حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
شرح الزرقاني على الموطأ

باب مَا جَاءَ فِي سُكْنَى الْمَدِينَةِ وَالْخُرُوجِ مِنْهَا

وَحَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ : أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْإِسْلَامِ ، فَأَصَابَ الْأَعْرَابِيَّ وَعْكٌ بِالْمَدِينَةِ ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقِلْنِي بَيْعَتِي ، فَأَبَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ جَاءَهُ فَقَالَ : أَقِلْنِي بَيْعَتِي ، فَأَبَى ، ثُمَّ جَاءَهُ فَقَالَ : أَقِلْنِي بَيْعَتِي ، فَأَبَى ، فَخَرَجَ الْأَعْرَابِيُّ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّمَا الْمَدِينَةُ كَالْكِيرِ تَنْفِي خَبَثَهَا وَيَنْصَعُ طِيبُهَا . 1639 1591 - ( مَالِكٌ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ) بْنِ عَبْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيِّ الْمَدَنِيِّ ( عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ) الصَّحَابِيِّ ابْنِ الصَّحَابِيِّ ( أَنَّ أَعْرَابِيًّا ) ، قَالَ الْحَافِظُ : لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ - إِلَّا أَنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ ذَكَرَ فِي رَبِيعِ الْأَبْرَارِ أَنَّهُ قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ وَهُوَ مُشْكِلٌ لِأَنَّهُ تَابِعِيٌّ كَبِيرٌ مَشْهُورٌ ، وَصَرَّحُوا بِأَنَّهُ هَاجَرَ فَوَجَدَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ مَاتَ ، فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَلَعَلَّهُ آخَرُ وَافَقَ اسْمَهُ وَاسْمَ أَبِيهِ . وَفِي الذَّيْلِ لِأَبِي مُوسَى الْمَدِينِيِّ فِي الصَّحَابَةِ قَيْسُ بْنُ حَازِمٍ الْمِنْقَرِيُّ ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ هَذَا ، أَيْ زِيدٌ فِي اسْمِ أَبِيهِ أَدَاةُ الْكُنْيَةِ سَهْوًا أَوْ غَلَطًا .

( بَايَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْإِسْلَامِ فَأَصَابَ الْأَعْرَابِيَّ وَعْكٌ ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَبِسُكُونِ الْعَيْنِ - حُمَّى ( بِالْمَدِينَةِ ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ، وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ : فَجَاءَ الْغَدُ مَحْمُومًا ( فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقِلْنِي بَيْعَتِي ) عَلَى الْإِسْلَامِ - قَالَهُ عِيَاضٌ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : إِنَّمَا اسْتَقَالَهُ مِنَ الْهِجْرَةِ وَلَمْ يَرُدِ الِارْتِدَادَ عَنِ الْإِسْلَامِ ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : بِدَلِيلٍ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ حَلَّ مَا عَقَدَهُ إِلَّا بِمُوَافَقَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى ذَلِكَ ، وَلَوْ أَرَادَ الرِّدَّةَ وَوَقَعَ فِيهَا لَقَتَلَهُ إِذْ ذَاكَ ، وَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى الْإِقَالَةِ مِنَ الْمَقَامِ بِالْمَدِينَةِ ، ( فَأَبَى ) امْتَنَعَ ( رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) أَنْ يُقِيلَهُ ( ثُمَّ جَاءَهُ ) ثَانِيَةً ( فَقَالَ : أَقِلْنِي بَيْعَتِي فَأَبَى ) امْتَنَعَ ( ثُمَّ جَاءَهُ ) الثَّالِثَةَ ( فَقَالَ : أَقِلْنِي بَيْعَتِي فَأَبَى ) أَنْ يُقِيلَهُ لِأَنَّهَا إِنْ كَانَتْ بَعْدَ الْفَتْحِ فَهِيَ عَلَى الْإِسْلَامِ فَلَمْ يُقِلْهُ لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ الرُّجُوعُ إِلَى الْكُفْرِ ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ فَهِيَ عَلَى الْهِجْرَةِ وَالْمُقَامِ مَعَهُ بِالْمَدِينَةِ ، وَلَا يَحِلُّ لِلْمُهَاجِرِ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى وَطَنِهِ - كَذَا قَالَ عِيَاضٌ . وَرَدَّهُ الْأُبِّيُّ فَقَالَ : الْأَظْهَرُ أَنَّهَا عَلَى الْهِجْرَةِ لِقَوْلِهِ وَعْكٌ ، وَلَوْ كَانَتْ عَلَى الْإِسْلَامِ كَانَتْ رِدَّةً لِأَنَّ الرِّضَا بِالدَّوَامِ عَلَى الْكُفْرِ كُفْرٌ . انْتَهَى .

( فَخَرَجَ الْأَعْرَابِيُّ ) مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى الْبَدْوِ ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّمَا الْمَدِينَةُ كَالْكِيرِ ) بِكَسْرِ الْكَافِ الْمِنْفَخُ الَّذِي يُنْفَخُ بِهِ النَّارُ أَوِ الْمَوْضِعُ الْمُشْتَمِلُ عَلَيْهَا ( تَنْفِي ) بِفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ وَسُكُونِ النُّونِ وَبِالْفَاءِ ( خَبَثَهَا ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَالْمُثَلَّثَةِ مَا تُبْرِزُهُ النَّارُ مِنْ وَسَخٍ وَقَذَرٍ ، وَيُرْوَى بِضَمِّ الْخَاءِ وَسُكُونِ الْبَاءِ مِنَ الشَّيْءِ الْخَبِيثِ ، وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ لِمُنَاسَبَةِ الْكِيرِ . ( وَيَنْصَعُ ) بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وَسُكُونِ النُّونِ وَفَتَحِ الصَّادِ وَعَيْنٍ مُهْمَلَتَيْنِ مِنَ النُّصُوعِ وَهُوَ الْخُلُوصُ ، أَيْ يَخْلُصُ ( طِيبُهَا ) بِكَسْرِ الطَّاءِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ خَفِيفَةً وَالرَّفْعُ فَاعِلُ يَنْصَعُ ، وَفِي رِوَايَةٍ تَنْصَعُ بِالْفَوْقِيَّةِ طِيبَهَا بالنصب عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ مُخَفَّفًا أَيْضًا ، وَبِهِ ضَبْطَهُ الْقَزَّازُ لَكِنَّهُ اسْتَشْكَلَهُ بِأَنَّهُ لَمْ يَرَ النُّصُوعَ فِي الطِّيبِ ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ يَتَضَوَّعُ بِضَادٍ مُعْجَمَةٍ وَزِيَادَةِ وَاوٍ ، لَكِنْ قَالَ عِيَاضٌ : مَعْنَى يَنْصَعُ يَصْفُو وَيَخْلُصُ ، يُقَالُ طِيبٌ نَاصِعٌ إِذَا خَلُصَتْ رَائِحَتُهُ وَصَفَتْ مِمَّا يُنْقِصُهَا ، وَفِي رِوَايَةٍ طَيِّبُهَا بِشَدِّ التَّحْتِيَّةِ مَكْسُورَةً وَالرَّفْعِ فَاعِلٌ ، قَالَ الْأُبِّيُّ : وَهِيَ الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ وَهُوَ أَقْوَمُ مَعْنًى لِأَنَّهُ ذَكَرَهُ فِي مُقَابَلَةِ الْخَبِيثِ أَيْ مُنَاسَبَةٍ بَيْنَ الْكِيرِ وَالطِّيبِ ، شَبَّهَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَدِينَةَ وَمَا يُصِيبُ سَاكِنَهَا مِنَ الْجَهْدِ بِالْكِيرِ وَمَا يَدُورُ عَلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ الْخَبِيثِ مِنَ الطَّيِّبِ فَيَذْهَبُ الْخَبِيثُ وَيَبْقَى الطَّيِّبُ ، وَكَذَلِكَ الْمَدِينَةُ تَنْفِي شَرَارَهَا بِالْحُمَّى وَالْجُوعِ وَتُطَهِّرُ خِيَارَهُمْ وَتُزَكِّيهِمُ ، انْتَهَى . وَقَالَ غَيْرُهُ : هَذَا تَشْبِيهٌ حَسَنٌ لِأَنَّ الْكِيرَ بِشِدَّةِ نَفْخِهِ يَنْفِي عَنِ النَّارِ السُّخَامَ وَالدُّخَانَ وَالرَّمَادَ حَتَّى لَا يَبْقَى إِلَّا خَالِصُ الْجَمْرِ ، هَذَا إِنْ أُرِيدَ بِالْكِيرِ الْمِنْفَخُ الَّذِي يُنْفَخُ بِهِ النَّارُ ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْمَوْضِعُ فَالْمَعْنَى أَنَّ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ لِشِدَّةِ حَرَارَتِهِ يَنْزِعُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَيُخْرِجُ خُلَاصَةَ ذَلِكَ ، وَالْمَدِينَةُ كَذَلِكَ تَنْفِي شِرَارَ النَّاسِ بِالْحُمَّى وَالْوَصَبِ وَشِدَّةِ الْعَيْشِ وَضِيقِ الْحَالِ الَّتِي تُخَلِّصُ النَّفْسَ مِنْ الِاسْتِرْسَالِ فِي الشَّهَوَاتِ وَتُطَهِّرُ خِيَارَهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَحْكَامِ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَفِي الِاعْتِصَامِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، وَمُسْلِمٌ فِي الْحَجِّ عَنْ يَحْيَى - الْأَرْبَعَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ بِنَحْوِهِ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث