حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
شرح الزرقاني على الموطأ

باب جَامِعِ مَا جَاءَ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْكَعْبِيِّ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ ، جَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ ، وَضِيَافَتُهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ ، فَمَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَثْوِيَ عِنْدَهُ حَتَّى يُحْرِجَهُ . 1728 1678 - ( مَالِكٌ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ ) كَيْسَانَ ( الْمَقْبُرِيِّ ) - بِضَمِّ الْبَاءِ ، وَفَتْحِهَا - الْمَدَنِيِّ - ( عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ ) - بِضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ ، وَآخِرُهُ حَاءٌ مُهْمَلَةٌ - الْخُزَاعِيِّ ، ثُمَّ ( الْكَعْبِيِّ ) نِسْبَةً إِلَى كَعْبِ بْنِ عَمْرٍو بَطْنٍ مِنْ خُزَاعَةَ اسْمُهُ خُوَيْلِدُ بْنُ عَمْرٍو عَلَى الْأَشْهَرِ ، وَقِيلَ : عَمْرُو بْنُ خُوَيْلِدٍ ، وَقِيلَ : هَانِئٌ وَقِيلَ : كَعْبُ بْنُ عَمْرٍو ، وَقِيلَ : عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، أَسْلَمَ قَبْلَ الْفَتْحِ ، وَكَانَ مَعَهُ لِوَاءُ خُزَاعَةَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ نَزَلَ الْمَدِينَةَ ، وَلَهُ أَحَادِيثُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَوَى أَيْضًا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَرَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ ، مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ ، ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ ) ، وَفِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ : سَمِعَتْ أُذُنَايَ ، وَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : ( مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ) الَّذِي خَلَقَهُ إِيمَانًا كَامِلًا ، ( وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) الَّذِي إِلَيْهِ مَعَادُهُ ، وَفِيهِ جَزَاؤُهُ ، فَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى الْمَبْدَأِ وَالْمَعَادِ ، وَعَبَّرَ بِالْمُضَارِعِ هُنَا وَفِيمَا بَعْدَهُ قَصْدًا إِلَى اسْتِمْرَارِ الْإِيمَانِ ، وَتَجَدُّدِهِ بِتَجَدُّدِ أَمْثَالِهِ وَقْتًا فَوَقْتًا ؛ لِأَنَّهُ عَرَضٌ لَا يَبْقَى زَمَانَيْنِ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُضَارِعَ لِكَوْنِهِ فِعْلًا يُفِيدُ التَّجَدُّدَ وَالْحُدُوثَ ، وَهَذَا مِنْ خِطَابِ التَّهْيِيجِ مِنْ قَبِيلِ : وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( سورة الْمَائِدَةِ : الْآيَةُ 23 ) أَيْ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ صِفَةِ الْمُؤْمِنِ ، وَأَنَّ خِلَافَهُ لَا يَلِيقُ بِمَنْ يُؤْمِنُ بِذَلِكَ ، وَلَوْ قِيلَ : لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ لَمْ يَحْصُلْ هَذَا الْغَرَضُ . ( فَلْيُقُلْ خَيْرًا ) يُثَابُ عَلَيْهِ بَعْدَ التَّفَكُّرِ ، فِيمَا يُرِيدُ التَّكَلُّمَ بِهِ ، فَإِذَا ظَهَرَ لَهُ أَنَّهُ خَيْرٌ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَفْسَدَةٌ قَالَهُ .

( أَوْ لِيَصْمُتْ ) - بِضَمِّ الْمِيمِ - أَيْ يَسْكُتْ عَنِ الشَّرِّ فَيَسْلَمْ ؛ لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ : مَنْ صَمَتَ نَجَا ، قَالَهُ عِيَاضٌ ، وَقَدْ ضَبَطَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ - بِضَمِّ الْمِيمِ - وَكَأَنَّهُ الرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ ، وَإِلَّا فَقَدْ قَالَ الطُّوفِيُّ : سَمِعْنَاهُ - بِكَسْرِهَا - وَهُوَ الْقِيَاسُ ؛ لِأَنَّ قِيَاسَ فَعَلَ - بِفَتْحِ الْعَيْنِ - مَاضِيًا يَفْعِلُ - بِكَسْرِهَا - مُضَارِعًا نَحْوَ ضَرَبَ يَضْرِبُ ، وَيَفْعُلُ - بِضَمِّ الْعَيْنِ - فِيهِ دَخِيلٌ كَمَا فِي الْخَصَائِصِ لِابْنِ جِنِّيٍّ ، انْتَهَى . أَيْ يَسْكُتُ عَنْ مَا لَا خَيْرَ فِيهِ ، وَفَوَاتُهُمَا يُنَافِي حَالَ الْمُؤْمِنِينَ ، وَشَرَفَ الْإِيمَانِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَمْنِ ، وَلَا أَمَانَ لِمَنْ فَاتَهُ الْغَنِيمَةُ وَالسَّلَامَةُ . وَفِي رِوَايَةٍ : أَوْ لِيَسْكُتْ ، وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ ، لَكِنَّ الصَّمْتَ أَخَصُّ ؛ لِأَنَّهُ السُّكُوتُ مَعَ الْقُدْرَةِ وَهُوَ الْمَأْمُورُ بِهِ ، أَمَّا السُّكُوتُ مَعَ الْعَجْزِ لِفَسَادِ آلَةِ النُّطْقِ ، فَهُوَ الْخَرَسُ ، أَوْ لِتَوَقُّفِهَا فَهُوَ الْعِيُّ ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : مَعْنَاهُ أَنَّ الْمُصَدِّقَ بِالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ الْمُتَرَتِّبَيْنِ عَلَى الْكَلَامِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ لَا يَخْلُو ، إِمَّا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِمَا يُحَصِّلُ لَهُ ثَوَابًا ، أَوْ خَيْرًا فَيَغْنَمُ ، أَوْ يَسْكُتَ عَنْ شَيْءٍ يَجْلِبُ لَهُ عِقَابًا ، أَوْ شَرًّا فَيَسْلَمُ ، فَـ أَوْ لِلتَّنْوِيعِ وَالتَّقْسِيمِ فَيُسَنُّ لَهُ الصَّمْتُ حَتَّى عَنِ الْمُبَاحِ لِأَدَائِهِ إِلَى مُحَرَّمٍ أَوْ مَكْرُوهٍ ، وَبِفَرْضِ خُلُوِّهِ عَنْ ذَلِكَ فَهُوَ ضَيَاعُ الْوَقْتِ فِيمَا لَا يَعْنِي ، وَمِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ ، قَالَ : وَأَفَادَ الْحَدِيثُ أَنَّ قَوْلَ الْخَيْرِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّمْتِ لِتَقْدِيمِهِ عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا أُمِرَ بِهِ عِنْدَ عَدَمِ قَوْلِ الْخَيْرِ ، وَقَدْ أَكْثَرَ النَّاسُ فِي تَفْصِيلِ آفَاتِ الْكَلَامِ ، وَهِيَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تَدْخُلَ تَحْتَ حَصْرٍ ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ آفَاتِ اللِّسَانِ أَسْرَعُ الْآفَاتِ لِلْإِنْسَانِ وَأَعْظَمُهَا فِي الْهَلَاكِ وَالْخُسْرَانِ ، فَالْأَصْلُ مُلَازَمَةُ الصَّمْتِ حَتَّى تَتَحَقَّقَ السَّلَامَةُ مِنَ الْآفَاتِ وَالْحُصُولُ عَلَى الْخَيْرَاتِ ، فَحِينَئِذٍ تَخْرُجُ تِلْكَ الْكَلِمَةُ مَخْطُومَةً وَبِأَزِمَّةِ التَّقْوَى مَزْمُومَةً ، وَهَذَا مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ كُلُّهُ خَيْرٌ أَوْ شَرٌّ أَوْ آيِلٌ إِلَى أَحَدِهِمَا ، فَدَخَلَ فِي الْخَيْرِ كُلُّ مَطْلُوبٍ مِنْ فَرْضٍ ، وَنَفْلٍ فَأَذِنَ فِيهِ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ ، وَدَخَلَ فِيهِ مَا يَؤُولُ إِلَيْهِ ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِمَّا هُوَ شَرٌّ ، أَوْ يَؤُولُ إِلَيْهِ ، فَأُمِرَ بِالصَّمْتِ عَنْهُ ، فَكُلُّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ حَقَّ الْإِيمَانِ خَافَ وَعِيدَهُ وَرَجَا ثَوَابَهُ ، وَمَنْ آمَنَ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ اسْتَعَدَّ وَاجْتَهَدَ فِي فِعْلِ مَا يَدْفَعُ بِهِ أَهْوَالَهُ ، فَيَأْتَمِرُ بِالْأَوَامِرِ وَيَنْتَهِي عَنِ النَّوَاهِي ، وَيَتَقَرَّبُ لِمَوْلَاهُ بِمَا يُقَرِّبُهُ إِلَيْهِ ، وَيَعْلَمُ أَنَّ مِنْ أَهَمِّ مَا عَلَيْهِ ضَبْطَ جَوَارِحِهِ ، وَمِنْ أَكْثَرِ الْمَعَاصِي عَدَدًا وَأَيْسَرِهَا فِعْلًا مَعَاصِي اللِّسَانِ ، وَقَدِ اسْتَقْرَأَ الْمُحَاسِبُونَ لِأَنْفُسِهِمْ آفَاتِ اللِّسَانِ ، فَزَادَتْ عَلَى الْعِشْرِينَ ، وَأَرْشَدَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى ذَلِكَ جُمْلَةً ، فَقَالَ : وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ فِي النَّارِ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ ، فَمَنْ آمَنَ بِذَلِكَ حَقَّ إِيمَانِهِ اتَّقَى اللَّهَ فِي لِسَانِهِ .

وَقَدْ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَسَلْمَانُ : مَا شَيْءٌ أَحَقُّ بِطُولِ السِّجْنِ مِنَ اللِّسَانِ . ( وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) أَيْ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وُصِفَ بِهِ لِتَأَخُّرِهِ عَنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا ، أَوْ لِأَنَّهُ أَخَّرَ الْحِسَابَ إِلَيْهِ ، أَوْ لِأَنَّهُ لَا لَيْلَ بَعْدَهُ ، وَلَا يُقَالُ يَوْمٌ إِلَّا لِمَا بَعْدَهُ لَيْلٌ ، أَيْ يُصَدِّقُ بِوُجُودِهِ مَعَ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الْأَحْوَالِ وَالْأَهْوَالِ ، وَاكْتَفَى بِهِمَا عَنِ الْإِيمَانِ بِالرُّسُلِ وَالْكُتُبِ وَغَيْرِهِمَا ؛ لِأَنَّ الْإِيمَانَ بِهِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ يَسْتَلْزِمُ الْإِيمَانَ بِنُبُوءَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَسْتَلْزِمُ الْإِيمَانَ بِجَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ . ( فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ ) بِالْبِشْرِ ، وَطَلَاقَةِ الْوَجْهِ وَبَذْلِ النَّدَى وَكَفِّ الْأَذَى ، وَتَحَمُّلِ مَا فَرَطَ مِنْهُ وَنَحْوِ ذَلِكَ .

وَفِي رِوَايَةِ نَافِعٍ ، عَنْ جُبَيْرٍ ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ : فَلْيُحْسِنْ إِلَى جَارِهِ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلشَّيْخَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : فَلَا يُؤْذِي جَارَهُ ، وَقَدْ أَوْصَى اللَّهُ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ فِي الْقُرْآنِ ، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : فَمَنْ كَانَ مَعَ هَذَا التَّأْكِيدِ الشَّدِيدِ مُضِرًّا لِجَارِهِ كَاشِفًا لِعَوْرَاتِهِ ، حَرِيصًا عَلَى إِنْزَالِ الْبَوَائِقِ بِهِ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ دَلِيلًا عَلَى فَسَادِ اعْتِقَادٍ وَنِفَاقٍ ، فَيَكُونُ كَافِرًا ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ ، وَأَمَّا عَلَى امْتِهَانِهِ بِمَا عَظَّمَ اللَّهُ مِنْ حُرْمَةِ الْجَارِ ، وَمِنْ تَأْكِيدِ عَهْدِ الْجِوَارِ فَيَكُونُ فَاسِقًا فِسْقًا عَظِيمًا ، وَمُرْتَكِبَ كَبِيرَةٍ يُخَافُ عَلَيْهِ مِنَ الْإِصْرَارِ عَلَيْهَا أَنْ يُخْتَمَ لَهُ بِالْكُفْرِ ، فَإِنَّ الْمَعَاصِيَ بَرِيدُ الْكُفْرِ ، فَيَكُونُ مِنَ الصِّنْفِ الْأَوَّلِ ، فَإِنْ سَلِمَ مِنْ ذَلِكَ وَمَاتَ بِلَا تَوْبَةٍ ، فَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ ، وَقَدْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُبَالِغُونَ فِي رِعَايَتِهِ وَحِفْظِ حَقِّهِ . حَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ قَالَ : كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ أَبَرَّ مِنْكُمْ بِالْجَارِ ، هَذَا قَائِلُهُمْ قَالَ : نَارِي وَنَارُ الْجَارِ وَاحِدَةٌ وَإِلَيْهِ قَبْلِي يَنْزِلُ الْقَدَرُ مَا ضَرَّ جَارِيَ إِذْ أُجَاوِرُهُ أَنْ لَا يَكُونَ لِبَابِهِ سَتْرُ أَغُضُّ طَرْفِيَ إِذْ مَا جَارَتِي بَرَزَتْ حَتَّى يُوَارِيَ جَارَتِي الْخِدْرُ وَقَالَ آخَرُ : أَغُضُّ طَرْفِي مَا بَدَتْ لِي جَارَتِي حَتَّى يُوَارِيَ جَارَتِي مَأْوَاهَا قَالَ الْحَافِظُ : وَاسْمُ الْجَارِ يَشْمَلُ الْمُسْلِمَ وَالْكَافِرَ وَالْعَابِدَ وَالْفَاسِقَ وَالصَّدِيقَ وَالْعَدُوَّ وَالْغَرِيبَ وَالْبَلَدِيَّ وَالنَّافِعَ وَالضَّارَّ وَالْقَرِيبَ وَالْأَجْنَبِيَّ وَالْأَقْرَبَ دَارًا وَالْأَبْعَدَ ، وَلَهُ مَرَاتِبُ أَعْلَى مِنْ بَعْضٍ ، فَأَعْلَى مَنِ اجْتَمَعَتْ فِيهِ الصِّفَاتُ الْأُوَلُ كُلُّهَا ، ثُمَّ أَكْثَرُهَا وَهَلُمَّ جَرَّا إِلَى الْوَاحِدِ ، وَعَكْسُهُ مَنِ اجْتَمَعَتْ فِيهِ الصِّفَاتُ الْأُخْرَى ، فَيُعْطَى كُلٌّ حَقَّهُ بِحَسَبِ حَالِهِ ، وَقَدْ تَتَعَارَضُ صِفَتَانِ فَتُرَجِّحُ أَوْ تُسَاوِي ، وَقَدْ حَمَلَهُ ابْنُ عُمَرَ عَلَى الْعُمُومِ ، فَأَمَرَ لَمَّا ذُبِحَتْ لَهُ شَاةٌ أَنْ يُهْدَى مِنْهَا لِجَارِهِ الْيَهُودِيِّ ، كَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ ، وَوَرَدَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى مَا ذُكِرَ فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ : الْجِيرَانُ ثَلَاثَةٌ : جَارٌ لَهُ حَقٌّ وَهُوَ الْمُشْرِكُ لَهُ حَقُّ الْجِوَارِ ، وَجَارٌ لَهُ حَقَّانِ ، وَهُوَ الْمُسْلِمُ لَهُ حَقُّ الْجِوَارِ ، وَحَقُّ الْإِسْلَامِ ، وَجَارٌ لَهُ ثَلَاثَةُ حُقُوقٍ وَهُوَ الْمُسْلِمُ لَهُ رَحِمٌ ؛ حَقُّ الْإِسْلَامِ ، وَالْجِوَارِ ، وَالرَّحِمِ ، وَالْأَمْرُ بِالْإِكْرَامِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَالِ ، فَقَدْ يَكُونُ فَرْضَ عَيْنٍ ، وَقَدْ يَكُونُ فَرْضَ كِفَايَةٍ ، وَقَدْ يَكُونُ مَنْدُوبًا ، وَيَجْمَعُ الْجَمِيعَ أَنَّهُ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ . وَجَاءَ تَفْسِيرُ الْإِحْسَانِ وَالْإِكْرَامِ لِلْجَارِ فِي أَخْبَارٍ أُخَرَ مِنْهَا : مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ ، وَالْخَرَائِطِيُّ ، وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ ، قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا حَقُّ جَارِي عَلِيَّ ؟ قَالَ : إِنْ مَرِضَ عُدْتَهُ ، وَإِنْ مَاتَ شَيَّعْتَهُ ، وَإِنِ اسْتَقْرَضَكَ أَقْرَضْتَهُ ، وَإِنَّ أَعْوَزَ سَتَرْتَهُ ، وَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ هَنَّيْتَهُ ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ عَزَّيْتَهُ ، وَلَا تَرْفَعْ بِنَاءَكَ فَوْقَ بِنَائِهِ فَتَسُدَّ عَلَيْهِ الرِّيحَ ، وَلَا تُؤْذِيهِ بِرِيحِ قِدْرِكَ إِلَّا أَنْ تَغْرِفَ لَهُ مِنْهَا ، وَرَوَى الْخَرَائِطِيُّ ، وَالطَّبَرَانِيُّ ، عَنْ مُعَاذٍ : قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا حَقُّ الْجَارِ عَلَى جَارِهِ ؟ قَالَ : إِنِ اسْتَقْرَضَكَ أَقْرَضَتْهُ ، وَإِنِ اسْتَعَانَكَ أَعَنْتَهُ ، وَإِنْ مَرِضَ عُدْتَهُ ، وَإِنِ احْتَاجَ أَعْطَيْتَهُ ، وَإِنِ افْتَقَرَ عُدْتَ عَلَيْهِ ، وَإِذَا أَصَابَهُ خَيْرٌ هَنَّيْتَهُ ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ عَزَّيْتَهُ ، وَإِنْ مَاتَ اتَّبَعَتْ جِنَازَتَهُ ، وَلَا تَسْتَطِيلُ عَلَيْهِ الْبِنَاءَ فَتَحْجُبَ عَنْهُ الرِّيحَ إِلَّا بِإِذْنِهِ ، وَلَا تُؤْذِيهِ بِرِيحِ قِدْرِكَ إِلَّا أَنْ تَغْرِفَ لَهُ مِنْهَا ، وَإِنِ اشْتَرَيْتَ فَاكِهَةً ، فَأَهْدِ لَهُ ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَأَدْخِلْهَا سِرًّا ، وَلَا تُخْرِجْ بِهَا وَلَدَكَ لِيَغِيظَ بِهَا وَلَدَهُ ، وَرَوَاهُ الْخَرَائِطِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ ، وَأَسَانِيدُهُمْ وَاهِيَةٌ ، لَكِنَّ تَعَدُّدَ مَخَارِجِهَا يُشْعِرُ بِأَنَّ لِلْحَدِيثِ أَصْلًا .

قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ : وَإِكْرَامُ الْجَارِ مِنْ كَمَالِ الْإِيمَانِ ، وَالَّذِي يَشْمَلُ جَمِيعَ وُجُوهِ الْإِكْرَامُ إِرَادَةُ الْخَيْرِ لَهُ ، وَمَوْعِظَتُهُ بِالْحُسْنَى ، وَالدُّعَاءُ لَهُ بِالْهِدَايَةِ ، وَتَرْكُ الْإِضْرَارِ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ حِسِّيًّا كَانَ أَوْ مَعْنَوِيًّا ، إِلَّا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَجِبُ فِيهِ الْإِضْرَارُ بِالْقَوْلِ أَوِ الْفِعْلِ ، وَالَّذِي يَخُصُّ الصَّالِحَ هُوَ جَمِيعُ مَا تَقَدَّمَ ، وَغَيْرَ الصَّالِحِ كَفُّهُ عَمَّا يَرْتَكِبُهُ بِالْحُسْنَى عَلَى حَسَبِ مَرَاتِبِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ ، وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ ، وَيَعِظُ الْكَافِرَ بِعَرْضِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ ، وَإِظْهَارِ مَحَاسِنِهِ ، وَالتَّرْغِيبِ فِيهِ بِرِفْقٍ ، وَالْفَاسِقَ بِمَا يَلِيقُ بِهِ بِرِفْقٍ ، فَإِنْ أَفَادَ ، وَإِلَّا هَجَرَهُ قَاصِدًا تَأْدِيبَهُ مَعَ إِعْلَامِهِ بِالسَّبَبِ ، وَهُنَا تَنْبِيهٌ وَهُوَ أَنَّهُ إِذَا أُمِرَ بِإِكْرَامِ الْجَارِ مَعَ الْحَائِلِ بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَبَيْنَهُ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَرْعَى حَقَّ الْحَافِظَيْنِ اللَّذَيْنِ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا جِدَارٌ ، وَلَا حَائِلٌ ، فَلَا يُؤْذِيهِمَا بِأَنْوَاعِ الْمُخَالَفَاتِ فِي مُرُورِ السَّاعَاتِ ، فَقَدْ وَرَدَ أَنَّهُمَا يُسَرَّانِ بِالْحَسَنَاتِ وَيَحْزَنَانِ بِالسَّيِّئَاتِ ، فَيَنْبَغِي إِكْرَامُهُمَا وَرِعَايَةُ جَانِبِهِمَا بِالْإِكْثَارِ مِنْ عَمَلِ الطَّاعَاتِ ، وَالْمُوَاظَبَةِ عَلَى تَجَنُّبِ الْمَعَاصِي ، فَهُمَا أَوْلَى بِالْإِكْرَامِ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الْجِيرَانِ اهـ . وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : حَدُّ الْجِوَارِ فِي رِوَايَةِ بَعْضِهِمْ مَرْفُوعًا ، إِلَى أَرْبَعِينَ دَارًا ، وَلَمْ يَثْبُتْ ، وَعَنَوْا بِهِ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ ، وَهَذَا دَعْوَى لَا بُرْهَانَ عَلَيْهَا ، وَالَّذِي يَتَحَصَّلُ عِنْدَ النَّظَرِ أَنَّ الْجَارَ لَهُ مَرَاتِبٌ : الْأَوَّلُ الْمُلَاصَقَةُ ، وَالثَّانِي الْمُخَالَطَةُ بِأَنْ يَجْمَعَهُمَا مَسْجِدٌ ، أَوْ مَجْلِسٌ ، أَوْ بُيُوتٌ ، وَيَتَأَكَّدُ الْحَقُّ مَعَ الْمُسْلِمِ ، وَيَبْقَى أَصْلُهُ مَعَ الْكَافِرِ وَالْمُسْلِمِ ، وَقَدْ يَكُونُ مَعَ الْعَاصِي بِالتَّسَتُّرِ عَلَيْهِ اهـ . وَقَالَتْ عَائِشَةُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي جَارَيْنِ ، فَإِلَى أَيِّهِمَا أُهْدِي ؟ قَالَ : إِلَى أَقْرَبِهِمَا مِنْكِ بَابًا ، قَالَ الزَّوَاوِيُّ : هَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ إِذَا كَانَ الْمَشْيُ قَلِيلًا فَالْأَقْرَبُ بَابًا أَوْلَى بِهِ ، فَأَمَّا مَعَ السَّعَةِ وَكَثْرَةِ مَا يُهْدَى فَلْيُهْدِ إِلَى غَيْرِ وَاحِدٍ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ .

( وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) إِيمَانًا كَامِلًا ، ( فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ ) بِطَلَاقَةِ الْوَجْهِ وَالْإِتْحَافِ وَالزِّيَادَةِ ( جَائِزَتُهُ ) - بِجِيمٍ ، وَزَايٍ مَنْقُوطَةٍ - أَيْ مِنْحَتُهُ ، وَعَطِيَّتُهُ وَإِتْحَافُهُ بِأَفْضَلَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ ، رُوِيَ بِالرَّفْعِ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ ( يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ ) وَبِالنَّصْبِ مَفْعُولٌ ثَانِي لِيُكْرِمْ ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى يُعْطِي ، أَوْ بِنَزْعِ الْخَافِضِ ، أَيْ بِجَائِزَتِهِ ، وَهِيَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ ، وَبَدَلُ اشْتِمَالٍ ، وَفِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ : فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جَائِزَتَهُ ، قَالُوا : وَمَا جَائِزَتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ ، ( وَضِيَافَتُهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ ) بِالْيَوْمِ الْأَوَّلِ ، أَوْ ثَلَاثَةٌ بَعْدَهُ ، وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ ، لَكِنْ فِي مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ : الضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ ، وَجَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى الْمُغَايَرَةِ ، قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ : مَعْنَى جَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ أَنْ يُتْحِفَهُ ، وَيُكْرِمَهُ بِأَفْضَلِ مَا يَسْتَطِيعُهُ ، وَضِيَافَتُهُ ثَلَاثَةٌ كَأَنَّهُ يُرِيدُ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ كَمَا يَتَكَلَّفُ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ . قَالَ الْبَاجِيُّ : وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الضِّيَافَةَ لِمَنْ أَرَادَ الْجَوَازَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَلِمَنْ أَرَادَ الْمَقَامَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : أَيْ يَتَكَلَّفُ لَهُ يَوْمًا وَلَيْلَةً ، فَيُتْحِفُهُ وَيَزِيدُ فِي الْبِرِّ عَلَى مَا يُحْضِرُهُ فِي سَائِرِ الْأَيَّامِ ، وَفِي الْيَوْمَيْنِ الْآخَرَيْنِ يُقَدِّمُ لَهُ مَا حَضَرَ ، فَإِذَا مَضَتِ الثَّلَاثُ فَقَدْ مَضَى حَقُّهُ .

( فَمَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ ) مِمَّا يُحْضِرُهُ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ ، ( فَهُوَ صَدَقَةٌ ) عَلَيْهِ ، وَفِي التَّعْبِيرِ بِصَدَقَةٍ تَنْفِيرٌ عَنْهُ ؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَا سِيَّمَا الْأَغْنِيَاءُ يَأْنَفُونَ غَالِبًا مِنْ أَكْلِ الصَّدَقَةِ ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا قَدِمَ مَكَّةَ نَزَلَ عَلَى أَصْهَارِهِ ، فَيَأْتِيهِ طَعَامُهُ مِنْ عِنْدِ دَارِ خَالِدِ بْنِ أَسِيدٍ ، فَيَأْكُلُ مِنْ طَعَامِهِمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، ثُمَّ يَقُولُ : احْبِسُوا عَنَّا صَدَقَتَكُمْ ، وَيَقُولُ لِنَافِعٍ : أَنْفِقْ مِنْ عِنْدِكَ الْآنَ ، أَخْرَجَهُ أَبُو عُمَرَ فِي التَّمْهِيدِ . ( وَلَا يَحِلُّ لَهُ ) لِلضَّيْفِ ( أَنْ يَثْوِيَ ) - بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ ، وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ ، وَكَسْرِ الْوَاوِ ، أَيْ يُقِيمَ ( عِنْدَهُ ) عِنْدَ مَنْ أَضَافَهُ ( حَتَّى يُحْرِجَهُ ) - بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ ، وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ ، وَكَسْرِ الرَّاءِ ، وَجِيمٍ - مِنَ الْحَرَجِ ، وَهُوَ الضِّيقُ قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَيْ يُضَيِّقَ عَلَيْهِ . وَقَالَ الْبَاجِيُّ : يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ حَتَّى يُؤَثِّمَهُ ، وَهُوَ أَنْ يَضُرَّ بِهِ مَقَامَهُ ، فَيَقُولَ أَوْ يَفْعَلَ مَا يُؤَثِّمُهُ ، انْتَهَى .

وَلِمُسْلِمٍ : حَتَّى يُؤَثِّمَهُ ، أَيْ يُوقِعَهُ فِي الْإِثْمِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَغْتَابُهُ لِطُولِ إِقَامَتِهِ ، أَوْ يَعْرِضُ لَهُ مَا يُؤْذِيهِ ، أَوْ يَظُنُّ بِهِ ظَنًّا سَيِّئًا ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا ارْتَفَعَ الْحَرَجُ جَازَتِ الْإِقَامَةُ بَعْدَ بأَنْ يَخْتَارَ الْمُضِيفُ إِقَامَةَ الضَّيْفِ ، أَوْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّ الضَّيْفِ أَنَّ الْمُضِيفَ لَا يَكْرَهُ ذَلِكَ ، ثُمَّ الْأَمْرُ بِالْإِكْرَامِ لِلِاسْتِحْبَابِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ لِأَنَّ الضِّيَافَةَ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَمَحَاسِنِ الدِّينِ ، وَخُلُقِ النَّبِيِّينَ لَا وَاجِبَةٌ لِقَوْلِهِ : جَائِزَةُ ، وَالْجَائِزَةُ تَفَضُّلٌ وَإِحْسَانٌ لَا تَجِبُ اتِّفَاقًا ، هَكَذَا اسْتَدَلَّ بِهِ الطَّحَاوِيُّ ، وَابْنُ بَطَّالٍ ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَقَالَ اللَّيْثُ ، وَأَحْمَدُ : تَجِبُ الضِّيَافَةُ لَيْلَةً وَاحِدَةً لِلْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ : لَيْلَةُ الضَّيْفِ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَحَدِيثُ الصَّحِيحِ مَرْفُوعًا : إِنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ فَأَمَرُوا لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ فَاقْبَلُوا ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ الَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ ، وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ عَنْ هَذَيْنِ وَمَا أَشْبَهَهُمَا بِأَنَّ هَذَا كَانَ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ حَتَّى كَانَتِ الْمُوَاسَاةُ وَاجِبَةً ، أَوْ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ لِقِلَّةِ الْأَزْوَادِ ، ثُمَّ نُسِخَ ، وَبِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُضْطَرِّينَ ، فَإِنَّ ضِيَافَتَهُمْ وَاجِبَةٌ مِنْ حَيْثُ الِاضْطِرَارِ ، أَوْ مَخْصُوصٌ بِالْعُمَّالِ الَّذِينَ يَبْعَثُهُمُ الْإِمَامُ لِأَخْذِ الزَّكَاةِ ، أَوِ الْكَلَامُ فِي أَهْلِ الذِّمَّةِ الْمَشْرُوطِ عَلَيْهِمْ ضِيَافَةُ الْمَارَّةِ . وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ : أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِهَا أَهْلُ الْحَضَرِ وَالْبَادِيَةِ . وَعِنْدَ مَالِكٍ ، وَسَحْنُونٍ : إِنَّمَا هِيَ عَلَى أَهْلِ الْبَوَادِي ، لَا عَلَى أَهْلِ الْحَضَرِ لِوُجُودِ الْفَنَادِقِ وَغَيْرِهَا لِلنُّزُولِ فِيهَا ، وَوُجُودِ الطَّعَامِ لِلْبَيْعِ فِيهَا .

قَالَ بَعْضُهُمْ : وَلَا يَحْصُلُ الِامْتِثَالُ إِلَّا بِالْقِيَامِ بِكِفَايَتِهِ ، فَلَوْ أَطْعَمَهُ بَعْضَ كِفَايَتِهِ لَمْ يُكْرِمْهُ لِانْتِفَاءِ جُزْءِ الْإِكْرَامِ ، وَإِذَا انْتَفَى جُزْؤُهُ انْتَفَى كُلُّهُ . وَفِي كِتَابِ الْمُنْتَخَبِ مِنَ الْفِرْدَوْسِ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا : إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ مَعَ الضَّيْفِ ، فَلْيُلْقِمْهُ بِيَدِهِ ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ كُتِبَ لَهُ بِهِ عَمَلُ سَنَةٍ صِيَامُ نَهَارِهَا ، وَقِيَامُ لَيْلِهَا ، وَمِنْ حَدِيثِ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ : مِنْ إِكْرَامِ الضَّيْفِ أَنْ يَضَعَ لَهُ مَا يَغْسِلُ بِهِ حِينَ يَدْخُلُ الْمَنْزِلَ ، وَمِنْ إِكْرَامِهِ أَنْ يُرْكِبَهُ إِذَا انْقَلَبَ إِلَى مَنْزِلِهِ إِنْ كَانَ بَعِيدًا ، وَأَنْ يَجْلِسَ تَحْتَهُ . وَرَوَى ابْنُ شَاهِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِرَفْعِهِ : مَنْ أَطْعَمَ أَخَاهُ لُقْمَةَ حَلْوَةٍ ، لَمْ يَذُقْ مَرَارَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، هَذَا وَمَحَلُّ الِاسْتِحْبَابِ فِيمَنْ وَجَدَ فَاضِلًا عَنْ مَنْ يُمَوِّنُهُ وَإِلَّا فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ .

وَأَمَّا حَدِيثُ الْأَنْصَارِيِّ الَّذِي أَثْنَى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ ، وَعَلَى زَوْجَتِهِ بِإِيثَارِهِمَا الضَّيْفَ عَلَى أَنْفُسِهِمَا وَصِبْيَانِهِمَا حَيْثُ نَوَّمَتْهُمْ أُمُّهُمْ حَتَّى أَكَلَ الضَّيْفُ ، فَأُجِيبَ عَنْ ظَاهِرِهِ مِنْ تَقْدِيمِ الضَّيْفِ عَلَى حَاجَةِ الصِّبْيَانِ بِأَنَّهُمْ لَمْ تَشْتَدَّ حَاجَتُهُمْ لِلْأَكْلِ ، وَإِنَّمَا خَافَ أَبَوَاهُمَا أَنَّ الطَّعَامَ لَوْ قُدِّمَ لِلضَّيْفِ وَهُمْ مُنْتَبِهُونَ لَمْ يَصْبِرُوا عَلَى الْأَكْلِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا جِيَاعًا . وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أُمُورٍ تَجْمَعُ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ الْفِعْلِيَّةَ وَالْقَوْلِيَّةَ ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ كَامِلَ الْإِيمَانِ مُتَّصِفٌ بِالشَّفَقَةِ عَلَى خَلْقِ اللَّهِ قَوْلًا بِالْخَيْرِ ، أَوْ سُكُوتًا عَنِ الشَّرِّ ، أَوْ فِعْلًا لِمَا يَنْفَعُ ، أَوْ تَرْكًا لِمَا يَضُرُّ ، فَلَيْسَ الْمُرَادُ مَا اقْتَضَاهُ ظَاهِرُهُ مِنْ تَوَقُّفِ الْإِيمَانِ عَلَى مَا ذُكِرَ فِيهِ ، بَلِ الْمُرَادُ الْإِيمَانُ الْكَامِلُ كَمَا عُلِمَ ، أَوْ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي اسْتِجْلَابِ هَذِهِ الْأَفْعَالِ كَمَا تَقُولُ لِوَلَدِكَ : إِنْ كُنْتَ ابْنِي فَأَطْعِمْنِي تَحْرِيضًا ، وَتَهْيِيجًا عَلَى الطَّاعَةِ لا أَنَّهُ بِانْتِفَاءِ الطَّاعَةِ تَنْتَفِي وَلَدِيَّتُهُ . وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَإِسْمَاعِيلَ كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ اللَّيْثُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ ، وَعَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ كِلَاهُمَا عَنْ سَعِيدٍ نَحْوَهُ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ نَحْوَهُ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث