باب الْقَضَاءِ فِي عِمَارَةِ الْمَوَاتِ
بَاب الْقَضَاءِ فِي عِمَارَةِ الْمَوَاتِ 1419 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ ، وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ . قَالَ مَالِكٌ : وَالْعِرْقُ الظَّالِمُ كُلُّ مَا احْتُفِرَ أَوْ أُخِذَ أَوْ غُرِسَ بِغَيْرِ حَقٍّ . 24 - بَابُ الْقَضَاءِ فِي عِمَارَةِ الْمَوَاتِ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : الْمَوَاتُ بِالضَّمِّ الْمَوْتُ ، وَبِالْفَتْحِ مَا لَا رُوحَ فِيهِ ، وَالْأَرْضُ الَّتِي لَا مَالِكَ لَهَا مِنَ الْآدَمِيِّينَ وَلَا يَنْتَفِعُ بِهَا أَحَدٌ ، وَالْمَوَتَانُ بِالتَّحْرِيكِ خِلَافُ الْحَيَوَانِ ، يُقَالُ : اشْتَرِ الْمَوَتَانِ وَلَا تَشْتَرِ الْحَيَوَانَ ، أَيِ اشْتَرِ الْأَرَضِينَ وَالدُّورَ وَلَا تَشْتَرِ الرَّقِيقَ وَالدَّوَابَّ .
وَقَالَ الْفَرَّاءُ : الْمَوَتَانُ مِنَ الْأَرْضِ الَّتِي لَمْ تَحْيَ بَعْدُ . وَفِي الْحَدِيثِ : مَوَتَانُ الْأَرْضِ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ، فَمَنْ أَحْيَا مِنْهَا شَيْئًا فَهُوَ لَهُ . 1456 1419 - ( مَالِكٌ : عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ) مُرْسَلٌ بِاتِّفَاقِ الرُّوَاةِ ، وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى هِشَامٍ : فَرَوَتْهُ طَائِفَةٌ مُرْسَلًا كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ وَهُوَ أَصَحُّ ، وَطَائِفَةٌ عَنْهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ ، وَطَائِفَةٌ عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ ، عَنْ جَابِرٍ ، وَطَائِفَةٌ عَنْهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَافِعٍ ، عَنْ جَابِرٍ ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ : عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ ، عَنْ جَابِرٍ ، وَاخْتُلِفَ فِيهِ أَيْضًا عَلَى عُرْوَةَ ، فَرَوَاهُ ابْنُهُ يَحْيَى عَنْهُ عَنْ صَحَابِيٍّ لَمْ يُسَمِّهِ ، وَرَوَاهُ جَرِيرٌ عَنْهُ فَقَالَ : وَأَكْثَرُ ظَنِّي أَنَّهُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ، وَرَوَاهُ الزُّهْرِيُّ عَنْهُ عَنْ عَائِشَةَ .
فَهَذَا الِاخْتِلَافُ عَلَى عُرْوَةَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَصَحَّ الْإِرْسَالُ ، وَهُوَ أَيْضًا صَحِيحٌ مُسْنَدٌ ، وَهُوَ حَدِيثٌ تَلَقَّاهُ بِالْقَبُولِ فُقَهَاءُ الْمَدِينَةِ وَغَيْرُهُمْ ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فَصَحَّحَهُ مِنَ الْوَجْهَيْنِ . وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ : حَسَنٌ غَرِيبٌ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَصَحَّحَهُ الضِّيَاءُ فِي الْأَحَادِيثِ الْمُخْتَارَةِ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً ) بِالتَّشْدِيدِ ، قَالَ الْحَافِظُ الْعِرَاقِيُّ : وَلَا يُقَالُ بِالتَّخْفِيفِ ؛ لِأَنَّهُ إِذَا خُفِّفَ تُحْذَفُ مِنْهُ تَاءُ التَّأْنِيثِ ، وَالْمَيِّتَةُ وَالْمَوَاتُ وَالْمَوَتَانُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْوَاوِ : الْأَرْضُ الَّتِي لَمْ تُعَمَّرْ ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ تَشْبِيهًا لَهَا بِالْمَيْتَةِ الَّتِي لَا يُنْتَفَعُ بِهَا لِعَدَمِ الِانْتِفَاعِ بِهَا بِزَرْعٍ أَوْ غَرْسٍ أَوْ بِنَاءٍ أَوْ نَحْوِهَا . ( فَهِيَ لَهُ ) بِمُجَرَّدِ الْإِحْيَاءِ وَلَا يَحْتَاجُ لِإِذْنِ الْإِمَامِ فِي الْبَعِيدَةِ عَنِ الْعِمَارَةِ اتِّفَاقًا .
قَالَ مَالِكٌ : مَعْنَى الْحَدِيثِ فِي فَيَافِي الْأَرْضِ وَمَا بَعُدَ مِنَ الْعُمْرَانِ ، فَإِنْ قَرُبَ فَلَا يَجُوزُ إِحْيَاؤُهُ إِلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ . وَقَالَ أَشْهَبُ وَكَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرُهُمْ : يُحْيِيهَا مَنْ شَاءَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ ، قَالَهُ سَحْنُونٌ ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ ، وَدَاوُدَ ، وَإِسْحَاقَ ، وَالشَّافِعِيِّ ، قَائِلًا : عَطِيَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِكُلِّ مَنْ أَحْيَا مَوَاتًا أَثْبَتُ مِنْ عَطِيَّةِ مَنْ بَعْدَهُ مِنْ سُلْطَانٍ وَغَيْرِهِ . وَاسْتَحَبَّ أَشْهَبُ إِذْنَهُ لِئَلَّا يَكُونَ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى أَحَدٍ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يُحْيِيهَا إِلَّا بِإِذْنِ السُّلْطَانِ قَرُبَتْ أَوْ بَعُدَتْ ، وَصَارَ الْخِلَافُ : هَلِ الْحَدِيثُ حُكْمٌ أَوْ فَتْوَى ؟ فَمَنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ قَالَ : لَا بُدَّ مِنَ الْإِذْنِ ، وَمَنْ قَالَ بِالثَّانِي قَالَ : لَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ ، وَهَذَا نَظِيرُ حَدِيثِ : مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ . وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنْ عُرْوَةَ قَالَ : أَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى أَنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ ، وَالْعِبَادُ عِبَادُ اللَّهِ ، وَمَنْ أَحْيَا مَوَاتًا فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ . جَاءَنَا بِهَذَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِينَ جَاءُوا بِالصَّلَاةِ عَنْهُ .
وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَالْبَيْهَقِيُّ ، وَابْنُ الْجَارُودِ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْعِبَادُ عِبَادُ اللَّهِ وَالْبِلَادُ بِلَادُ اللَّهِ ، فَمَنْ أَحْيَا مِنْ مَوَاتِ الْأَرْضِ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ . ( وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَالتَّنْوِينِ ( ظَالِمٍ ) صِفَةٌ لِلْعِرْقِ عَلَى سَبِيلِ الِاتِّسَاعِ ، كَأَنَّ الْعِرْقَ بِغَرْسِهِ صَارَ ظَالِمًا حَتَّى كَانَ الْفِعْلُ لَهُ . قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : هُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ فَجَعَلَ الْعِرْقَ نَفْسَهُ ظَالِمًا وَالْحَقُّ لِصَاحِبِهِ ، أَوْ يَكُونُ الظَّالِمُ مِنْ صِفَةِ الْعِرْقِ اهـ ، أَيْ لِذِي عِرْقٍ ظَالِمٍ .
وَرُوِيَ بِالْإِضَافَةِ فَالظَّالِمُ صَاحِبُ الْعِرْقِ وَهُوَ الْغَارِسُ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ فَلَيْسَ لَهُ ( حَقٌّ ) فِي الْإِبْقَاءِ فِيهَا . ( قَالَ مَالِكٌ : وَالْعِرْقُ الظَّالِمُ كُلُّ مَا احْتُفِرَ ) بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الْفَاءِ ، أَيْ حُفِرَ ( أَوْ أُخِذَ أَوْ غُرِسَ بِغَيْرِ حَقٍّ ) وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ الرِّوَايَةَ بِالتَّنْوِينِ ، وَبِهِ جَزَمَ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ فَقَالَ : وَاخْتَارَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ تَنْوِينَ عِرْقٍ وَذَكَرَ نَصَّهُ هَذَا ، وَنَصَّ الشَّافِعِيِّ بِنَحْوِهِ ، وَبِالتَّنْوِينِ جَزَمَ الْأَزْهَرِيُّ ، وَابْنُ فَارِسٍ وَغَيْرُهُمَا ، وَبَالَغَ الْخَطَّابِيُّ فَغَلَّطَ مَنْ رَوَاهُ بِالْإِضَافَةِ وَلَيْسَ كَمَا قَالَ ، فَقَدْ ثَبَتَتْ وَوَجْهُهَا ظَاهِرٌ فَلَا يَكُونُ غَلَطًا فَالْحَدِيثُ يُرْوَى بِالْوَجْهَيْنِ . وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : أَصْلُ الْعِرْقِ الظَّالِمِ فِي الْغَرْسِ يَغْرِسُهُ فِي الْأَرْضِ غَيْرُ رَبِّهَا لِيَسْتَوْجِبَهَا بِهِ ، وَكَذَلِكَ مَا أَشْبَهَهُ مِنْ بِنَاءٍ وَاسْتِنْبَاطِ مَاءٍ أَوِ اسْتِخْرَاجِ مَعْدِنٍ ، سُمِّيَتْ عِرْقًا لِشَبَهِهَا فِي الْإِحْيَاءِ بِعِرْقِ الْغَرْسِ .
وَفِي الْمُنْتَقَى قَالَ عُرْوَةُ وَرَبِيعَةُ : الْعُرُوقُ أَرْبَعَةٌ عِرْقَانِ ظَاهِرَانِ : الْبِنَاءُ وَالْغَرْسُ ، وَعِرْقَانِ بَاطِنَانِ : الْمِيَاهُ وَالْمَعَادِنُ ، فَلَيْسَ لِلظَّالِمِ فِي ذَلِكَ حَقٌّ فِي بَقَاءٍ أَوِ انْتِفَاعٍ ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ ظُلْمًا فَلِرَبِّهِ أَنْ يَأْمُرَهُ بِقَلْعِهِ أَوْ يُخْرِجَهُ مِنْهُ وَيَدْفَعَ إِلَيْهِ قِيمَتَهُ مَقْلُوعًا ، وَمَا لَا قِيمَةَ لَهُ بَقِيَ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ عَلَى حَالِهِ بِلَا عِوَضٍ . اهـ . وَرَوَى إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ عَنْ كَثِيرِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : مَنْ أَحْيَا مَوَاتًا مِنَ الْأَرْضِ فِي غَيْرِ حَقِّ مُسْلِمٍ فَهُوَ لَهُ ، وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ .
وَكَثِيرٌ ضَعِيفٌ لَكِنَّ شَاهِدَهُ حَدِيثُ الْبَابِ .