باب مَا جَاءَ فِي الْمُهَاجَرَةِ
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ : تُعْرَضُ أَعْمَالُ النَّاسِ كُلَّ جُمُعَةٍ مَرَّتَيْنِ : يَوْمَ الْاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ ، إِلَّا عَبْدًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ فَيُقَالُ : اتْرُكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَفِيئَا أَوِ ارْكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَفِيئَا . 1687 1637 - ( مَالِكٌ ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ ) وَاسْمُهُ يَسَارٌ الْمَدَنِيُّ مَوْلَى الْأَنْصَارِ تَابِعِيُّ صَغِيرٌ ثِقَةٌ ( عَنْ أَبِي صَالِحٍ ) ذَكْوَانَ ( السِّمَّانِ ) بَائِعِ السَّمْنِ ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ كَذَا وَقَفَهُ يَحْيَى وَجُمْهُورُ الرُّوَاةِ ، وَمِثْلُهُ لَا يُقَالُ بِالرَّأْيِ ، فَهُوَ تَوْقِيفٌ بِلَا شَكٍّ ، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ وَهُوَ أَجَلُّ أَصْحَابِهِ فَصَرَّحَ بِرَفْعِهِ ، فَقَالَ : عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( تُعْرَضُ أَعْمَالُ النَّاسِ ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ أُرِيدَ الْمُكَلَّفِينَ مِنْهُمْ بِقَرِينَةِ تَرْتِيبِهِ الْمَغْفِرَةَ عَلَى الْعَرْضِ وَغَيْرُ الْمُكَلَّفِ لَا ذَنْبَ لَهُ يُغْفَرُ ( كُلَّ جُمُعَةٍ مَرَّتَيْنِ ) قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ : أَرَادَ بِالْجُمُعَةِ الْأُسْبُوعَ فَعَبَّرَ عَنِ الشَّيْءِ بِآخِرِهِ وَمَا يَتِمُّ بِهِ وَيُوجَدُ عِنْدَهُ وَالْمَعْرُوضُ عَلَيْهِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى أَوْ مَلَكٌ يُوَكِّلُهُ اللَّهُ عَلَى جَمِيعِ صُحُفِ الْأَعْمَالِ وَضَبْطِهَا انْتَهَى . وَصَرَّحَ فِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ أُسَامَةَ بِأَنَّ الْعَرْضَ عَلَى اللَّهِ .
وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْجُمُعَةِ يَوْمَهَا لِمُنَافَاتِهِ لِقَوْلِهِ : ( يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ ) وَقَالَ النَّوَوِيُّ : هَذَا الْعَرْضُ قَدْ يَكُونُ بِنَقْلِ الْأَعْمَالِ مِنْ صَحَائِفِ الْحَفَظَةِ إِلَى مَحَلٍّ آخَرَ ، وَلَعَلَّهُ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ كَمَا قَالَ تَعَالَى : إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [ سُورَةُ الْجَاثِيَةِ : الْآيَةُ 29 ] قَالَ الْحَسَنُ : الْخَزَنَةُ تَسْتَنْسِخُ مِنَ الْحَفَظَةِ وَقَدْ يَكُونُ الْعَرْضُ فِي هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ لِيُبَاهِيَ سُبْحَانَهُ بِصَالِحِ أَعْمَالِ بَنِي آدَمَ الْمَلَائِكَةَ كَمَا يُبَاهِيهِمْ بِأَهْلِ عَرَفَةَ ، وَقَدْ يَكُونُ لِتَعْلَمَ الْمَلَائِكَةُ الْمَقْبُولَ مِنَ الْأَعْمَالِ مِنَ الْمَرْدُودِ كَمَا جَاءَ : إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَصْعَدُ بِصَحَائِفِ الْأَعْمَالِ لِتَعْرِضَهَا عَلَى اللَّهِ فَيَقُولُ : ضَعُوا هَذَا وَاقْبَلُوا هَذَا فَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ : وَعِزَّتِكَ مَا عَلِمْنَا إِلَّا خَيْرًا ، فَيَقُولُ : إِنَّهُ كَانَ لِغَيْرِي وَلَا أَقْبَلُ مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا مَا ابْتُغِيَ بِهِ وَجِهِي ( فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدِ مُؤْمِنٍ ) ذُنُوبَهُ الْمَعْرُوضَةَ عَلَيْهِ ( إِلَّا عَبْدًا ) بِالنَّصْبِ لِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ كَلَامٍ مُوجَبٍ ، وَفِي رِوَايَةٍ عَبْدٌ بِالرَّفْعِ وَتَقْدِيرُهُ فَلَا يُحْرَمُ أَحَدٌ مِنَ الْغُفْرَانِ إِلَّا عَبْدٌ ، وَمِنْهُ : فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلٌ بِالرَّفْعِ ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ . ( كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ فَيُقَالُ : اتْرُكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَفِيئَا ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْفَاءِ ، أَيْ : يَرْجِعَا عَمَّا هُمَا عَلَيْهِ مِنَ التَّقَاطُعِ وَالتَّبَاغُضِ إِلَى الصُّلْحِ ، وَأَتَى بِاسْمِ الْإِشَارَةِ بَدَلَ الضَّمِيرِ لِمَزِيدِ التَّعْيِيرِ وَالتَّنْفِيرِ ( أَوْ ) قَالَ ( أَرْكُوا ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَضَمِّ الْكَافِ ، أَيْ : أَخِّرُوا ( هَذَيْنِ حَتَّى يَفِيئَا ) شَكَّ الرَّاوِي ، يُقَالُ : أَرْكَيْتُ الشَّيْءَ أَخَّرْتُهُ ، وَلَا يُعَارِضُ هَذَا الْحَدِيثُ مَا صَحَّ مَرْفُوعًا : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ ، قَالَ الْوَالِيُّ الْعِرَاقِيُّ : لِاحْتِمَالِ عَرْضِ الْأَعْمَالِ عَلَيْهِ تَعَالَى كُلَّ يَوْمٍ ، ثُمَّ تُعْرَضُ عَلَيْهِ كُلَّ اثْنَيْنِ وَخَمِيسٍ ، ثُمَّ تُعْرَضُ عَلَيْهِ أَعْمَالُ السَّنَةِ فِي شَعْبَانَ فَتُعْرَضُ عَرْضًا بَعْدَ عَرْضٍ ، وَلِكُلِّ عَرْضٍ حِكْمَةٌ يَسْتَأْثِرُ بِهَا ، مَعَ أَنَّهُ لَا تَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ أَعْمَالِهِمْ خَافِيَةٌ أَوْ يطلع عَلَيْهَا مَنْ شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا تُعْرَضُ فِي الْيَوْمِ تَفْصِيلًا وَفِي الْجُمُعَةِ إِجْمَالًا أَوْ عَكْسُهُ . انْتَهَى .
وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ : حَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ ، وَعَمْرُو بْنُ سَوَّارٍ ، قَالَا : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : أَنْبَأَنَا مَالِكٌ فَذَكَرَهُ مَرْفُوعًا بِهِ ، وَتَابَعُهُ سُفْيَانُ ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَيْضًا وَلَمْ يُخْرِجْهُ الْبُخَارِيُّ .