باب مَا جَاءَ فِي أَمْرِ الْمَدِينَةِ
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ : أَنَّ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَخْبَرَهُ : أَنَّهُ زَارَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَيَّاشٍ الْمَخْزُومِيَّ ، فَرَأَى عِنْدَهُ نَبِيذًا وَهُوَ بِطَرِيقِ مَكَّةَ فَقَالَ لَهُ أَسْلَمُ : إِنَّ هَذَا الشَّرَابَ يُحِبُّهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، فَحَمَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَيَّاشٍ قَدَحًا عَظِيمًا فَجَاءَ بِهِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَوَضَعَهُ فِي يَدَيْهِ ، فَقَرَّبَهُ عُمَرُ إِلَى فِيهِ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ ، فَقَالَ عُمَرُ : إِنَّ هَذَا لَشَرَابٌ طَيِّبٌ ، فَشَرِبَ مِنْهُ ثُمَّ نَاوَلَهُ رَجُلًا عَنْ يَمِينِهِ ، فَلَمَّا أَدْبَرَ عَبْدُ اللَّهِ نَادَاهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ أَأَنْتَ الْقَائِلُ لَمَكَّةُ خَيْرٌ مِنْ الْمَدِينَةِ ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : فَقُلْتُ : هِيَ حَرَمُ اللَّهِ وَأَمْنُهُ وَفِيهَا بَيْتُهُ ، فَقَالَ عُمَرُ : لَا أَقُولُ فِي بَيْتِ اللَّهِ وَلَا فِي حَرَمِهِ شَيْئًا ، ثُمَّ قَالَ عُمَرُ : أَأَنْتَ الْقَائِلُ لَمَكَّةُ خَيْرٌ مِنْ الْمَدِينَةِ ؟ قَالَ : فَقُلْتُ : هِيَ حَرَمُ اللَّهِ وَأَمْنُهُ وَفِيهَا بَيْتُهُ ، فَقَالَ عُمَرُ : لَا أَقُولُ فِي حَرَمِ اللَّهِ وَلَا فِي بَيْتِهِ شَيْئًا ، ثُمَّ انْصَرَفَ . 1654 1606 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ) الْأَنْصَارِيِّ ( عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ) بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الصِّدِّيقِ ، وَهَذَا مِنْ رِوَايَةِ الْكَبِيرِ عَنِ الصَّغِيرِ ؛ لِأَنَّ يَحْيَى تَابِعِيٌّ سَمِعَ مِنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَحَادِيثَ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ وَإِنْ عَاصَرَهُ لَكِنْ لَمْ يَلْقَ أَحَدًا مِنَ الصَّحَابَةِ وَهُمَا جَمِيعًا مِنْ شُيُوخِ مَالِكٍ . ( أَنَّ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ) ثِقَةٌ مُخَضْرَمٌ مَاتَ سَنَةَ ثَمَانِينَ وَقِيلَ : بَعْدَ سَنَةِ سِتِّينَ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَمِائَةِ سَنَةٍ ( أَخْبَرَهُ أَنَّهُ زَارَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَيَّاشٍ ) بِتَحْتِيَّةٍ ثَقِيلَةٍ وَشِينٍ مُعْجَمَةٍ لَهُ صُحْبَةٌ وَأَبُوهُ صَحَابِيُّ شَهِيرٌ ( الْمَخْزُومِيَّ ) القرشي ( فَرَأَى عِنْدَهُ نَبِيذًا ) بِذَالٍ مُعْجَمَةٍ تَمْرًا وَزَبِيبًا طُرِحَ فِي مَاءٍ ( وَهُوَ بِطْرِيقِ مَكَّةَ فَقَالَ لَهُ أَسْلَمُ : إِنَّ هَذَا الشَّرَابَ يُحِبُّهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ) لِأَنَّهُ حُلْوٌ بَارِدٌ وَكَانَ الْمُصْطَفَى يُحِبُّ الْحُلْوَ الْبَارِدَ ( فَحَمَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَيَّاشٍ قَدَحًا عَظِيمًا ) كَبِيرًا ( فَجَاءَ بِهِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَوَضَعَهُ فِي يَدِهِ ) أَيْ : عُمَرَ ( فَقَرَّبَهُ عُمَرُ إِلَى فِيهِ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ عُمَرُ : إِنَّ هَذَا ) الَّذِي فِي الْقَدَحِ ( لَشَرَابٌ طَيِّبٌ فَشَرِبَ مِنْهُ ثُمَّ نَاوَلَهُ رَجُلًا عَنْ يَمِينِهِ ) عَمَلًا بِالسُّنَّةِ ( فَلَمَّا أَدْبَرَ ) وَلَّى ( عَبْدُ اللَّهِ نَادَاهُ ) دَعَاهُ ( عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ : أَأَنْتَ ) بِهَمْزَتَيْنِ أُولَاهُمَا لِلِاسْتِفْهَامِ ( الْقَائِلُ : لَمَكَّةُ ) بِلَامِ التَّأْكِيدِ ( خَيْرٌ ) أَفْضَلُ ( مِنَ الْمَدِينَةِ ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : فَقَلَتْ هِيَ حَرَمُ اللَّهِ وَأَمْنُهُ وَفِيهَا بَيْتُهُ ) الْكَعْبَةُ وَمَا أُضِيفَ لِلَّهِ خَيْرٌ مِمَّا أُضِيفَ إِلَى رَسُولِهِ ( فَقَالَ عُمَرُ : لَا أَقُولُ فِي بَيْتِ اللَّهِ وَلَا فِي حَرَمِهِ شَيْئًا ) يَعْنِي أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ مَحَلِّ الْخِلَافِ وَلَمْ أَسْأَلْكَ عَنْهُ إِنَّمَا سَأَلْتُكَ عَنِ الْبَلَدَيْنِ ( ثُمَّ قَالَ عُمَرُ ) ثَانِيًا لِيَنْظُرَ هَلْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ إِلَى مُوَافَقَةِ عُمَرَ فِي تَفْضِيلِ الْمَدِينَةِ ( أَأَنَّتَ الْقَائِلُ : لَمَكَّةٌ خَيْرٌ مِنَ الْمَدِينَةِ ؟ قَالَ ) عَبْدُ اللَّهِ : ( فَقُلْتُ : هِيَ حَرَمُ اللَّهِ وَأَمْنُهُ وَفِيهَا بَيْتُهُ ) الْكَعْبَةُ ( فَقَالَ عُمَرُ : لَا أَقُولُ فِي حَرَمِ اللَّهِ وَلَا فِي بَيْتِهِ شَيْئًا ثُمَّ انْصَرَفَ ) عَبْدُ اللَّهِ وَلَمْ يَتَغَيَّرِ اجْتِهَادُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِمُوَافَقَةِ الْآخَرِ وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ أَيُّ الْبَلَدَيْنِ أَفْضَلُ ، فَذَهَبَ الْأَكْثَرُ إِلَى تَفْضِيلِ مَكَّةَ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ وَهْبٍ ، وَمُطَرِّفٌ ، وَابْنُ حَبِيبٍ ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَابْنُ رُشْدٍ ، وَابْنُ عَرَفَةَ ، وَذَهَبَ عُمَرُ وَجَمَاعَةٌ وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ سِوَى مَنْ ذُكِرَ إِلَى تَفْضِيلِ الْمَدِينَةِ وَاخْتَارَهُ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ ، وَالْأَدِلَّةُ كَثِيرَةٌ مِنَ الْجَانِبَيْنِ حَتَّى قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ بِتَسَاوِي الْبَلَدَيْنِ ، وَالسُّيُوطِيُّ فِي الْحُجَجِ الْمُبَيَّنَةِ : الْمُخْتَارُ الْوَقْفُ عَنِ التَّفْضِيلِ لِتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ بَلِ الَّذِي تَمِيلُ إِلَيْهِ النَّفْسُ تَفْضِيلُ الْمَدِينَةِ ثُمَّ قَالَ : وَإِذَا تَأَمَّلَ ذُو الْبَصِيرَةِ لَمْ يَجِدْ فَضْلًا أُعْطِيَتْهُ مَكَّةُ إِلَّا وَأُعْطِيَتِ الْمَدِينَةُ نَظِيرَهُ وَأَعْلَى مِنْهُ ، وَجَزَمَ فِي خَصَائِصِهِ بِأَنَّ الْمُخْتَارَ تَفْضِيلُ الْمَدِينَةِ ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ مَا عَدَا الْبُقْعَةَ الَّتِي ضَمَّتْ أَعْضَاءَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهِيَ أَفْضَلُ إِجْمَاعًا مِنْ جَمِيعِ بِقَاعِ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ كَمَا حَكَاهُ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ ، وَيَلِيهَا الْكَعْبَةُ فَهِيَ أَفْضَلُ مِنْ بَقِيَّةِ الْمَدِينَةِ اتِّفَاقًا كَمَا قَالَ الشَّرِيفُ السَّمْهُودِيُّ وَإِلَيْهِ يُومِئُ كَلَامُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ .