باب مَا جَاءَ فِي سُكْنَى الْمَدِينَةِ وَالْخُرُوجِ مِنْهَا
( أَخْبَرَهُ أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ) بْنِ الْخَطَّابِ ( فِي الْفِتْنَةِ ) الَّتِي وَقَعَتْ زَمَنَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ ( فَأَتَتْهُ مَوْلَاةٌ لَهُ ) لَمْ تُسَمَّ ( تُسَلِّمُ عَلَيْهِ فَقَالَتْ : إِنِّي أَرَدْتُ الْخُرُوجَ ) مِنَ الْمَدِينَةِ ( يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) لِأَنَّهُ ( اشْتَدَّ ) قَوِيَ وَصَعُبَ ( عَلَيْنَا الزَّمَانُ ! فَقَالَ لَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : اقْعُدِي لُكَعُ ) بِضَمِّ اللَّامِ وَفَتَحِ الْكَافِ وَعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ - كَذَا لِيَحْيَى وَحْدَهُ ، وَالصَّوَابُ لُكَاعُ كَمَا رَوَاهُ غَيْرُهُ ، قَالَ أَبُو عُمَرَ : إِنَّمَا يُقَالُ لِلْمَرْأَةِ لُكَاعُ مِثْلُ جُذَامٍ وَقُطَامٍ ، وَقَالَ عِيَاضٌ : يُطْلَقُ لُكَعُ بِضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِ الْكَافِ عَلَى اللَّئِيمِ وَالْعَبْدِ وَالْغَبِيِّ الَّذِي لَا يَهْتَدِي لِنُطْقٍ وَلَا غَيْرِهِ وَعَلَى الصَّغِيرِ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَطْلُبُ الْحَسَنَ : أَثَمَّ لُكَعُ . وَقَوْلُ الْحَسَنِ لِإِنْسَانٍ : يَا لُكَعُ ، أَيْ : يَا صَغِيرَ الْعِلْمِ . وَيُقَالُ لِلْمَرْأَةِ : لُكَاعُ عَلَى وَزْنِ فُعَالٍ ، وَالْجَمِيعُ مِنَ اللُّكَعِ وَهُوَ اللُّؤْمُ ، وَقِيلَ : مَنِ الْمَلَاكِيعِ وَهُوَ مَا يَخْرُجُ مِنَ السَّلَا مِنَ الْبَطْنِ .
وَقَالَ النُّحَاةُ : لُكَعُ وَلُكَاعُ لَا يُسْتَعْمَلَانِ إِلَّا فِي النِّدَاءِ خَاصَّةً ، قَدِ اسْتُعْمِلَ لُكَاعُ فِي الشِّعْرِ فِي غَيْرِ النِّدَاءِ ، قَالَ الْحُطَيْئَةُ : أَطَوِّفُ مَا أَطُوفُ ثُمَّ آوِي إِلَى بَيْتٍ قَعِيدَتُهُ لُكَاعُ قَالَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ لَهَا إِنْكَارًا لِمَا أَرَادَتْهُ مِنَ الْخُرُوجِ وَتَثْبِيطًا لَهَا وَإِدْلَالًا عَلَيْهَا لِأَنَّهَا مَوْلَاتُهُ ، وَقَدْ يَكُونُ مَعْنَاهُ يَا قَلِيلَةَ الْعِلْمِ وَصَغِيرَةَ الْحَظِّ مِنْهُ ؛ لِمَا فَاتَهَا مِنْ مَعْرِفَةِ حَقِّ الْمَدِينَةِ . ( فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : لَا يَصْبِرُ عَلَى لَأْوَائِهَا ) بِالْمَدِّ ( وَشِدَّتِهَا ) قَالَ أَبُو عُمَرَ : يَعْنِي الْمَدِينَةَ ، وَالشَّدَّةُ الْجُوعُ ، وَاللَّأْوَاءُ تَعَذُّرُ الْكَسْبِ وَسُوءُ الْحَالِ . وَقَالَ الْمَازِرِيُّ : اللَّأْوَاءُ الْجُوعُ وَشَدَّةُ الْمَكْسَبِ ، وَضَمِيرُ شِدَّتِهَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَعُودَ عَلَى اللَّأْوَاءِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَعُودَ عَلَى الْمَدِينَةِ .
قَالَ الْأُبِّيُّ : الْحَدِيثُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْحَثِّ عَلَى سُكْنَاهَا ، فَمَنْ لَزِمَ سُكْنَاهَا دَاخِلٌ فِي ذَلِكَ وَلَوْ لَمْ تَلْحَقْهُ لَأْوَاءٌ لِأَنَّ التَّعْلِيلَ بِالْغَالِبِ وَالْمَظِنَّةِ لَا يَضُرُّ فِيهِ التَّخَلُّفُ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ كَتَعْلِيلِ الْقَصْرِ بِمَشَقَّةِ السَّفَرِ ، فَإِنَّ الْمَلِكَ يَقْصُرُ وَإِنْ لَمْ تَلْحَقْهُ مَشَقَّةٌ لِوُجُودِ السَّفَرِ . ( أَحَدٌ إِلَّا كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا أَوْ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) ، قَالَ عِيَاضٌ : سُئِلْتُ قَدِيمًا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ وَلِمَ خُصَّ سَاكِنُ الْمَدِينَةِ بِالشَّفَاعَةِ هُنَا مَعَ عُمُومِ شَفَاعَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَادِّخَارِهِ إِيَّاهَا ؟ وَأُجِيبَ عَنْهُ بِجَوَابٍ شَافٍ مُقْنِعٍ فِي أَوْرَاقٍ اعْتَرَفَ بِصَوَابِهِ كُلُّ وَاقِفٍ عَلَيْهِ ، وَأَذْكُرُ مِنْهُ هُنَا لُمَعًا تَلِيقُ بِهَذَا الْمَوْضِعِ ، قَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا أَوْ هُنَا لِلشَّكِّ وَالْأَظْهَرُ عِنْدَنَا أَنَّهَا لَيْسَتْ لِلشَّكِّ ؛ لِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ رَوَاهُ جَابِرٌ وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَابْنُ عُمَرَ وَأَبُو سَعِيدٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَأَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ وَصَفِيَّةُ بِنْتُ أَبِي عُبَيْدٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهَذَا اللَّفْظِ ، وَيَبْعُدُ اتِّفَاقُ جَمِيعِهِمْ أَوْ رُوَاتِهِمْ عَلَى الشَّكِّ وَيُطَابِقُهُمْ فِيهِ عَلَى صِيغَةٍ وَاحِدَةٍ ، بَلِ الْأَظْهَرُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَهُ هَكَذَا ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ أَعْلَمَ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ هَكَذَا وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ أَوْ لِلتَّقْسِيمِ وَيَكُونُ شَهِيدًا لِبَعْضِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَشَفِيعًا لِبَاقِيهِمْ ، إِمَّا شَفِيعًا لِلْعَاصِينَ وَشَهِيدًا لِلْمُطِيعِينَ وَإِمَّا شَهِيدًا لِمَنْ مَاتَ فِي حَيَاتِهِ وَشَفِيعًا لِمَنْ مَاتَ بَعْدَهُ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ ، وَهَذِهِ خُصُوصِيَّةٌ زائِدَةٌ عَلَى الشَّفَاعَةِ لِلْمُذْنِبِينَ أَوْ لِلْعَاصِينَ فِي الْقِيَامَةِ وَعَلَى شَهَادَتِهِ عَلَى جَمِيعِ الْأُمَّةِ ، وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي شُهَدَاءِ أُحُدٍ : أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ ، فَيَكُونُ لِتَخْصِيصِهِمْ بِهَذَا كُلِّهِ مَزِيَّةٌ وَزِيَادَةُ مَنْزِلَةٍ وَحُظْوَةٌ . قَالَ : وَقَدْ تَكُونُ أَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ فَيَكُونُ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ شَفِيعًا وَشَهِيدًا .
انْتَهَى . وَبِالْوَاوِ رَوَاهُ الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ عِيَاضٌ : وَإِذَا جَعَلْنَا أَوْ لِلشَّكِّ كَمَا قَالَ الْمَشَايِخُ فَإِنْ كَانَتِ اللَّفْظَةُ الصَّحِيحَةُ شَهِيدًا انْدَفَعَ الِاعْتِرَاضُ لِأَنَّهَا زَائِدَةٌ عَلَى الشَّفَاعَةِ الْمُدَّخَرَةِ الْمُجَرَّدَةِ لِغَيْرِهِمْ ، وَإِنْ كَانَتْ شَفِيعًا فَاخْتِصَاصُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ بِهَذَا أَنَّ هَذِهِ شَفَاعَةٌ أُخْرَى غَيْرُ الْعَامَّةِ الَّتِي هِيَ فِي إِخْرَاجِ أُمَّتِهِ مِنَ النَّارِ وَمُعَافَاةِ بَعْضِهِمْ بِشَفَاعَتِهِ فِي الْقِيَامَةِ ، وَتَكُونُ هَذِهِ الشَّفَاعَةُ بِزِيَادَةِ الدَّرَجَاتِ أَوْ تَخْفِيفِ السَّيِّئَاتِ أَوْ بِمَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ ، أَوْ بِإِكْرَامِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَنْوَاعٍ مِنَ الْكَرَامَةِ كَإِيوَائِهِمْ إِلَى ظِلِّ الْعَرْشِ أَوْ كَوْنِهِمْ فِي رَوْحٍ أَوْ عَلَى مَنَابِرَ ، أَوِ الْإِسْرَاعُ بِهِمْ إِلَى الْجَنَّةِ أو غير ذَلِكَ مِنْ خُصُوصِ الْكَرَامَاتِ الْوَارِدَةِ لِبَعْضِهِمْ دُونَ بَعْضٍ ، انْتَهَى . وَنَقَلَهُ عَنْهُ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ وَأَقَرُّوهُ ، وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ الضَّحَّاكُ عَنْ قَطَنٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ .