باب مَا جَاءَ فِي الْمُهَاجَرَةِ
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مُسْلِمٍ عَبْدِ اللَّهِ الْخُرَاسَانِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تَصَافَحُوا يَذْهَبْ الْغِلُّ ، وَتَهَادَوْا تَحَابُّوا وَتَذْهَبْ الشَّحْنَاءُ . 1685 1635 - ( مَالِكٌ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مُسْلِمٍ عَبْدِ اللَّهِ ) وَقِيلَ : مَيْسَرَةُ ( الْخُرَاسَانِيِّ ) ابْنِ عُثْمَانَ صَدُوقٌ لَكِنَّهُ يَهِمُ وَيُرْسِلُ وَيُدَلِّسُ ، مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ ، رَوَى لَهُ مُسْلِمٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ ، وَحَسْبُكَ بِرِوَايَةِ مَالِكٍ عَنْهُ ( قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تَصَافَحُوا ) مُفَاعَلَةٌ مِنَ الصَّفْحِ وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا الْإِفْضَاءُ بِصَفْحَةِ الْيَدِ إِلَى صَفْحَةِ الْيَدِ ، قَالَهُ الْحَافِظُ . وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ : الْمُصَافَحَةُ الْأَخْذُ بِالْيَدِ ، وَفِي الْمَشَارِقِ : الْمُصَافَحَةُ بِالْأَيْدِي عِنْدَ السَّلَامِ وَاللِّقَاءِ وَهِيَ ضَرْبُ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ ( يَذْهَبِ ) بِكَسْرِ الْبَاءِ مَجْزُومٌ فِي جَوَابِ الْأَمْرِ حُرِّكَ بِالْكَسْرِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ وَبِالرَّفْعِ ، أَيْ : فَبِهِ يَذْهَبُ ( الْغِلُّ ) بِكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ أَيِ الْحِقْدُ وَالضَّغَانَةُ ، قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : رَوَاهُ مَالِكٌ هَكَذَا مُعْضَلًا ، وَقَدْ أُسْنِدَ مِنْ طُرُقٍ فِيهَا مَقَالٌ يُشِيرُ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : تَصَافَحُوا يَذْهَبِ الْغِلُّ مِنْ قُلُوبِكُمْ وَإِلَى مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ عَسَاكِرٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا : تَهَادَوْا تَحَابُّوا وَتَصَافَحُوا يَذْهَبِ الْغِلُّ عَنْكُمْ فَقَوْلُ السُّيُوطِيِّ : فِي الْمُصَافَحَةِ أَحَادِيثُ مَوْصُولَةٌ بِغَيْرِ هَذَا اللَّفْظِ عَجِيبٌ مَعَ أَنَّهُ نَفْسَهُ ذَكَرَهُ فِي جَامِعِهِ .
وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ : حَدِيثُ مَالِكٍ جَيِّدٌ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَذَا يَتَّصِلُ مِنْ وُجُوهٍ شَتًّى حِسَانٍ كُلِّهَا ، ثُمَّ ذَكَرَهُ بِأَسَانِيدِهِ جُمْلَةً مِنْهَا فِي الْمُصَافَحَةِ بِغَيْرِ هَذَا اللَّفْظِ ، فَكَأَنَّ السُّيُوطِيَّ اغْتَرَّ بِهِ وَغَفَلَ عَمَّا فِي جَامِعِهِ وَالْكَمَالُ لِلَّهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : رَوَى ابْنُ وَهْبٍ وَغَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ كَرَاهَةَ الْمُصَافَحَةِ وَالْمُعَانَقَةِ وَبِهِ قَالَ سَحْنُونٌ وَغَيْرُهُ .
وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ خِلَافُهُ وَهُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ مَعْنَى مَا فِي الْمُوَّطَأِ وَعَلَى جَوَازِهِ جَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ سَلَفًا وَخَلَفًا ، وَفِيهِ آثَارٌ حِسَانٌ ، ( وَتَهَادَوْا ) بِفَتْحِ الدَّالِ وَإِسْكَانِ الْوَاوِ تَحَابُّوا ، قَالَ الْحَافِظُ لِلْحَاكِمِ : إِنْ كَانَ بِالتَّشْدِيدِ فَمِنَ الْمَحَبَّةِ وَإِنْ كَانَ بِالتَّخْفِيفِ فَمِنَ الْمُحَابَاةِ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْهَدِيَّةَ خُلُقٌ مِنْ أَخْلَاقِ الْإِسْلَامِ دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَحَثَّ عَلَيْهِ خُلَفَاؤُهُمُ الْأَوْلِيَاءُ تُؤَلِّفُ الْقُلُوبَ وَتَنْفِي سَخَائِمِ الصُّدُورِ ، وَقَبُولُ الْهَدِيَّةِ سُنَّةٌ لَكِنَّ الْأَوْلَى تَرْكُ مَا فِيهِ مِنَّةٌ . وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَأَبُو يَعْلَى ، وَالنَّسَائِيُّ فِي الْكُنَى وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تَهَادَوْا ( تَحَابُّوا وَتَذْهَبِ الشَّحْنَاءُ ) بِشِينٍ مُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَحَاءٍ مُهْمَلَةٍ سَاكِنَةٍ وَنُونٍ وَالْمَدِّ ، الْعَدَاوَةُ ؛ لِأَنَّ الْهَدِيَّةَ جَالِبَةٌ لِلرِّضَا وَالْمَوَدَّةِ فَتُذْهِبُ الْعَدَاوَةَ . وَلِأَحْمَدَ وَالتِّرْمِذِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا : تَهَادَوْا فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ بِوَاوٍ فَمُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَتَيْنِ فِرَاءٍ ، أَيْ : غِلَّهُ وَغِشَّهُ وَحِقْدَهُ .
وَلِلْبَيْهَقِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ ، وَابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ : تَهَادَوْا فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تُذْهِبُ بِالسَّخِيمَةِ قَالَ يُونُسُ بْنُ زَيْدٍ : هِيَ الْغِلُّ . وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : تَهَادَوْا فَإِنَّهُ يُضَعِّفُ الْوُدَّ وَيُذْهِبُ بِغَوَائِلِ الصَّدْرِ وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بَحْرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بِهِ ، وَقَالَ : تَفَرَّدَ بِهِ مُحَمَّدٌ عَنْ أَبِيهِ وَلَمْ يَكُنْ بِالرَّضِيِّ وَلَا يَصِحُّ عَنْ مَالِكٍ وَلَا عَنِ الزُّهْرِيِّ . انْتَهَى .
لَكِنَّ لَهُ شَوَاهِدَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْكَبِيرِ عَنْ أُمِّ حَكِيمٍ بِنْتِ وَدَّاعٍ الْخُزَاعِيَّةِ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ : فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تُضَعِّفُ الْحُبَّ وَالْبَاقِي سَوَاءٌ وَتُضَعِّفُ بِالتَّثْقِيلِ ، أَيْ : تُزِيدُهُ وَقَدْ أَحْسَنَ الْقَائِلُ : هَدَايَا النَّاسِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ تُوَلِّدُ فِي قُلُوبِهِمُ الْوِصَالَا وَتَزْرَعُ فِي الضَّمِيرِ هَوًى وَوُدًّا وَتَكْسُوهُمْ إِذَا حَضَرُوا جَمَالَا وَقَالَ آخَرُ : إِنَّ الْهَدَايَا لَهَا حِفْظٌ إِذَا وَرَدَتْ أَحْظَى مِنَ الِابْنِ عِنْدَ الْوَالِدِ الْحَدْبُ وَأَخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُصْعَبٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ : اجْتَمَعَ عَلِيٌّ ، وَأَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ فَتَمَارَوْا فِي أَشْيَاءَ فَقَالَ عَلِيٌّ : انْطَلِقُوا بِنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَسْأَلْهُ ، فَلَمَّا وَقَفُوا عَلَيْهِ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ جِئْنَا نَسْأَلُكَ ، قَالَ : إِنْ شِئْتُمْ سَلُونِي ، وَإِنْ شِئْتُمْ أَخْبَرْتُكُمْ بِمَا جِئْتُمْ لَهُ ، قَالُوا : أَخْبِرْنَا ، قَالَ : جِئْتُمْ تَسْأَلُونِي عَنِ الصَّنِيعَةِ لِمَنْ تَكُونُ ؟ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ إِلَّا لِذِي حَسَبٍ أَوْ دِينٍ ، وَجِئْتُمْ تَسْأَلُونِي عَنِ الرِّزْقِ يَجْلِبُهُ اللَّهُ عَلَى الْعَبْدِ فَاسْتَنْزِلُوهُ بِالصَّدَقَةِ ، وَجِئْتُمْ تَسْأَلُونِي عَنْ جِهَادِ الضَّعِيفِ ، وَجِهَادُ الضَّعِيفِ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ ، وَجِئْتُمْ تَسْأَلُونِي عَنْ جِهَادِ الْمَرْأَةِ ، وَجِهَادُ الْمَرْأَةِ حُسْنُ التَّبَعُّلِ لِزَوْجِهَا ، وَجِئْتُمْ تَسْأَلُونِي عَنِ الرِّزْقِ مِنْ أَيْنَ أَتَى وَكَيْفَ يَأْتِي ؟ أَبَى اللَّهُ أَنْ يَرْزُقَ عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ إِلَّا مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ قَالَ أَبُو عُمَرَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ لَكِنَّهُ مُنْكَرٌ عَنْ مَالِكٍ عِنْدَهُمْ وَلَا يَصِحُّ عَنْهُ وَلَا لَهُ أَصْلٌ فِي حَدِيثِهِ . انْتَهَى . وَلَعَلَّ مُرَادَهُ أَنَّ مَتْنَهُ حَسَنٌ وَإِنْ كَانَ سَنَدُهُ الْمَذْكُورُ لَا يَصِحُّ عَنْ مَالِكٍ وَإِلَّا فَالْجَمْعُ بَيْنَ حَسَنٍ وَبَيْنَ مُنْكَرٍ لَا يَصِحُّ تَنَافٍ ، أَوْ مُرَادُهُ حُسْنُ اللَّفْظِ وَهُوَ بَعِيدٌ .