حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
شرح الزرقاني على الموطأ

باب جَامِعِ مَا جَاءَ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ إِذْ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ ، فَوَجَدَ بِئْرًا فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ وَخَرَجَ ، فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنْ الْعَطَشِ ، فَقَالَ الرَّجُلُ : لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبَ مِنْ الْعَطَشِ مِثْلُ الَّذِي بَلَغَ مِنِّي ، فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَمَلَأَ خُفَّهُ ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ حَتَّى رَقِيَ ، فَسَقَى الْكَلْبَ ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ ، فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ لَأَجْرًا ؟ فَقَالَ : فِي كُلِّ ذِي كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ . 1729 1679 - ( مَالِكٌ ، عَنْ سُمَيٍّ ) - بِضَمِّ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ ، وَفَتْحِ الْمِيمِ ، وَشَدِّ التَّحْتِيَّةِ - ( مَوْلَى أَبِي بَكْرِ ) بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ ( عَنْ أَبِي صَالِحٍ ) ذَكْوَانَ ( السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : بَيْنَمَا ) - بِمِيمٍ ، وَفِي رِوَايَةٍ بِدُونِهَا - ( رَجُلٌ ) قَالَ الْحَافِظُ : لَمْ يُسَمَّ ( يَمْشِي بِطَرِيقٍ ) وَلِلدَّارَقُطْنِيِّ فِي الْمُوطَّآتِ مِنْ طَرِيقِ رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ ، عَنْ مَالِكٍ : يَمْشِي بِفَلَاةٍ ، وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ : يَمْشِي بِطَرِيقِ مَكَّةَ ، ( إِذِ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ ، فَوَجَدَ بِئْرًا فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ ) مِنْهَا ، ( وَخَرَجَ ) مِنَ الْبِئْرِ ، وَفِي رِوَايَةٍ : ثُمَّ خَرَجَ ، ( فَإِذَا كَلْبٌ ) ، وَفِي رِوَايَةٍ : فَإِذَا هُوَ بِكَلْبٍ ، ( يَلْهَثُ ) - بِفَتْحِ الْهَاءِ ، وَمُثَلَّثَةٍ - أَيْ يَرْتَفِعُ نَفَسُهُ بَيْنَ أَضْلَاعِهِ ، أَوْ يُخْرِجُ لِسَانَهُ مِنَ الْعَطَشِ حَالَ كَوْنِهِ ( يَأْكُلُ الثَّرَى ) - بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ ، وَالْقَصْرِ - التُّرَابَ النَّدِيَّ ( مِنَ الْعَطَشِ ) وَيَجُوزُ أَنَّ يَأْكُلُ خَبَرٌ ثَانٍ ، ( فَقَالَ الرَّجُلُ : لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبَ ) - بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ - ( مِنَ الْعَطَشِ ) الشَّدِيدِ الَّذِي أَصَابَهُ ( مِثْلُ الَّذِي بَلَغَ مِنِّي ) ، وَفِي رِوَايَةٍ بِي ، وَزَادَ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ : فَرَحِمَهُ ، وَ مِثْلُ ضَبَطَهُ الْحَافِظُ وَغَيْرُهُ بِالنَّصْبِ نَعْت لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ ، أَيْ بَلَغَ مَبْلَغًا مِثْلَ الَّذِي بَلَغَ مِنِّي ، قَالَ فِي الْمَصَابِيحِ : وَلَا يَتَعَيَّنُ لِجَوَازِ أَنَّ الْمَحْذُوفَ مَفْعُولٌ بِهِ ، أَيْ عَطَشًا ، وَضَبَطَهُ الْحَافِظُ الدِّمْيَاطِيُّ وَغَيْرُهُ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ فَاعِلٌ يَبْلُغُ ، فَهُمَا رِوَايَتَانِ ، ( فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَمَلَأَ خُفَّهُ ) مَاءً ، ( ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ ) لِيَصْعَدَ مِنَ الْبِئْرِ لِعُسْرِ الرُّقِيِّ مِنْهَا ، ( حَتَّى رَقِيَ ) - بِفَتْحِ الرَّاءِ ، وَكَسْرِ الْقَافِ - كَصَعِدَ وَزَنًا وَمَعْنًى ، وَمُقْتَضَى كَلَامِ ابْنِ التِّينِ أَنَّ الرِّوَايَةَ رَقَى بِفَتْحِ الْقَافِ ، فَإِنَّهُ قَالَ : كَذَا وَقَعَ ، وَصَوَابُهُ : رَقِيَ عَلَى وَزْنِ عَلِمَ ، وَمَعْنَاهُ : صَعِدَ ، قَالَ تَعَالَى : أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ ( سورة الْإِسْرَاءِ : الْآيَةُ 93 ) ، وَأَمَّا رَقَى بِفَتْحِ الْقَافِ ، فَمِنَ الرُّقْيَةِ ، وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ ، وَخَرَّجَهُ عَلَى لُغَةِ طَيٍّ فِي مِثْلِ : بَقَى يَبْقَى وَرَضَى يَرْضَى يَأْتُونَ بِالْفَتْحَةِ مَكَانَ الْكَسْرَةِ ، فَتُقْلَبُ الْيَاءُ أَلِفًا ، وَهَذَا دَأْبُهُمْ فِي كُلِّ مَا هُوَ مِنْ هَذَا الْبَابِ ، انْتَهَى . قَالَ فِي الْمَصَابِيحِ : وَلَعَلَّ الْمُقْتَضِيَ لِإِيثَارِ الْفَتْحِ هُنَا - إِنْ صَحَّ - قَصْدُ الْمُزَاوَجَةِ بَيْنَ رَقَى وَسَقَى ، وَهِيَ مِنْ مَقَاصِدِهِمُ الَّتِي يَعْتَمِدُونَ فِيهَا تَغْيِيرَ الْكَلِمَةِ عَنْ وَضْعِهَا الْأَصْلِيِّ .

( فَسَقَى الْكَلْبَ ) ، زَادَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ : حَتَّى أَرْوَاهُ ، كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ ، أَيْ جَعَلَهُ رَيَّانَ ، ( فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ ) ، أَثْنَى عَلَيْهِ ، أَوْ قَبِلَ عَمَلَهُ ذَلِكَ ، أَوْ أَظْهَرَ مَا جَازَاهُ بِهِ عِنْدَ مَلَائِكَتِهِ . ( فَغَفَرَ لَهُ ) الْفَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ ، أَيْ بِسَبَبِ قَبُولِهِ غَفَرَ لَهُ ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ دِينَارٍ بَدَلَهُ : فَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ ، ( فَقَالُوا ) : أَيِ الصَّحَابَةُ ، وَسُمِّيَ مِنْهُمْ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَابْنِ مَاجَهْ ، وَابْنِ حِبَّانَ ( يَا رَسُولَ اللَّهِ ) الْأَمْرُ كَمَا قُلْتَ ( وَإِنَّ لَنَا فِي ) سَقْيِ ( الْبَهَائِمِ ) أَوْ فِي الْإِحْسَانِ إِلَيْهَا ( لَأَجْرًا ) ثَوَابًا ؟ ( فَقَالَ ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( فِي كُلِّ كَبِدٍ ) - بِفَتْحِ الْكَافِ ، وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ - وَيَجُوزُ سُكُونُهَا ، وَكَسْرُ الْكَافِ ، وَسُكُونُ الْمُوَحَّدَةِ - : رَطْبَةٍ بِرُطُوبَةِ الْحَيَاةِ مِنْ جَمِيعِ الْحَيَوَانِ ، أَوْ لِأَنَّ الرُّطُوبَةَ لَازِمَةٌ لِلْحَيَاةِ فَيَكُونُ كِنَايَةً عَنْهَا ، أَوْ هُوَ مِنْ بَابِ وَصْفِ الشَّيْءِ بِاعْتِبَارِ مَا يَؤُولُ إِلَيْهِ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ : فِي كُلِّ كَبِدٍ حَرَّى لِمَنْ سَقَاهَا حَتَّى تَصِيرَ رَطْبَةً ( أَجْرٌ ) بِالرَّفْعِ ، مُبْتَدَأٌ قُدِّمَ خَبَرُهُ ، أَيْ حَاصِلٌ وَكَائِنٌ فِي إِرْوَاءِ كُلِّ ذِي كَبِدٍ حَيَّةٍ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ فِي سَبَبِيَّةٌ كَقَوْلِكَ : فِي النَّفْسِ الدِّيَةُ ، قَالَ الدَّاوُدِيُّ : الْمَعْنَى : فِي كُلِّ كَبِدٍ حَيٍّ ، وَهُوَ عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْحَيَوَانِ ، قَالَ الْأُبِّيُّ : حَتَّى الْكَافِرُ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى : ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ( سورة الْإِنْسَانِ : الْآيَةُ 8 ) ؛ لِأَنَّ الْأَسِيرَ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْأَغْلَبِ كَافِرا ، انْتَهَى . وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ : هَذَا الْحَدِيثُ كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَأَمَّا الْإِسْلَامُ فَقَدْ أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ ، وَقَوْلُهُ : فِي كُلِّ كَبِدٍ ، مَخْصُوصٌ بِبَعْضِ الْبَهَائِمِ مِمَّا لَا ضَرَرَ فِيهِ ؛ لِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِقَتْلِهِ كَالْخِنْزِيرِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَقْوَى لِيَزْدَادَ ضَرَرُهُ ، وَكَذَا قَالَ النَّوَوِيُّ : عُمُومُهُ مَخْصُوصٌ بِالْحَيَوَانِ الْمُحْتَرَمِ ، وَهُوَ مِمَّا لَمْ يُؤْمَرُ بِقَتْلِهِ فَيَحْصُلُ الثَّوَابُ بِسَقْيِهِ ، وَيَلْتَحِقُ بِهِ إِطْعَامُهُ ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ الْإِحْسَانِ .

وَقَالَ ابْنُ التِّينِ : لَا يَمْنَعُ إِجْرَاؤُهُ عَلَى عُمُومِهِ ، يَعْنِي : فَيَسْقِي ، ثُمَّ يَقْتُلُ لِأَنَّا أُمِرْنَا بِأَنْ نُحْسِنَ الْقِتْلَةَ ، وَنُهِينَا عَنِ الْمُثْلَةِ ، وَفِيهِ جَوَازُ حَفْرِ الْآبَارِ فِي الصَّحْرَاءِ لِانْتِفَاعِ عَطْشَانَ وَغَيْرِهِ بِهَا . فَإِنْ قِيلَ : كَيْفَ سَاغَ مَعَ مَظِنَّةِ الِاسْتِضْرَارِ بِهَا مِنْ سَاقِطٍ بِلَيْلٍ ، أَوْ وُقُوعِ بَهِيمَةٍ ، وَنَحْوِهَا فِيهَا ؟ أُجِيبَ بِأَنَّهُ لَمَّا كَانَتِ الْمَنْفَعَةُ أَكْثَرَ وَمُتَحَقِّقَةً ، وَالِاسْتِضْرَارُ نَادِر ، أَوْ مَظْنُون غَلَبَ الِانْتِفَاعُ ، وَسَقَطَ الضَّمَانُ ، فَكَانَتْ جُبَارًا ، فَلَوْ تَحَقَّقَتِ الضَّرُورَةُ لَمْ يَجُزْ ، وَضَمِنَ الْحَافِرُ ، وَفِيهِ الْحَثُّ عَلَى الْإِحْسَانِ وَأَنَّ سَقْيَ الْمَاءِ مِنْ أَعْظَمِ الْقُرُبَاتِ . وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الشُّرْبِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَفِي الْمَظَالِمِ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ ، وَفِي الْأَدَبِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، وَمُسْلِمٌ فِي الْحَيَوَانِ عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ ، وَأَبُو دَاوُدَ فِي الْجِهَادِ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ ، كُلُّهُمْ عَنْ مَالِكٍ بِهِ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث