باب الْقَضَاءِ فِي الْمَنْبُوذِ
( أَنَّهُ وَجَدَ مَنْبُوذًا ) بِذَالٍ مُعْجَمَةٍ ، أَيْ لَقِيطًا . قَالَ الْحَافِظُ : وَلَمْ يُسَمَّ ، وَفِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ : أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الْفَتْحِ وَأَنَّهُ وَجَدَ مَنْبُوذًا ( فِي زَمَانِ ) خِلَافَةِ ( عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، قَالَ : فَجِئْتُ بِهِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، فَقَالَ : مَا حَمَلَكَ عَلَى أَخْذِ هَذِهِ النَّسَمَةِ ؟ ) بِفَتْحَتَيْنِ ، رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ اتَّهَمَهُ أَنْ يَكُونَ وَلَدَهُ أَتَى بِهِ لِيَفْرِضَ لَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ . الْبَاجِيُّ : وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ خَافَ التَّسَارُعَ إِلَى أَخْذِ الْأَطْفَالِ مِنْ غَيْرِ نَبْذٍ حِرْصًا عَلَى أَخْذِ النَّفَقَةِ لَهُمْ وَمُوَالَاتِهِمْ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ سَأَلَهُ لِئَلَّا يَلْتَقِطَهُ مُدَّعِيًا لَهُ .
أَبُو عُمَرَ : إِنَّمَا أَنْكَرَ عُمَرُ عَلَيْهِ لِظَنِّهِ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَلِيَ أَمْرَهُ وَيَأْخُذَ مَا يُفْرَضُ لَهُ يَصْنَعُ بِهِ مَا شَاءَ . اهـ . وَقِيلَ : اتَّهَمَهُ بِأَنَّهُ زَنَى بِأُمِّهِ ثُمَّ ادَّعَاهُ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَهُوَ بَعِيدٌ وَمَا تَقَدَّمَ أَوْلَى ( فَقَالَ : وَجَدْتُهَا ضَائِعَةً وَأَخَذْتُهَا ) لِوُجُوبِ ذَلِكَ عَلَيَّ ( فَقَالَ لَهُ عَرِيفُهُ ) بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ جَمْعُهُ عُرَفَاءُ ، أَيْ مَنْ يَعْرِفُ أُمُورَ النَّاسِ حَتَّى يُعَرِّفَ بِهَا مَنْ فَوْقَهُ عِنْدَ الْحَاجَةِ لِذَلِكَ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَاسْمُ عَرِيفِ عُمَرَ سِنَانٌ فِيمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفِرَايِينِي ( يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ ) لَا يُتَّهَمُ ( فَقَالَ عُمَرُ : أَكَذَلِكَ ؟ ) هُوَ ( قَالَ : نَعَمْ ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : اذْهَبْ فَهُوَ حُرٌّ وَلَكَ وَلَاؤُهُ وَعَلَيْنَا نَفَقَتُهُ ) مِنْ بَيْتِ الْمَالِ ، بِدَلِيلِ رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ : وَنَفَقَتُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ .
قَالَ أَبُو عُمَرَ : حُكْمُهُ بِأَنَّهُ حُرٌّ يَقْتَضِي أَنْ لَا وَلَاءَ عَلَيْهِ لِأَحَدٍ ؛ إِذْ لَا وَلَاءَ عَلَى حُرٍّ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ . فَنَفَى الْوَلَاءَ عَنْ غَيْرِ الْمُعْتِقِ ، وَلِذَا ( قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الْمَنْبُوذِ أَنَّهُ حُرٌّ وَأَنَّ وَلَاءَهُ لِلْمُسْلِمِينَ هُمْ يَرِثُونَهُ وَيَعْقِلُونَ عَنْهُ ) وَقَالَ مُحَمَّدٌ : قَالَ مَالِكٌ : لَوْ عُلِمَ أَنَّ عُمَرَ قَالَهُ مَا خُولِفَ . قَالَ الْبَاجِيُّ : الْحَدِيثُ صَحِيحٌ لَا شَكَّ فِيهِ ، وَلَكِنَّ لَفْظَهُ يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ ، إِذْ لَعَلَّهُ أَرَادَ أَنْ يَتَوَلَّى تَرْبِيَتَهُ وَالْقِيَامَ بِأَمْرِهِ لِأَنَّ مُلْتَقِطَهُ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ ، فَإِنْ نَزَعَهُ مِنْهُ غَيْرُهُ رُدَّ إِلَيْهِ إِنْ كَانَ قَوِيًّا عَلَى مُؤْنَتِهِ ، قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ ، وَإِنْ كَانَا سَوَاءً أَوْ مُتَقَارِبَيْنِ فَالْأَوَّلُ أَوْلَى ، وَإِنْ خِيفَ أَنْ يَضِيعَ عِنْدَ الْأَوَّلِ فَالثَّانِي أَوْلَى ، إِلَّا لِطُولِ مُكْثِهِ عِنْدَ الْأَوَّلِ وَلَا ضَرَرَ فَهُوَ أَحَقُّ ، قَالَهُ أَشْهَبُ .
وَخَرَّجَ قَاسِمُ ابْنُ أَصْبَغَ ، وَالْبَيْهَقِيُّ حَدِيثَ سُنَيْنٍ بِأَتَمِّ أَلْفَاظا مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ ، قَالَ : وَجَدْتُ مَنْبُوذًا عَلَى عَهْدِ عُمَرَ ، فَذَكَرَهُ عَرِيفِي لِعُمَرَ ، فَأَرْسَلَ إِلَيَّ فَجِئْتُ وَالْعَرِيفُ عِنْدَهُ ، فَلَمَّا رَآنِي مُقْبِلًا قَالَ : عَسَى الْغُوَيْرُ أَبْؤُسًا ، كَأَنَّهُ اتَّهَمَهُ ، فَقَالَ لَهُ عَرِيفُهُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّهُ غَيْرُ مُتَّهَمٍ ، فَقَالَ عُمَرُ : علام أَخَذْتَ هَذِهِ النَّسَمَةَ ؟ قُلْتُ : وَجَدْتُ نَفْسًا بِمَضْيَعَةٍ فَخِفْتُ أَنْ يأخذني اللَّهُ عَلَيْهَا ، فَقَالَ عُمَرُ : هُوَ حُرٌّ وَلَكَ وَلَاؤُهُ وَعَلَيْنَا نَفَقَتُهُ . قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : قَوْلُهُ : عَسَى الْغُوَيْرُ أَبْؤُسًا مَثَلٌ لِلْعَرَبِ إِذَا تَوَقَّعَتْ شَرًّا ، قَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ : الْغُوَيْرُ مَكَانٌ مَعْرُوفٌ فِيهِ مَاءٌ لَبَنِي كَلْبٍ كَانَ فِيهِ نَاسٌ يَقْطَعُونَ الطَّرِيقَ وَكَانَ مَنْ مَرَّ يَتَوَاصَوْنَ بِالْحِرَاسَةِ ، وَأَوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ بِهَذَا الْمَثَلِ الزَّبَّاءُ ، بِفَتْحِ الزَّايِ وَشَدِّ الْمُوَحَّدَةِ وَالْمَدِّ ، إِذْ بَعَثَتْ قَصِيرًا اللَّخْمِيَّ ، بِفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ ، وَكَانَ يَطْلُبُهَا بِدَمِ جَذِيمَةَ بْنِ الْأَبْرَشِ ، فَتَوَاطَأَ هُوَ وَعَمْرُو ابْنُ أُخْتِ جَذِيمَةَ عَلَى أَنْ يَقْطَعَ أَنْفَ قَصِيرٍ ، فَأَظْهَرَ أَنَّهُ هَرَبَ مِنْهُ إِلَى الزَّبَّاءِ ، فَأَمِنَتْ إِلَيْهِ ثُمَّ أَرْسَلَتْهُ تَاجِرًا فَرَجَعَ إِلَيْهَا بِرِبْحٍ كَثِيرٍ مِرَارًا ، ثُمَّ رَجَعَ الْمَرَّةَ الْأَخِيرَةَ وَمَعَهُ الرِّجَالُ فِي الْأَعْدَالِ ، فَنَظَرَتْ إِلَى الْجِمَالِ تَمْشِي رُوَيْدًا لِثِقَلِ مَنْ عَلَيْهَا ، فَقَالَتْ : عَسَى الْغُوَيْرُ أَبْؤُسًا ، أَيْ لَعَلَّ الشَّرَّ يَأْتِيكُمْ مِنْ قِبَلِ الْغُوَيْرِ ، وَكَانَ قَصِيرٌ أَعْلَمَهَا أَنَّهُ يَسْلُكُ فِي هَذِهِ الْمَرَّةِ طَرِيقَ الْغُوَيْرِ ، فَلَمَّا دَخَلَتِ الْأَحْمَالُ قَصْرَهَا خَرَجَ الرِّجَالُ مَنِ الْأَعْدَالِ فَهَلَكَتْ . وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ : الْغُوَيْرُ تَصْغِيرُ غَارٍ دَخَلَهُ قَوْمٌ يَبِيتُونَ فِيهِ فَانْهَارَ عَلَيْهِمْ .
وَقِيلَ : وَجَدُوا فِيهِ عَدُوًّا لَهُمْ فَقَتَلَهُمْ فِيهِ ، وَالْأَبْؤُسُ الْبَائِسُ . قَالَ أَبُو عَبِيدٍ : وَقَوْلُ الْكَلْبِيِّ أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ . اهـ .
وَنُصِبَ أَبْؤُسًا بِتَقْدِيرِ : يَكُونُ أَبْؤُسًا ، جَمْعُ بُؤْسٍ وَهُوَ الشِّدَّةُ ، وَفِيهِ تَثَبُّتُ عُمَرَ فِي الْأَحْكَامِ ، وَأَنَّ الْحَاكِمَ إِذَا تَوَقَّفَ فِي أَمْرِ أَحَدٍ لَمْ يَقْدَحْ ذَلِكَ فِيهِ ، وَرُجُوعُ الْحَاكِمِ إِلَى قَوْلِ أَمِينِهِ ، وَأَنَّ الثَّنَاءَ عَلَى الرَّجُلِ فِي وَجْهِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ لَا يُكْرَهُ ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ الْإِطْنَابُ ، وَالِاكْتِفَاءُ بِوَاحِدٍ فِي التَّزْكِيَةِ ، وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ تَنْزِيلًا لَهُ مَنْزِلَةَ الْحُكْمِ ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَدُ ، وَالْمُرَجَّحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ اشْتِرَاطُ اثْنَيْنِ كَالشَّهَادَةِ ، وَاخْتَارَهُ الطَّحَاوِيُّ ؛ إِذْ لَيْسَ فِي الْقِصَّةِ أَنَّهُ لَمْ يَشْهَدْ لَهُ إِلَّا عَرِيفُهُ وَحْدُهُ . وَفِي الْمَظَالِمِ مِنَ الْبُخَارِيِّ : أَنَّ عُمَرَ لَمَّا اتَّهَمَ أَبَا جَمِيلَةَ شَهِدَ لَهُ جَمَاعَةٌ بِالسَّتْرِ ، وَاسْتَثْنَى كَثِيرٌ مِنْهُمْ بِطَانَةَ الْحَاكِمِ ؛ لِأَنَّهُ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْحَاكِمِ لِأَنَّهُ نَائِبُهُ ، وَالْحَاكِمُ لَا يُشْتَرَطُ تَعَدُّدُهُ ، وَقِيلَ : لَا يُقْبَلُ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةٍ لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ فِيمَنْ تَحِلُّ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يَقُومَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا يَشْهَدُونَ لَهُ ، فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي حَقِّ الْحَاجَةِ فَغَيْرُهَا أَوْلَى ، وَتَابَعَ مَالِكًا ، يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِهِ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ ، وَعَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الشَّهَادَاتِ .