا يَقُوتُهُ وَيَكْفِيهِ وَلَا يُجَوَّعُ وَإِنَّمَا يُطْعَمُ مِنْ مَالِهِ .
قَالَ ابْنُ مُزَيْنٍ : يَعْنِي في غير تُوَسِّعُ وَلَا تَفُكُّهُ ، قَالَ مَالِكٌ فِي الموازنة : يُقَوَّتُ مِنَ الطَّعَامِ مَا لَا يَضُرُّهُ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنْ لَا يُجْعَلَ الرَّغِيفُ حَدًّا ، وَإِنَّمَا أَشَارَ عُمَرُ إِلَى قِلَّةِ مُؤْنَتِهِ وَرَزِيَّتِهِ فِي مَالِهِ إِنْ كَانَ ، وَبَيْتِ الْمَالِ إِنْ لَمْ يَكُنْ ، وَلَمْ يُرِدْ بِهِ الْحَدَّ ( وَاسْتَتَبْتُمُوهُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ وَيُرَاجِعُ أَمْرَ اللَّهِ ) يَرْجِعُ إِلَى الْإِسْلَامِ ، احْتَجَّ أَصْحَابُنَا عَلَى وُجُوبِ الِاسْتِتَابَةِ بِقَوْلِ عُمَرَ هَذَا ، وَأَنَّهُ لَا مُخَالِفَ لَهُ ، قَالَ الْبَاجِيُّ : وَلَا يَصِحُّ إِلَّا إِنْ ثَبَتَ رُجُوعُ أَبِي مُوسَى وَمَنْ وَافَقَهُ إِلَى قَوْلِ عُمَرَ ( ثُمَّ قَالَ عُمَرُ : اللَّهُمَّ إِنِّي لَمْ أَحْضُرْ ) قَتْلَهُ بِلَا اسْتِتَابَةٍ ( وَلَمْ آمُرْ بِهِ وَلَمْ أَرْضَ ) بِهِ ( إِذْ بَلَغَنِي ) فِيهِ تَصْرِيحٌ بِخَطَأِ فَاعِلِهِ ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ ، وَقَدْ قَالَ سَحْنُونٌ : إِنَّ أَبَا بَكْرٍ اسْتَتَابَ أَهْلَ الرِّدَّةِ . وَرَوَى عِيسَى عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ اسْتَتَابَ أُمَّ قِرْفَةَ لَمَّا ارْتَدَّتْ فَلَمْ تَتُبْ فَقَتَلَهَا ، فَلَعَلَّ عُمَرَ عَلِمَ بِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَى ذَلِكَ زَمَنَ أَبِي بَكْرٍ فَأَنْكَرَ عَلَى أَبِي مُوسَى تَغْيِيرَ ذَلِكَ ، وَإِلَّا فَأَبُو مُوسَى مُجْتَهِدٌ ، فَإِذَا حَكَمَ بِاجْتِهَادِهِ فِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ وَلَا إِجْمَاعَ لَمْ يَبْلُغْ عُمَرُ مِنَ الْإِنْكَارِ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدَّ ، وَلَوْ لَمْ يَجُزْ لِأَبِي مُوسَى ذَلِكَ مَا جَازَ لِعُمْرَ أَنْ يُوَلِّيَهُ الْحُكْمَ حَتَّى يُطَالِعَهُ عَلَى قَضِيَّتِهِ ، وَفِي هَذَا مِنْ فَسَادِ الْأَحْوَالِ وَتَوَقُّفِ الْأَحْكَامِ مَا لَا يَخْفَى ، قَالَهُ الْبَاجِيُّ .