باب مَا جَاءَ فِي الْغَضَبِ
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ . 1681 1631 - ( مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَيْسَ الشَّدِيدُ ) أَيِ الْقَوِيُّ ( بِالصُّرَعَةِ ) بِضَمِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ ، أَيِ : الَّذِي يَكْثُرُ مِنْهُ صَرْعُ النَّاسِ ، قَالَ الْبَاجِيُّ : وَلَمْ يُرِدْ نَفْيَ الشِّدَّةِ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ شِدَّتَهُ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهُ لَيْسَ بِالنِّهَايَةِ فِي الشِّدَّةِ مِنْهُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ ، أَوْ أَرَادَ أَنَّهَا شِدَّةٌ لَيْسَ لَهَا كَبِيرُ مَنْفَعَةٍ ، وَإِنَّمَا الشِّدَّةُ الَّتِي يُنْتَفَعُ بِهَا شِدَّةُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ كَقَوْلِهِمْ : لَا كِرِيمَ إِلَّا يُوسُفُ ، لَمْ يُرِدْ بِهِ نَفْيَ الْكَرَمِ عَنْ غَيْرِهِ وَإِنَّمَا أُرِيدَ إِثْبَاتُ مَزِيَّةٍ لَهُ فِي الْكَرَمِ . وَكَذَا : لَا سَيْفَ إِلَّا ذُو الْفِقَارِ ، وَلَا شُجَاعَ إِلَّا عَلِيٌّ انْتَهَى .
فَالنَّفْيُ لِلْمُبَالَغَةِ ، أَيْ : لَيْسَ الْقَوِيُّ الَّذِي يَصْرَعُ أَبْطَالَ الرِّجَالِ وَيُلْقِيهِمْ إِلَى الْأَرْضِ بِقُوَّةٍ ( إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ ) بِأَنْ لَا يَفْعَلَ مُوجِبَاتِ الْغَضَبِ ، فَإِنَّهُ إِذَا مَلَكَهَا كَانَ هُوَ الشَّدِيدَ الْكَامِلَ لِأَنَّهُ قَهَرَ أَكْبَرَ أَعْدَائِهِ إِذْ مَنْ عَدَاهَا أَذَاهُ دُونَهَا لِأَنَّهَا مُوجِبَةٌ لِعُقُوبَةِ اللَّهِ ، وَأَقَلُّهَا أَشَدُّ مِنْ عُقُوبَاتِ الدُّنْيَا وَقَهْرِ شَرِّ خُصُومِهِ لِخَبَرِ : أَعْدَى عَدُوٍّ لَكَ نَفْسُكَ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْكَ وَهَذَا مِنَ الْأَلْفَاظِ الَّتِي نُقِلَتْ عَنْ مَوْضُوعِهَا اللُّغَوِيِّ لِضَرْبٍ مِنَ الْمَجَازِ وَالتَّوَسُّعِ وَهُوَ مِنْ فَصِيحِ الْكَلَامِ وَبَلِيغِهِ ، لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْغَضْبَانُ بِحَالَةٍ شَدِيدَةٍ مِنَ الْغَيْظِ وَقَدْ ثَارَتْ عَلَيْهِ شِدَّةٌ مِنَ الْغَضَبِ فَقَهَرَهَا بِحِلْمِهِ وَصَرَعَهَا بِثَبَاتِهِ وَعَدَمِ عَمَلِهِ بِمُقْتَضَى الْغَضَبِ كَانَ كَالصُّرَعَةِ الَّذِي يَصْرَعُ الرِّجَالَ وَلَا يَصْرَعُونَهُ ، وَالْهَاءُ لِلْمُبَالَغَةِ فِي الصِّفَةِ ، وَكُلُّ مَا جَاءَ بِهَذَا الْوَزْنِ بِالضَّمِّ وَالْفَتْحِ كَهُمَزَةٍ وَلُمَزَةٍ وَحُفَظَةٍ وَضُحَكَةٍ وَخُدَعَةٍ ، وَالصُّرْعَةُ بِسُكُونِ الرَّاءِ بِالْعَكْسِ وَهُوَ مَنْ يَصْرَعُهُ غَيْرُهُ كَثِيرًا ، وَكُلُّ مَا جَاءَ بِهَذَا الْوَزْنِ بِالضَّمِّ وَالسُّكُونِ كَهُمَزَةٍ وَمَا بَعْدَهُ . قَالَ ابْنُ التِّينِ : ضَبَطْنَا الصَّرَعَةَ بِفَتْحِ الرَّاءِ ، وَقَرَأَهُ بَعْضُهُمْ بِسُكُونِهَا وَلَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّهُ عَكْسُ الْمَطْلُوبِ ، قَالَ : وَضُبِطَ أَيْضًا فِي بَعْضِ الْكُتُبِ بِفَتْحِ الصَّادِ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ . وَفِي مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا : مَا تَعُدُّونَ الصَّرْعَةَ فِيكُمْ ؟ قَالُوا : الَّذِي لَا تَصْرَعُهُ الرِّجَالُ وَعِنْدَ الْبَزَّارِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ أَنَسٍ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِقَوْمٍ يَصْطَرِعُونَ فَقَالَ : مَا هَذَا ؟ فَقَالُوا : فُلَانٌ مَا يُصَارِعُ أَحَدًا إِلَّا صَرَعَهُ ، قَالَ : أَفَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ ؟ رَجُلٌ كَلَّمَهُ رَجُلٌ وَكَظَمَ غَيْظَهُ فَغَلَبَهُ وَغَلَبَ شَيْطَانَهُ وَغَلَبَ شَيْطَانُهُ صَاحِبَهُ وَعِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ مَرْفُوعًا : لَيْسَ الشَّدِيدُ مَنْ غَلَبَ النَّاسَ إِنَّمَا الشَّدِيدُ مَنْ غَلَبَ نَفْسَهُ وَحَدِيثُ الْبَابِ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَمُسْلِمٌ ، عَنْ يَحْيَى ، وَعَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ حَمَّادٍ ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ مَالِكٍ بِهِ .