باب النَّهْيِ عَنْ الْقَوْلِ بِالْقَدَرِ
وَحَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ طَاوُسٍ الْيَمَانِيِّ أَنَّهُ قَالَ : أَدْرَكْتُ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُونَ : كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ ، قَالَ طَاوُسٌ : وَسَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ حَتَّى الْعَجْزِ وَالْكَيْسِ ، أَوْ الْكَيْسِ وَالْعَجْزِ . 1663 1615 - ( مَالِكٌ ، عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ ) بِسُكُونِ الْعَيْنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْخُرَاسَانِيِّ نَشَأَ بِهَا ثُمَّ نَزَلَ مَكَّةَ ثُمَّ الْيَمَنَ ثِقَةٌ ثَبْتٌ ، قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ : كَانَ أَثْبَتَ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ مَالِكٌ : ثِقَةٌ سَكَنَ مَكَّةَ وَقَدِمَ عَلَيْنَا الْمَدِينَةَ وَلَهُ هَيْبَةٌ وَصَلَاحٌ ، وَكَذَا وَثَّقَهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُمَا ( عَنْ عَمْرِو ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ ( ابْنِ مُسْلِمٍ ) الْجَنَدِيِّ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالنُّونِ الْيَمَانِيِّ صَدُوقٌ لَهُ أَوْهَامُ ( عَنْ طَاوُسِ ) بْنِ كَيْسَانَ ( الْيَمَانِيِّ ) الثِّقَةِ الثَّبْتِ الْفَقِيهِ الْفَاضِلِ ، يُقَالُ : اسْمُهُ ذَكْوَانُ ، وَطَاوُسٌ لَقَبٌ ، مَاتَ سَنَةَ سِتٍّ وَمِائَةٍ وَقِيلَ : بَعْدَهَا ( أَنَّهُ قَالَ : أَدْرَكْتُ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُونَ : كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ ) أَيْ : جَمِيعُ الْأُمُورِ إِنَّمَا هِيَ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْأَزَلِ فَمَا قُدِّرَ لَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِهِ ، أَوِ الْمُرَادُ كُلُّ الْمَخْلُوقَاتِ بِتَقْدِيرٍ مُحْكَمٍ وَهُوَ تَعَلُّقُ الْإِرَادَةِ الْأَزَلِيَّةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِنِظَامِ الْمَوْجُودَاتِ عَلَى تَرْتِيبٍ . ( قَالَ طَاوُسٌ : وَسَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ) بْنَ الْخَطَّابِ ( يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ حَتَّى الْعَجْزِ وَالْكَيْسِ ) قَالَ عِيَاضٌ : رَوَيْنَاهُ بِالْخَفْضِ عَطْفًا عَلَى شَيْءٍ وَالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى كُلُّ وَقَدْ تَكُونُ حَتَّى جَارَّةً وَهُوَ أَحَدُ مَعَانِيهَا ، وَالْعَجْزُ : يُحْتَمَلُ أَنَّهُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَهُوَ عَدَمُ الْقُدْرَةِ ، وَقِيلَ : هُوَ تَرْكُ مَا يَجِبُ فِعْلُهُ وَالتَّسْوِيفُ فِيهِ حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهُ ، وَيُحْتَمَلَ أَنْ يُرِيدَ بِهِ عَمَلَ الطَّاعَاتِ ، وَيُحْتَمَلَ أَمْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَالْكَيْسُ ضِدُّ الْعَجْزِ وَهُوَ النَّشَاطُ فِي تَحْصِيلِ الْمَطْلُوبِ ، قَالَ : وَإِدْخَالُ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ هَذَا الْحَدِيثَ فِي كِتَابِ الْقَدَرِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ هُنَا مَا قَدَّرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَقَضَى بِهِ وَأَرَادَهُ مِنْ خَلْقِهِ انْتَهَى وَهُوَ وَجِيهٌ .
لَكِنْ تَعَقَّبَ الْأَبِّيُّ تَفْسِيرَ الْعَجْزِ بِعَدَمِ الْقُدْرَةِ : يُصَيِّرُهُ عَدَمًا وَهُوَ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ صِفَةٌ ثُبُوتِيَّةٌ يَمْتَنِعُ مَعَهَا وُقُوعُ الْفِعْلِ الْمُمْكِنِ . وَرَجَّحَ الطِّيبِيُّ أَنَّ حَتَّى حَرْفُ جَرٍّ بِمَعْنَى إِلَى ، نَحْوَ : حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ [ سُورَةُ الْقَدْرِ : الْآيَةُ 5 ] لِأَنَّ الْمَعْنَى يَقْتَضِي الْغَايَةَ ، إِذِ الْمُرَادُ أَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ وَاكْتِسَابَهُمْ كُلَّهَا بِتَقْدِيرِ خَالِقِهِمْ حَتَّى الْكَيْسَ الْمُوصِلَ صَاحِبَهُ إِلَى الْبُغْيَةِ ، وَالْعَجْزَ الَّذِي يَتَأَخَّرُ بِهِ عَنْ دَرْكِهَا . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَمَعْنَى الْحَدِيثِ مَا مِنْ شَيْءٍ يَقَعُ فِي الْوُجُودِ إِلَّا وَسَبَقَ عِلْمُهُ بِهِ وَتَعَلَّقَتْ بِهِ إِرَادَتُهُ ، وَلِذَا أَتَى بِكُلِّ الَّتِي هِيَ لِلْعُمُومِ وَعَقَّبَهَا بِحَتَّى الَّتِي هِيَ لِلْغَايَةِ ، وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِالْعَجْزِ وَالْكَيْسِ لِيُبَيِّنَ أَنَّ أَفْعَالَنَا وَإِنْ كَانَتْ مُرَادَةً لَنَا فَهِيَ لَا تَقَعُ إِلَّا بِإِرَادَةِ اللَّهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى : وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [ سُورَةُ الْإِنْسَانِ : الْآيَةُ 30 ] وَقَالَ الطِّيبِيُّ : قُوبِلَ الْكَيْسُ بِالْعَجْزِ عَلَى الْمَعْنَى لِأَنَّ الْمَعْنَى الْمُقَابِلَ الْحَقِيقِيَّ لِلْكَيْسِ الْبَلَادَةُ وَلِلْعَجْزِ الْقُوَّةُ ، وَفَائِدَةُ هَذَا الْأُسْلُوبِ تَقْيِيدُ كُلٍّ مِنَ اللَّفْظَيْنِ بِمَا يُضَادُّ الْآخَرَ ، يَعْنِي : حَتَّى الْكَيْسِ وَالْقُوَّةِ وَالْبَلَادَةِ وَالْعَجْزِ عَنْ قَدَرِ اللَّهِ فَهُوَ رَدٌّ عَلَى مَنْ يُثْبِتُ الْقُدْرَةَ لِغَيْرِهِ تَعَالَى مُطْلَقًا وَيَقُولُ أَفْعَالُ الْعِبَادِ مُسْنَدَةٌ إِلَى قُدْرَةِ الْعَبْدِ وَاخْتِيَارِهِ ، لِأَنَّ مَصْدَرَ الْفِعْلِ الدَّاعِيَةُ وَمَنْشَؤُهَا الْقَلْبُ الْمَوْصُوفُ بِالْكِيَاسَةِ وَالْبَلَادَةِ ثُمَّ الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ ، وَمَكَانُهُمَا الْأَعْضَاءُ وَالْجَوَارِحُ ، فَإِذَا كَانَ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ فَأَيُّ شَيْءٍ يَخْرُجُ عَنْهُمَا .
( أَوْ ) قَالَ ( الْكَيْسُ ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ وَمُهْمَلَةٍ ، النَّشَاطُ وَالْحَذْقُ وَالظَّرَافَةُ ، أَوْ كَمَالُ الْعَقْلِ أَوْ شَدَّةُ مَعْرِفَةِ الْأُمُورِ أَوْ تَمْيِيزُ مَا فِيهِ الضَّرَرُ مِنَ النَّفْعِ . ( وَالْعَجْزُ ) التَّقْصِيرُ عَمَّا يَجِبُ فِعْلُهُ أَوْ عَنِ الطَّاعَةِ أَوْ أَعَمُّ ، وَالْمُرَادُ أَنَّ الرَّاوِيَ شَكَّ هَلْ أَخَّرَ الْكَيْسَ أَوْ قَدَّمَهُ ؟ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فَإِنْ صَحَّ أَنَّ الشَّكَّ مِنِ ابْنِ عُمَرَ أَوْ مِنْ دُونَهُ فَفِيهِ مُرَاعَاةُ الْأَلْفَاظِ عَلَى رُتْبَتِهَا وَأَظُنُّهُ مِنْ وَرَعِ ابْنِ عُمَرَ ، وَالَّذِي عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ جَوَازُ الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى لِلْعَارِفِ بِالْمَعَانِي ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ حَمَّادٍ ، وَقُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ ، كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ .