باب مَا جَاءَ فِي سُكْنَى الْمَدِينَةِ وَالْخُرُوجِ مِنْهَا
وَحَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا الْحُبَابِ سَعِيدَ بْنَ يَسَارٍ يَقُولُ : سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ الْقُرَى ، يَقُولُونَ : يَثْرِبُ وَهِيَ الْمَدِينَةُ تَنْفِي النَّاسَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ . 1640 1592 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ) بْنُ قَيْسِ بْنِ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيُّ ( أَنَّهُ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا الْحُبَابِ ) بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ الْخَفِيفَةِ فَأَلِفٍ فَمُوَحَّدَةٍ ( سَعِيدَ ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ ( ابْنَ يَسَارٍ ) بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وَالْمُهْمَلَةِ الْخَفِيفَةِ الْمَدَنِيَّ الثِّقَةَ الْمُتْقِنَ ، مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ ، وَقِيلَ قَبْلَهَا بِسَنَةٍ ، يُقَالُ إِنَّهُ مَوْلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ، وَيُقَالُ مَوْلَى شُمَيْسَةَ النَّصْرَانِيَّةَ الْمُسْلِمَةَ بِالْمَدِينَةِ عَلَى يَدِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ، وَقِيلَ : مَوْلَى شُقْرَانَ مَوْلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ( يَقُولُ : سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ ؛ أَيْ أَمَرَنِي رَبِّي بِالْهِجْرَةِ إِلَى قَرْيَةٍ ( تَأْكُلُ الْقُرَى ) أَيْ تَغْلِبُهَا وَتَظْهَرُ عَلَيْهَا ، يَعْنِي أَنَّ أَهْلَهَا تَغْلِبُ أَهْلَ سَائِرِ الْبِلَادِ فَتُفْتَحُ مِنْهَا ، يُقَالُ : أَكَلْنَا بَنِي فُلَانٍ أَيْ غَلَبْنَاهُمْ وَظَهَرْنَا عَلَيْهِمْ ، فَإِنَّ الْغَالِبَ الْمُسْتَوْلِي عَلَى الشَّيْءِ كَالْمُفْنِي لَهُ إِفْنَاءَ الْآكِلِ إِيَّاهُ ، وَفِي مُوَطَّأِ ابْنِ وَهْبٍ قُلْتُ لِمَالِكٍ : مَا تَأْكُلُ الْقُرَى ؟ أَيْ مَا مَعْنَاهُ ؟ قَالَ : تَفْتَحُ الْقُرَى ؛ لِأَنَّ مِنَ الْمَدِينَةِ افْتَتَحَتِ الْقُرَى كُلَّهَا بِالْإِسْلَامِ .
وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ : فِي التَّوْرَاةِ يَقُولُ اللَّهُ يَا طَابَةُ يَا مِسْكِينَةُ ، إِنِّي سَأَرْفَعُ أَجَاجِيرَكِ عَلَى أَجَاجِيرِ الْقُرَى ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ تَأْكُلُ الْقُرَى ؛ لِأَنَّهَا إِذَا عَلَتْ عَلَيْهَا عُلُوَّ الْغَلَبَةِ أَكَلَتْهَا ، وَيَكُونُ الْمُرَادُ يَأْكُلُ فَضْلُهَا الْفَضَائِلَ أَيْ يَغْلِبُ فَضْلُهَا الْفَضَائِلَ حَتَّى إِذَا قِيسَتْ بِفَضْلِهَا تَلَاشَتْ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا ، وَجَاءَ فِي مَكَّةَ أَنَّهَا أُمُّ الْقُرَى ، لَكِنَّ الْمَذْكُورَ لِلْمَدِينَةِ أَبْلَغُ مِنَ الْأُمُومَةِ إِذْ لَا يُمْحَى بِوُجُودِهَا وُجُودُ مَا هِيَ أُمٌّ لَهُ لَكِنْ يَكُونُ حَقُّ الْأُمُومَةِ أَظْهَرَ ، وَمَعْنَى تَأْكُلُ الْقُرَى مِنَ الْفَضَائِلِ تَضْمَحِلُّ فِي جَنْبِ عَظِيمِ فَضْلِهَا حَتَّى يَكُونَ عَدَمًا ، وَمَا تَضْمَحِلُّ لَهُ الْفَضَائِلُ أَفْضَلُ وَأَعْظَمُ مِمَّا تَبْقَى مَعَهُ الْفَضَائِلُ اهـ . وَفِيهِ تَفْضِيلُ الْمَدِينَةِ عَلَى مَكَّةَ ، قَالَ الْمُهَلَّبُ : لِأَنَّ الْمَدِينَةَ هِيَ الَّتِي أَدْخَلَتْ مَكَّةَ وَغَيْرَهَا مِنَ الْقُرَى فِي الْإِسْلَامِ ، فَصَارَ الْجَمِيعُ فِي صَحَائِفِ أَهْلِهَا ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ الَّذِينَ فَتَحُوا مَكَّةَ فِيهِمْ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ فَالْفَضْلُ ثَابِتٌ لِلْفَرِيقَيْنِ ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ تَفْضِيلُ إِحْدَى الْقَرْيَتَيْنِ . قُلْنَا : لَا نِزَاعَ فِي ثُبُوتِ الْفَضْلِ لِلْفَرِيقَيْنِ وَلِلْقَرْيَتَيْنِ ، كَمَا أَنَّهُ لَا نِزَاعَ فِي أَنَّ مَكَّةَ مِنْ جُمْلَةِ الْقُرَى الَّتِي أَكَلَتْهَا الْمَدِينَةُ فَيَلْزَمُ تَفْضِيلُهَا عَلَيْهَا .
( وَيَقُولُونَ ) أَيْ بَعْضُ النَّاسِ مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَغَيْرِهِمْ ( يَثْرِبُ ) بِالرَّفْعِ يُسَمُّونَهَا بَاسِمِ وَاحِدٍ مِنَ الْعَمَالِقَةِ نَزَلَهَا ، وَقِيلَ : بِاسْمِ يَثْرِبَ بْنِ قَانِيَةٍ مِنْ وَلَدِ إِرَمِ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ ، وَقِيلَ : هُوَ اسْمٌ كَانَ لِمَوْضِعٍ مِنْهَا سُمِّيَتْ بِهِ كُلُّهَا ، وَكَرِهَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّهُ مِنَ التَّثْرِيبِ الَّذِي هُوَ التَّوْبِيخُ وَالْمَلَامَةُ أَوْ مِنَ الثَّرْبِ وَهُوَ الْفَسَادُ ، وَكِلَاهُمَا قَبِيحٌ . وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُحِبُّ الِاسْمَ الْحَسَنَ وَيَكْرَهُ الْقَبِيحَ ، وَلِذَا قَالَ : يَقُولُونَ يَثْرِبُ ( وَهِيَ الْمَدِينَةُ ) أَيِ الْكَامِلَةُ عَلَى الْإِطْلَاقِ ، كَالْبَيْتِ لِلْكَعْبَةِ فَهُوَ اسْمُهَا الْحَقِيقِيُّ لَهَا لِأَنَّ التَّرْكِيبَ يَدُلُّ عَلَى التَّفْخِيمِ كَقَوْلِهِ : وَهُمُ الْقَوْمُ كُلُّ الْقَوْمِ يَا أُمَّ خَالِدٍ . أَيْ : هِيَ الْمُسْتَحِقَّةُ لِأَنْ تُتَّخَذَ دَارَ إِقَامَةٍ ، وَأَمَّا تَسْمِيَتُهَا فِي الْقُرْآنِ يَثْرِبَ فَإِنَّمَا هِيَ حِكَايَةٌ عَنِ الْمُنَافِقِينَ .
وَرَوَى أَحْمَدُ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَفَعَهُ : مَنْ سَمَّى الْمَدِينَةَ يَثْرِبَ فَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ ؛ هِيَ طَابَةُ ، هِيَ طَابَةُ ، وَرَوَى عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى أَنْ يُقَالَ لِلْمَدِينَةِ يَثْرِبُ ، قَالَ عِيَاضٌ : فَهِمَ الْعُلَمَاءُ مِنْ هَذَا مَنْعَ أَنْ يُقَالَ يَثْرِبُ ، حَتَّى قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ : مَنْ سَمَّى الْمَدِينَةَ يَثْرِبَ كُتِبَتْ عَلَيْهِ خَطِيئَةً . وَقَالَ أَبُو عُمَرَ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى كَرَاهَةِ ذَلِكَ . اهـ .
وَأُجِيبَ عَنْ حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ فَإِذَا هِيَ يَثْرِبُ ، وَفِي رِوَايَةٍ لَا أَرَاهَا إِلَّا يَثْرِبَ بِأَنَّهُ كَانَ قَبْلَ النَّهْيِ . ( تَنْفِي ) بِكَسْرِ الْفَاءِ ( النَّاسَ ) أَيِ الْخَبِيثَ الرَّدِيءَ مِنْهُمْ ( كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ ) بِكَسْرِ الْكَافِ وَإِسْكَانِ التَّحْتِيَّةِ ، قَالَ أَبُو عُمَرَ : هُوَ مَوْضِعُ نَارِ الْحَدَّادِ وَالصَّائِغِ وَلَيْسَ الْجِلْدُ الَّذِي تُسَمِّيهِ الْعَامَّةُ كِيرًا ، هَكَذَا قَالَ عُلَمَاءُ اللُّغَةِ . ( خَبَثَ ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَمُثَلَّثَةٍ ، وَالنَّصْبُ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ ، ( الْحَدِيدِ ) أَيْ وَسَخِهِ الَّذِي تُخْرِجُهُ النَّارُ ، أَيْ لَا تَتْرُكُ فِيهَا مَنْ فِي قَلْبِهِ دَغَلٌ ، بَلْ تُمَيِّزُهُ عَنِ الْقُلُوبِ الصَّادِقَةِ وَتُخْرِجُهُ ، كَمَا تُمَيِّزُ النَّارُ رَدِيءَ الْحَدِيدِ مِنْ جَيِّدِهِ ، وَنُسِبَ التَّمْيِيزُ لِلْكِيرِ لِأَنَّهُ السَّبَبُ الْأَكْبَرُ فِي اشْتِعَالِ النَّارِ الَّتِي وَقَعَ التَّمْيِيزُ بِهَا .
قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا إِنَّمَا كَانَ فِي الْحَيَاةِ النَّبَوِيَّةِ ، فَحِينَئِذٍ لَمْ يَكُنْ يَخْرُجُ مِنَ الْمَدِينَةِ رَغْبَةً عَنْ جِوَارِهِ فِيهَا إِلَّا مَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ ، وَأَمَّا بَعْدَهُ فَقَدْ خَرَجَ مِنْهَا الْخِيَارُ الْفُضَلَاءُ الْأَبْرَارُ ، وَتَبِعَهُ عِيَاضٌ فَقَالَ : الْأَظْهَرُ أَنَّ هَذَا يَخْتَصُّ بِزَمَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَصْبِرُ عَلَى الْهِجْرَةِ وَالْمُقَامِ مَعَهُ إِلَّا مَنْ ثَبَتَ إِيمَانُهُ ، وَأَمَّا الْمُنَافِقُونَ وَجَهَلَةُ الْأَعْرَابِ فَلَا يَصْبِرُونَ عَلَى شِدَّةِ الْمَدِينَةِ وَلَا يَحْتَسِبُونَ الْأَجْرَ فِي ذَلِكَ كَمَا قَالَ الْأَعْرَابِيُّ الَّذِي أَصَابَهُ الْوَعْكُ : أَقِلْنِي بَيْعَتِي اهـ . وَرَجَّحَ النَّوَوِيُّ عُمُومَهُ لِمَا وَرَدَ أَنَّهَا فِي زَمَنِ الدَّجَّالِ تَرْجُفُ ثَلَاثَ رَجَفَاتٍ يُخْرِجُ اللَّهُ مِنْهَا كُلَّ كَافِرٍ وَمُنَافِقٍ ، قَالَ : فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُمُ اخْتُصُّوا بِزَمَنِ الدَّجَّالِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ فِي أَزْمَانٍ مُتَفَرِّقَةٍ . قَالَ الْأُبِّيُّ : فَإِنْ قِيلَ : قَدِ اسْتَقَرَّ الْمُنَافِقُونَ فِيهَا ! أُجِيبَ بِأَنَّهُمُ انْتَفَوْا بِالْمَوْتِ وَهُوَ أَشَدُّ النَّفْيِ ، فَإِنْ قِيلَ : قَدِ اسْتَقَرَّ بِهَا الرَّوَافِضُ وَنَحْوُهَا ! قُلْتُ : إِنْ كَانَ نَفْيُهَا الْخَبَثَ خَاصًا بِزَمَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَالْجَوَابُ وَاضِحٌ ، وَإِنْ كَانَ عَامًّا فَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِنَفْيِ الْخَبَثِ إِخْمَادُ بِدْعَةِ مَنْ يَسْكُنُهَا مِنَ الْمُبْتَدَعَةِ وَعَدَمُ ظُهُورِهِ بِحَيْثُ يَدْعُو إِلَى بِدْعَتِهِ ، وَهَذَا لَمْ يَتَّفِقْ فِيهَا .
اهـ . وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَمُسْلِمٌ عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ - كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ سُفْيَانُ وَعَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَقَالَ : إِنَّهُمَا قَالَا كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ الْخَبَثَ - لَمْ يُذْكَرِ الْحَدِيدُ .