باب مَا جَاءَ فِي الْمُهَاجَرَةِ
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ مُسْلِمٍ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا ، إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ فَيُقَالُ : أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا ، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا . 1686 1636 - ( مَالِكٌ ، عَنْ سُهَيْلِ ) بِضَمِّ السِّينِ مُصَغَّرٌ ( ابْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ ) ذَكْوَانَ السَّمَّانِ ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ ) يُحْتَمَلُ حَقِيقَةً لِأَنَّ الْجَنَّةَ مَغْلُوقَةٌ وَفَتْحُ أَبْوَابِهَا مُمْكِنٌ وَيَكُونُ دَلِيلًا عَلَى الْمَغْفِرَةِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كِنَايَةٌ عَنْ مَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ الْعَظِيمَةِ وَكَتْبِ الدَّرَجَاتِ الرَّفِيعَةِ ، قَالَهُ الْبَاجِيُّ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : الْفَتْحُ حَقِيقَةٌ وَلَا ضَرُورَةَ تَدْعُو إِلَى التَّأْوِيلِ وَيَكُونُ فَتْحُهَا تَأَهُّبًا مِنَ الْخَزَنَةِ لِمَنْ يَمُوتُ يَوْمَئِذٍ مِمَّنْ غَفَرَ لَهُ أَوْ يَكُونُ عَلَامَةً لِلْمَلَائِكَةِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَغْفِرُ فِي ذَيْنِكَ الْيَوْمَيْنِ ( يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ ) فِيهِ فَضَّلَهُمَا عَلَى غَيْرِهِمَا مِنَ الْأَيَّامِ وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُهُمَا وَيَنْدُبُ أُمَّتَهُ إِلَى صِيَامِهِمَا وَكَانَ يَتَحَرَّاهُمَا بِالصِّيَامِ ، وَأَظُنُّ هَذَا الْخَبَرَ إِنَّمَا تَوَجَّهَ إِلَى طَائِفَةٍ كَانَتْ تَصُومُهُمَا تَأْكِيدًا عَلَى لُزُومِ ذَلِكَ كَذَا قَالَ أَبُو عُمَرَ .
وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ عَنْ أُسَامَةَ قَالَ : كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : إِنَّ أَعْمَالَ الْعِبَادِ تُعْرَضُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ ( فَيُغْفَرُ ) فِيهِمَا ( لِكُلِّ عَبْدٍ مُسْلِمٍ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا ) ذُنُوبُهُ الصَّغَائِرُ بِغَيْرِ وَسِيلَةِ طَاعَةٍ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : لِحَدِيثِ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُمَا مَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ ( إِلَّا رَجُلًا ) بالنصب لِأَنَّهَا اسْتِثْنَاءٌ مِنْ كَلَامٍ مُوجَبٍ وَهُوَ الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ وَرُوِيَ بِالرَّفْعِ ، قَالَهُ التُّورِبِشْتِيُّ ، قَالَ الطِّيبِيُّ : وَعَلَى الرَّفْعِ الْكَلَامُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَعْنَى ، أَيْ : لَا يَبْقَى ذَنْبُ أَحَدٍ إِلَّا ذَنْبَ رَجُلٍ وَهُوَ وَصْفٌ طَرْدِيٌّ وَالْمُرَادُ إِنْسَانٌ ( كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمَدِّ ، أَيْ : عَدَاوَةٌ ( فَيُقَالُ : أَنْظِرُوا ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ النُّونِ وَكَسْرِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ ، قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ : يَعْنِي يَقُولُ اللَّهُ لِلْمَلَائِكَةِ النَّازِلَةِ بِهَدَايَا الْمَغْفِرَةِ أَخِّرُوا وَأَمْهِلُوا ( هَذَيْنِ ) أَتَى بِاسْمِ الْإِشَارَةِ بَدَلَ الضَّمِيرِ لِمَزِيدِ التَّنْفِيرِ ، وَالتَّعْبِيرُ يَعْنِي لَا تُعْطُوا مِنْهَا أَنْصِبَاءَ رَجُلَيْنِ بَيْنَهُمَا عَدَاوَةٌ ( حَتَّى ) تَرْتَفِعَ وَ ( يَصْطَلِحَا ) وَلَوْ بِمُرَاسَلَةٍ عِنْدَ الْبُعْدِ . وَقَالَ الطِّيبِيُّ : لَا بُدَّ هُنَا مِنْ تَقْدِيرِ مَنْ يُخَاطَبُ بِقَوْلِهِ : أَنْظِرُوا كَأَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا غَفَرَ لِلنَّاسِ سِوَاهُمَا قِيلَ ( أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا ) وَكَرَّرَ لِلتَّأْكِيدِ .
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : الْمَقْصُودُ مِنَ الْحَدِيثِ التَّحْذِيرُ مِنَ الْإِصْرَارِ عَلَى الْعَدَاوَةِ وَإِدَامَةِ الْهَجْرِ ، قَالَ ابْنُ رَسْلَانَ : وَيَظْهَرُ أَنَّهُ لَوْ صَالَحَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فَلَمْ يَقْبَلْ غُفِرَ لِلْمُصَالِحِ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : إِذَا كَانَ الْهَجْرُ لِلَّهِ فَلَيْسَ مِنْ هَذَا فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَجَرَ بَعْضَ نِسَائِهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ، وَابْنَ عُمَرَ هَجَرَ ابْنًا لَهُ حَتَّى مَاتَ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِيهِ أَنَّ الشَّحْنَاءَ مِنَ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ وَإِنْ لَمْ تُذْكَرْ فِي الْكَبَائِرِ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ اسْتَثْنَى غُفْرَانَهَا وَخَصَّهَا بِذَلِكَ ؟ وَأَنَّ ذُنُوبَ الْعِبَادِ إِذَا وَقَعَ بَيْنَهُمُ الْمَغْفِرَةُ وَالتَّجَاوُزُ سَقَطَتِ الْمُطَالَبَةُ بِهَا مِنَ اللَّهِ لِقَوْلِهِ : حَتَّى يَصْطَلِحَا فَإِذَا اصْطَلَحَا غَفَرَ لَهُمَا ذَلِكَ وَغَيْرَهُ مِنْ صَغَائِرِ ذُنُوبِهِمَا انْتَهَى .
وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ ، عَنْ سُهَيْلٍ لَكِنْ قَالَ : إِلَّا الْمُتَهَاجِرَيْنِ بِالتَّثْنِيَةِ أَوِ الْجَمْعِ كَمَا فِي مُسْلِمٍ أَيْضًا . وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ وَلَمْ يُخْرِجْهُ الْبُخَارِيُّ وَوَهِمَ مَنْ عَزَاهُ لَهُ .