باب مَا جَاءَ فِي وَبَاءِ الْمَدِينَةِ
( وَكَانَ بِلَالٌ إِذَا أَقْلَعَ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَاللَّامِ ، وَفِي رِوَايَةٍ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ - أَيْ كُفَّ وَزَالَ ( عَنْهُ ) الْوَعْكُ ( يَرْفَعُ عَقِيرَتَهُ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْقَافِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى مَفْعُوْلَةٍ ، أَيْ صَوْتَهُ بِبُكَاءٍ أَوْ بِغِنَاءٍ ، قَالَ الْأَصْمَعِيُّ : أَصْلُهُ أَنَّ رَجُلًا انْعَقَرَتْ رِجْلُهُ فَرَفَعَهَا عَلَى الْأُخْرَى وَجَعَلَ يَصِيحُ فَصَارَ كُلُّ مَنْ رَفَعَ صَوْتَهُ يُقَالُ رَفَعَ عَقِيرَتَهُ - وَإِنْ لَمْ يَرْفَعْ رِجْلَهُ . قَالَ ثَعْلَبٌ : وَهَذَا مِنَ الْأَسْمَاءِ الَّتِي اسْتُعْمِلَتْ عَلَى غَيْرِ أَصْلِهَا ( فَيَقُولُ : أَلَا ) بِخِفَّةِ اللَّامِ أَدَاةُ اسْتِفْتَاحٍ ( لَيْتَ شِعْرِي ) أَيْ مَشْعُورِي ، أَيْ لَيْتَنِي عَلِمْتُ بِجَوَابِ مَا تَضَمَّنَهُ قَوْلِي ( هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً بِوَادِي ) أَيْ وَادِ مَكَّةَ ( وَحَوْلِي إِذْخِرٌ ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الذَّالِ وَكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَتَيْنِ حَشِيشُ مَكَّةَ ذُو الرَّائِحَةِ الطَّيِّبَةِ ، ( وَجَلِيلُ ) بِجِيمٍ وَكَسْرِ اللَّامِ الْأُولَى نَبْتٌ ضَعِيفٌ يُحْشَى بِهِ الْبُيُوتُ وَغَيْرُهَا ، وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ ، قَالَ أَبُو عُمَرَ : إِذْخِرٌ وَجَلِيلٌ نَبْتَانِ مِنَ الْكَلَأِ طَيِّب الرَّائِحَةِ يَكُونَانِ بِمَكَّةَ وَأَوْدِيَتِهَا لَا يَكَادُ أَنْ يُوجَدَانِ فِي غَيْرِهَا . ( وَهَلْ أَرِدَنْ ) بِنُونِ التَّوْكِيدِ الْخَفِيفَةِ ( يَوْمًا مِيَاهَ ) بِالْهَاءِ ( مَجِنَّةٍ ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْجِيمِ وَالنُّونِ الْمُشَدَّدَةِ وَبِكَسْرِ الْجِيمِ ، مَوْضِعٌ عَلَى أَمْيَالٍ مِنْ مَكَّةَ كَانَ بِهِ سُوقٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ .
( وَهَلْ يَبْدُوَنْ ) بِنُونِ تَأْكِيدٍ خَفِيفَةٍ يَظْهَرَنْ ( لِي شَامَةٌ ) بِمُعْجَمَةٍ وَمِيمٍ مُخَفَّفًا ، وَزَعَمَ فِي الْقَامُوسِ أَنَّ الْمِيمَ تَصْحِيفٌ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ ، وَالصَّوَابُ شَابَةٌ بِالْبَاءِ ، وَبِالْمِيمِ وَقَعَ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ جَمِيعِهَا - كَذَا قَالَ ، وَأَشَارَ الْحَافِظُ لِرَدِّهِ فَقَالَ : زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الصَّوَابَ بِالْمُوَحَّدَةِ بَدَلَ الْمِيمِ ، وَالْمَعْرُوفُ بِالْمِيمِ . ( وَطَفِيلُ ) بِفَتْحِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْفَاءِ جَبَلَانِ بِقُرْبِ مَكَّةَ عَلَى نَحْوِ ثَلَاثِينَ مِيلًا مِنْهَا كَمَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ ، وَقِيلَ : جَبَلَانِ مُشْرِفَانِ عَلَى مَجِنَّةَ عَلَى بَرِيدَيْنِ مِنْ مَكَّةَ ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : كُنْتُ أَحْسَبُهُمَا جَبَلَيْنِ حَتَّى مَرَرْتُ بِهِمَا وَوَقَفْتُ عَلَيْهِمَا فَإِذَا هُمَا عَيْنَانِ مِنْ مَاءٍ - وَقَوَّاهُ السُّهَيْلِيُّ بِقَوْلِ كَثِيرٍ : وَمَا أَنْسَ مَشْيًا وَلَا أَنْسَ مَوْقِفًا لَنَا وَلَهَا بِالْخَبِّ حُبٌّ طَفِيلُ الْخَبُّ مُنْخَفَضُ الْأَرْضِ . انْتَهَى ، أَيْ : بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَتُكْسَرُ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ ، وَجُمِعَ بِاحْتِمَالِ أَنَّ الْعَيْنَيْنِ بِقُرْبِ الْجَبَلَيْنِ أَوْ فِيهِمَا ، وَيُبْعِدُ الثَّانِي كَلَامَ الْخَطَّابِيِّ ، قِيلَ : الْبَيْتَانِ لَيْسَا لِبِلَالٍ بَلْ لِبَكْرِ بْنِ غَالِبٍ الْجُرْهُمِيِّ أَنْشَدَهُمَا لَمَّا نَفَتْهُمْ خُزَاعَةُ مِنْ مَكَّةَ فَتَمَثَّلَ بِهِمَا بِلَالٌ ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ بِهِ ثُمَّ يَقُولُ بِلَالٌ : اللَّهُمَّ الْعَنْ عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ ، وَشَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ وَأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ كَمَا أَخْرَجُونَا مِنْ أَرْضِنَا إِلَى أَرْضِ الْوَبَاءِ .
( قَالَتْ عَائِشَةُ : فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْتُهُ ) بِشَأْنِهِمَا ، وَعِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّهُمْ لَيَهْذُونَ وَمَا يَعْقِلُونَ مِنْ شِدَّةِ الْحُمَّى ! فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ ( فَقَالَ : اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ ) مِنْ حُبِّنَا لِمَكَّةَ ، فَاسْتَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَهُ فَكَانَتْ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ مَكَّةَ كَمَا جَزَمَ بِهِ بَعْضُهُمْ ، وَكَانَ يُحَرِّكُ دَابَّتَهُ إِذَا رَأَى الْمَدِينَةَ مِنْ حُبِّهَا ، ( وَصَحِّحْهَا ) مِنَ الْوَبَاءِ ( وَبَارِكْ ) أَنْمِ وَزِدْ ( لَنَا فِي صَاعِهَا ) كَيْلٌ يَسَعُ أَرْبَعَةَ أَمْدَادٍ ( وَمُدِّهَا ) وَهُوَ رِطْلٌ وَثُلُثٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحِجَازِ ، فَاسْتَجَابَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ فَطَيَّبَ هَوَاءَهَا وَتُرَابَهَا وَمَسَاكِنَهَا وَالْعَيْشَ بِهَا . قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُ : مَنْ أَقَامَ بِهَا يَجِدُ مِنْ تربها وَحِيطَانِهَا رَائِحَةً طَيِّبَةً لَا تَكَادُ تُوجَدُ فِي غَيْرِهَا . قَالَ بَعْضُهُمْ : وَقَدْ تَكَرَّرُ دُعَاؤُهُ بِتَحْبِيبِهَا وَالْبَرَكَةِ فِي ثِمَارِهَا ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْإِجَابَةَ حَصَلَتْ بِالْأَوَّلِ وَالتَّكْرِيرُ لِطَلَبِ الْمَزِيدِ فِيهَا مِنَ الدِّينِ وَالدُّنْيَا ، وَقَدْ ظَهَرَ ذَلِكَ فِي نَفْسِ الْكَيْلِ بِحَيْثُ يَكْفِي الْمُدُّ بِهَا مَا لَا يَكْفِيهِ بِغَيْرِهَا ، وَهَذَا أَمْرٌ مَحْسُوسٌ لِمَنْ سَكَنَهَا .
( وَانْقُلْ حُمَّاهَا فَاجْعَلْهَا بِالْجُحْفَةِ ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْفَاءِ قَرْيَةٌ جَامِعَةٌ عَلَى اثْنَيْنِ وَثَمَانِينَ مِيلًا مِنْ مَكَّةَ ، وَكَانَتْ تُسَمَّى مَهْيَعَةً ، وَبِهِ عَبَّرَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالتَّحْتِيَّةِ ، بَيْنَهُمَا هَاءٌ سَاكِنَةٌ فَعَيْنٌ مُهْمَلَةٌ مَفْتُوحَةٌ فَهَاءٌ عَلَى الْمَشْهُورِ ، وَحَكَى عِيَاضٌ كَسْرَ الْهَاءِ وَسُكُونَ الْيَاءِ عَلَى وَزْنِ جَمِيلَةَ ، وَكَانَتْ يَوْمَئِذٍ مَسْكَنَ الْيَهُودِ وَلِذَا تَوَجَّهَ دُعَاؤُهُ عَلَيْهِمْ ، فَفِيهِ جَوَازُ الدُّعَاءِ عَلَى الْكُفَّارِ بِالْأَمْرَاضِ وَالْهَلَاكِ ، وَلِلْمُسْلِمِينَ بِالصِّحَّةِ وَإِظْهَارِ مُعْجَمَةٍ عَجِيبَةٍ فَإِنَّهَا مِنْ يَوْمِئِذٍ وَبِيَّةٌ لَا يَشْرَبُ أَحَدٌ مِنْ مَائِهَا إِلَّا حُمَّ ، وَلَا يَمُرُّ بِهَا طَائِرٌ إِلَّا حُمَّ وَسَقَطَ . وَرَوَى الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ كَأَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَفَعَهُ : رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ ثَائِرَةَ الرَّأْسِ خَرَجَتْ مِنَ الْمَدِينَةِ حَتَّى نَزَلَتْ مَهْيَعَةَ ، فَتَأَوَّلْتُهَا أَنَّ وَبَاءَ الْمَدِينَةِ نُقِلَ إِلَيْهَا ! وَلَا مَانِعَ مِنْ تَجَسُّمِ الْأَعْرَاضِ خَرْقًا لِلْعَادَةِ لِيَحْصُلَ لَهُمُ الطَّمَأْنِينَةُ بِإِخْرَاجِهَا . وَفِي رِوَايَةٍ : قَدِمَ إِنْسَانٌ مِنْ طَرِيقِ مَكَّةَ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ لَقِيتَ أَحَدًا ؟ قَالَ : لَا ، إِلَّا امْرَأَةً سَوْدَاءَ عُرْيَانَةً ! فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تِلْكَ الْحُمَّى ، وَلَنْ تَعُودَ بَعْدَ الْيَوْمِ .
قَالَ الشَّرِيفُ السَّمْهُورْدِيُّ : وَالْمَوْجُودُ الْآنَ مِنَ الْحُمَّى بِالْمَدِينَةِ لَيْسَ حُمَّى الْوَبَاءِ ، بَلْ رَحْمَةُ رَبِّنَا وَدَعْوَةُ نَبِيِّنَا لِلتَّكْفِيرِ . قَالَ : وَفِي الْحَدِيثِ أَصَحُّ الْمَدِينَةِ مَا بَيْنَ حَرَّةَ بَنِي قُرَيْظَةَ وَالْعَرِيضِ وَهُوَ يُؤْذِنُ بِبَقَاءِ شَيْءٍ مِنْهَا بِهَا ، وَأَنَّ الَّذِي نُقِلَ عَنْهَا أَصْلًا وَرَأْسًا سُلْطَانُهَا وَشِدَّتُهَا وَوَبَاؤُهَا وَكَثْرَتُهَا بِحَيْثُ لَا يُعَدُّ الْبَاقِي بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ شَيْئًا ، قَالَ : وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا رُفِعَتْ بِالْكُلِّيَّةِ ثُمَّ أُعِيدَتْ خَفِيفَةً لِئَلَّا يَفُوتَ ثَوَابُهَا كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ، وَيَدُلُّ لَهُ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو يَعْلَى وَابْنُ حِبَّانَ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ جَابِرٍ قَالَ : اسْتَأْذَنَتِ الْحُمَّى عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : مَنْ هَذِهِ ؟ قَالَتْ : أُمُّ مِلْدَمٍ ! فَأَمَرَ بِهَا إِلَى أَهْلِ قِبَاءَ فَبَلَغُوا مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَيْهِ ، فَقَالَ : مَا شِئْتُمْ ، إِنْ شِئْتُمْ دَعَوْتُ اللَّهَ لِيَكْشِفَهَا عَنْكُمْ وَإِنْ شِئْتُمْ تَكُونُ لَكُمْ طَهُورًا ! قَالُوا : أَوَتَفْعَلُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالُوا : فَدَعْهَا ، انْتَهَى . هَذَا وَقَدْ عَارَضَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ حَدِيثَ الْبَابِ بِمَا رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ : لَمَّا دَخَلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ حُمَّ أَصْحَابُهُ فَدَخَلَ يَعُودُهُمْ ، فَقَالَ : يَا أَبَا بَكْرٍ ، كَيْفَ تَجِدُكَ ؟ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ .
وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَ : فَجَعَلَ سُفْيَانُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ هُوَ الدَّاخِلُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَبِلَالٍ وَعَامِرٍ ، وَمَالِكٌ أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ هِيَ الدَّاخِلَةَ ، انْتَهَى . وَلَا مُعَارَضَةَ أَصْلًا لِأَنَّ دُخُولَ أَحَدِهِمَا لَا يَمْنَعُ دُخُولَ الْآخَرِ ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا لَمَّا أَخْبَرَتْهُ بِحَالِهِمْ جَاءَ لِعِيَادَتِهِمْ وَأَجَابُوا كُلًّا مِنْهُمَا بِالْأَشْعَارِ الْمَذْكُورَةِ . وَفِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ أَنَّ عَائِشَةَ وعكت أَيْضًا ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَدْخُلُ عَلَيْهَا .
وَأَخْرَجَ ابْنُ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي قَالَ : أَصَابَتِ الْحُمَّى الصَّحَابَةَ حَتَّى جَهِدُوا مَرَضًا ، وَصَرَفَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ عَنْ نَبِيِّهِ حَتَّى مَا كَانُوا يُصَلُّونَ إِلَّا وَهُمْ قُعُودٌ ، فَخَرَجَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُمْ يُصَلُّونَ كَذَلِكَ ، فَقَالَ : اعْلَمُوا أَنَّ صَلَاةَ الْقَاعِدِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاةِ الْقَائِمِ ! فَتَجَشَّمُوا الْقِيَامَ ، أَيْ تَكَلَّفُوهُ عَلَى مَا بِهِمْ مِنَ الضَّعْفِ وَالسَّقَمِ الْتِمَاسَ الْفَضْلِ ، قَالَ السُّهَيْلِيُّ : وَفِي هَذَا الْخَبَرِ وَمَا ذُكِرَ مِنْ حَنِينِهِمْ إِلَى مَكَّةَ مَا جُبِلَتْ عَلَيْهِ النُّفُوسُ مِنْ حُبِّ الْوَطَنِ وَالْحَنِينِ إِلَيْهِ ، وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ أُصَيْلٍ - أَيْ بِالتَّصْغِيرِ - الْغِفَارِيِّ ، وَيُقَالُ فِيهِ الْهُذَلِيُّ - أَنَّهُ قَدِمَ مِنْ مَكَّةَ فَسَأَلَتْهُ عَائِشَةُ : كَيْفَ تَرَكْتَ مَكَّةَ يَا أُصَيْلُ ؟ قَالَ : تَرَكْتُهَا حِينَ ابْيَضَّتْ أَبَاطِحُهَا وَأَحْجَنَ ثُمَامُهَا وأغدق إِذْخِرُهَا وابشرّ سَلَمُهَا ، فَاغْرَوْرَقَتْ عَيْنَاهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ : تَشَوَّقْنَا يَا أُصَيْلُ . وَيُرْوَى أَنَّهُ قَالَ لَهُ : دَعِ الْقُلُوبَ تَقَرُّ ! وَقَدْ قَالَ الْأَوَّلُ : أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً بِوَادِي الْخُزَامَى حَيْثُ رَبَّتْنِي أَهْلِي بِلَادٍ بِهَا نِيطَتْ عَلَيَّ تَمَائِمِي وَقُطِّعْنَ عَنِّي حِينَ أَدْرَكَنِي عَقْلِي انْتَهَى . وَهَذَا كَانَ فِي ابْتِدَاءِ الْهِجْرَةِ ، ثُمَّ حُبِّبَتِ الْمَدِينَةُ إِلَيْهِمْ بِدُعَائِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى فَضْلِهَا وَمَحَبَّتِهِ فِيهَا ، وَفَضَائِلُهَا جَمَّةٌ كَثِيرَةٌ صَنَّفَهَا النَّاسُ كَمَا قَالَ أَبُو عُمَرَ .
وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْحَجِّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، وَفِي الْهِجْرَةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَفِي الطِّبِّ عَنْ قُتَيْبَةَ - الثَّلَاثَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ أَبُو أُسَامَةَ بِنَحْوِهِ ، وَزِيَادَةٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَعَبْدَةَ وَابْنِ نُمَيْرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ - الثَّلَاثَةُ عَنْ هِشَامٍ ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَائِشَةَ ) فِيهِ انْقِطَاعٌ لِأَنَّ يَحْيَى لَمْ يُدْرِكْ عَائِشَةَ ، وَقَدْ زَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ هِشَامٍ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُرْوَةَ ، جَمِيعًا عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ عَقِبَ قَوْلِهَا : فَقُلْتُ : وَاللَّهِ مَا يَدْرِي أَبِي مَا يَقُولُ ، ثُمَّ دَنَوْتُ إِلَى عَامِرِ بْنِ فُهَيْرَةَ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ عَلَيْنَا الْحِجَابُ ، فَقُلْتُ : كَيْفَ تَجِدُكَ يَا عَامِرُ ؟ ( قَالَتْ : وَكَانَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ ) بِضَمِّ الْفَاءِ وَفَتْحِ الْهَاءِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ ، التَّيْمِيُّ مَوْلَى الصِّدِّيقِ ، يُقَالُ : أَصْلُهُ مِنَ الْأَزْدِ فَاسْتُرِقَّ ، وَيُقَالُ : أَصْلُهُ مِنْ غَيْرِهِمْ ، اشْتَرَاهُ أَبُو بَكْرٍ فأسلم قَدِيمًا فَعُذِّبَ لِأَجْلِ الْإِسْلَامِ ، ثُمَّ رَافَقَ أَبَا بَكْرٍ فِي الْهِجْرَةِ وَشَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا وَاسْتُشْهِدَ بِبِئْرِ مَعُونَةَ ، رَوَتْ عَنْهُ عَائِشَةُ رَجَزَهُ الَّذِي كَانَ ( يَقُولُ : قَدْ رَأَيْتُ الْمَوْتَ ) أَيْ شِدَّةً تُشَابِهُ شِدَّتَهُ ( قَبْلَ ذَوْقِهِ ) حُلُولِهِ ( إِنَّ الْجَبَانَ ) أَيْ ضَعِيفَ الْقَلْبِ ، ( حَتْفُهُ ) هَلَاكُهُ ( مِنْ فَوْقِهِ ) لِجُبْنِهِ ، زَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي رِوَايَتِهِ الْمَذْكُورَةِ : كُلُّ امْرِئٍ مُجَاهِدٍ بِطَوْقِهِ كَالثَّوْرِ يَحْمِي أَنْفَهُ بِرَوْقِهِ وَالطَّوْقُ الطَّاقَةُ ، وَالرَّوْقُ الْقَرْنُ - يُضْرَبُ مَثَلًا فِي الْحَثِّ عَلَى حِفْظِ الْحَرِيمِ ، قَالَ السُّهَيْلِيُّ : وَيُذْكَرُ أَنَّ هَذَا الشِّعْرَ لِعَمْرِو بْنِ مَامَةَ .