حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
شرح الزرقاني على الموطأ

باب جَامِعِ مَا جَاءَ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَوَجَدَ فِيهِ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ، وَعُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، فَسَأَلَهُمَا فَقَالَا : أَخْرَجَنَا الْجُوعُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَأَنَا أَخْرَجَنِي الْجُوعُ ، فَذَهَبُوا إِلَى أَبِي الْهَيْثَمِ بْنِ التَّيِّهَانِ الْأَنْصَارِيِّ ، فَأَمَرَ لَهُمْ بِشَعِيرٍ عِنْدَهُ يُعْمَلُ ، وَقَامَ يَذْبَحُ لَهُمْ شَاةً ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نَكِّبْ عَنْ ذَاتِ الدَّرِّ ، فَذَبَحَ لَهُمْ شَاةً وَاسْتَعْذَبَ لَهُمْ مَاءً ، فَعُلِّقَ فِي نَخْلَةٍ ، ثُمَّ أُتُوا بِذَلِكَ الطَّعَامِ فَأَكَلُوا مِنْهُ وَشَرِبُوا مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَتُسْأَلُنَّ عَنْ نَعِيمِ هَذَا الْيَوْمِ . 1732 1684 - ( مَالِكٌ : أَنَّهُ بَلَغَهُ ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَأَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَالْبَزَّارُ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، وَالْحَاكِمُ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَابْنِ حِبَّانَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَالطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، فِي سِيَاقِهِمُ اخْتِلَافٌ بِالزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ ، ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ الْمَسْجِدَ ) النَّبَوِيَّ ، وَفِي مُسْلِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : خَرَجَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ يَوْمٍ أَوْ لَيْلَةٍ هَكَذَا بِالشَّكِّ . وَفِي التِّرْمِذِيِّ : فِي سَاعَةٍ لَا يَخْرُجُ فِيهَا ، وَلَا يَلْقَاهُ فِيهَا أَحَدٌ .

( فَوَجَدَ فِيهِ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ، وَعُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، فَسَأَلَهُمَا ) فِي مُسْلِمٍ فَقَالَ : مَا أَخْرَجَكُمَا مِنْ بُيُوتِكُمَا هَذِهِ السَّاعَةَ ؟ ( فَقَالَا : أَخْرَجَنَا الْجُوعُ ) ، وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ : فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ ، فَقَالَ : مَا جَاءَ بِكَ يَا أَبَا بَكْرٍ ؟ قَالَ : خَرَجْتُ أَلْقَى رَسُولَ اللَّهِ ، وَأَنْظُرُ فِي وَجْهِهِ ، وَالتَّسْلِيمَ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ جَاءَ عُمَرُ فَقَالَ : مَا جَاءَ بِكَ يَا عُمَرُ ؟ قَالَ : الْجُوعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) زَادَ مُسْلِمٌ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، ( وَأَنَا أَخْرَجَنِي الْجُوعُ ) قَالَهُ تَسْلِيَةً وَإِينَاسًا لَهُمَا لِمَا عَلِمَ مِنْ شِدَّةِ جُوعِهِمَا . وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ : قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَا قَدْ وَجَدْتُ بَعْضَ ذَلِكَ ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ كَانَتْ بَعْدَ فَتْحِ الْفُتُوحِ ؛ لِأَنَّ إِسْلَامَ أَبِي هُرَيْرَةَ كَانَ بَعْدَ فَتْحِ خَيْبَرَ ، فَرِوَايَتُهُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ بَعْدَ فَتْحِهَا ، وَلَا يُنَافِي صَنِيعَهُمْ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَبْذُلُونَ مَا يُسْأَلُونَ ، فَرُبَّمَا يَحْتَاجُونَ ، قَالَهُ النَّوَوِيُّ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ لَعَلَّهُ رَوَى الْحَدِيثَ عَنْ غَيْرِهِ ؛ لِأَنَّهُ تَرَدَّدَ فِي كَوْنِهِ ذَاتَ يَوْمٍ ، أَوْ لَيْلَةٍ ، فَلَوْ كَانَتْ رِوَايَتُهُ عَنْ مُشَاهَدَةٍ مَا تَرَدَّدَ . وَأُجِيبَ بِمَنْعِ أَنَّ الشَّكَّ مِنْهُ لِجَوَازِ أَنَّهُ مِنْ أَحَدِ رِجَالِ الْإِسْنَادِ .

( فَذَهَبُوا إِلَى أَبِي الْهَيْثَمِ ) - بِفَتْحِ الْهَاءِ ، وَالْمُثَلَّثَةِ بَيْنَهُمَا تَحْتِيَّةٌ سَاكِنَةٌ ، ثُمَّ مِيمٌ - مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ ، وَاسْمُهُ مَالِكُ ( ابْنُ التَّيِّهَانِ ) - بِفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ ، وَكَسْرِ التَّحْتِيَّةِ مُشَدَّدَةٌ - يُقَالُ أنه لَقَبٌ وَاسْمُهُ أَيْضًا مَالِكُ بْنُ عَتِيكِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَمِ بْنِ عَامِرِ بْنِ زَعُورَا ( الْأَنْصَارِيُّ ) الْأَوْسِيُّ ، وَزَعُورَا أَخُو عَبْدِ الْأَشْهَلِ شَهِدَ العقبة وبَدْرًا ، وَالْمُشَاهِدَ كُلَّهَا ، مَاتَ سَنَةَ عِشْرِينَ ، أَوْ إِحْدَى وَعِشْرِينَ ، أَوْ قُتِلَ مَعَ عَلِيٍّ بِصِفِّينَ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ ، قَالَ الْوَاقِدِيُّ : لَمْ أَرَ مَنْ يَعْرِفُ ذَلِكَ وَلَا يُثْبِتُهُ ، وَقِيلَ : مَاتَ فِي الْعَهْدِ النَّبَوِيِّ ، قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ قَائِلُهُ . وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ : فَانْطَلَقُوا إِلَى مَنْزِلِ أَبِي الْهَيْثَمِ بْنِ التَّيِّهَانِ الْأَنْصَارِيِّ ، وَكَانَ رَجُلًا كَثِيرَ النَّخْلِ وَالشِّيَاهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ خَدَمٌ ، وَكَذَا عِنْدَ الْبَزَّارِ ، وَأَبِي يَعْلَى ، وَالطَّبَرَانِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَلِلطَّبَرَانِيِّ أَيْضًا ، وَابْنِ عُمَرَ : أَنَّهُ أَبُو الْهَيْثَمِ ، وَلِلطَّبَرَانِيِّ أَيْضًا ، وَابْنِ حِبَّانَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّهُ أَبُو أَيُّوبَ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْقِصَّةَ اتَّفَقَتْ مَرَّةً مَعَ أَبِي الْهَيْثَمِ ، كَمَا صُرِّحَ بِهِ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ ، وَمَرَّةً مَعَ أَبِي أَيُّوبَ ، قَالَهُ الْمُنْذِرِيُّ ، وَوَقَعَ فِي مُسْلِمٍ بِالْإِبْهَامِ قَالَ : فَأَتَى بِهِمَا رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ ، وَذَهَابُهُمْ إِلَيْهِ لَا يُنَافِي كَمَالَ شَرَفِهِمْ ، فَقَدِ اسْتَطْعَمَ قَبْلَهُمْ مُوسَى وَالْخَضِرُ لِإِرَادَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ بِتَسْلِيَةِ الْخَلْقِ بِهِمْ ، وَأَنْ يُسْتَنَّ بِهِمُ السَّنَنَ فَفَعَلُوا ذَلِكَ تَشْرِيعًا لِلْأُمَّةِ . وَهَلْ خَرَجَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَاصِدًا مِنْ أَوَّلِ خُرُوجِهِ إِنْسَانًا مُعَيَّنًا ، أَوْ جَاءَ التَّعْيِينُ بِالِاتِّفَاقِ ؟ احْتِمَالَانِ : قَالَ بَعْضُهُمُ : الْأَصَحُّ أَنَّ أَوَّلَ خَاطِرٍ حَرَّكَهُ لِلْخُرُوجِ ، لَمْ يَكُنْ إِلَى جِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ ؛ لِأَنَّ الْكُمَّلَ لَا يَعْتَمِدُونَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ ، زَادَ فِي مُسْلِمٍ : فَإِذَا هُوَ لَيْسَ فِي بَيْتِهِ ، فَلَمَّا رَأَتْهُ الْمَرْأَةُ قَالَتْ : مَرْحَبًا وَأَهْلًا ، فَقَالَ لَهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَيْنَ فُلَانٌ ؟ وَفِي التِّرْمِذِيِّ : فَقَالُوا : أَيْنَ صَاحِبُكِ ؟ قَالَتْ : ذَهَبَ يَسْتَعْذِبُ لَنَا الْمَاءَ ، فَلَمْ يَلْبَثُوا أَنْ جَاءَ أَبُو الْهَيْثَمِ بِقِرْبَةٍ ، فَوَضَعَهَا ، ثُمَّ جَاءَ يَلْتَزِمُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَفْدِيهِ بِأَبِيهِ وَأُمِّهِ .

وَفِي مُسْلِمٍ : فَنَظَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَاحِبَيْهِ فَقَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ مَا أَجِدُ الْيَوْمَ أَكْرَمَ أَضْيَافًا مِنِّي ، ( فَأَمَرَ لَهُمْ بِشَعِيرٍ عِنْدَهُ يُعْمَلُ ) خَبَزَا ، ( وَقَامَ يَذْبَحُ لَهُمْ شَاةً ) ، وَفِي مُسْلِمٍ : وَأَخَذَ الْمُدْيَةَ ، ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَكِّبْ ) - بِفَتْحِ النُّونِ ، وَكَسْرِ الْكَافِ الثَّقِيلَةِ ، وَمُوَحَّدَةٍ - أَيْ أَعْرِضْ ( عَنْ ذَاتِ الدَّرِّ ) أَيِ اللَّبَنِ . وَفِي مُسْلِمٍ فَقَالَ لَهُ : إِيَّاكَ وَالْحَلُوبَ ، نَهَاهُ عَنْ ذَبْحِهَا شَفَقَةً عَلَى أَهْلِهِ بِانْتِفَاعِهِمْ بِلَبَنِهَا ، مَعَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِغَيْرِهَا ، فَهُوَ نَهْيُ إِرْشَادٍ لَا كَرَاهَةٍ فِي مُخَالَفَتِهِ لِزِيَادَةِ إِكْرَامِ الضَّيْفِ ، لَكِنَّهُ امْتَثَلَ الْأَمْرَ ، ( فَذَبَحَ لَهُمْ شَاةً ) عَنَاقًا ، أَوْ جَدْيًا كَمَا فِي التِّرْمِذِيِّ بِالشَّكِّ ، وَالْعَنَاقُ بِالْفَتْحِ أُنْثَى الْمَعْزِ لَهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ ، وَقِيلَ : مَا لَمْ يُتِمَّ سَنَةً ، وَالْجَدْيُ - بِفَتْحِ الْجِيمِ - : ذَكَرُ الْمَعْزِ لَمْ يَبْلُغْ سَنَةَ . وَفِي التِّرْمِذِيِّ : انْطَلَقَ بِهِمْ إِلَى حَدِيقَةٍ ، فَبَسَطَ لَهُمْ بِسَاطًا ، ثُمَّ انْطَلَقَ إِلَى نَخْلَةٍ ، فَجَاءَ بِقِنْوٍ فِيهِ بُسْرٌ وَتَمْرٌ وَرُطَبٌ ، فَوَضَعَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ، وَقَالَ : كُلُوا ، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَفَلَا تَنَقَّيْتَ لَنَا مَنْ رُطَبِهِ ؟ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَرَدْتُ أَنْ تَخْتَارُوا .

وَفِي رِوَايَةٍ : أَحْبَبْتُ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ تَمْرِهِ ، وَبُسْرِهِ ، وَرُطَبِهِ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ بِمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ الَّذِي تَيَسَّرَ فَوْرًا بِلَا كُلْفَةٍ لَا سِيَّمَا مَعَ تَحَقُّقِهِ حَاجَتَهُمْ ، وَلِأَنَّ فِيهِ أَلْوَانًا ثَلَاثَةً ، وَلِأَنَّ الِابْتِدَاءَ بِمَا يُتَفَكَّهُ بِهِ مِنَ الْحَلَاوَةِ أَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ مُقَوٍّ لِلْمَعِدَةِ لِأَنَّهُ أَسْرَعُ هَضْمًا . ( وَاسْتَعْذَبَ لَهُمْ مَاءً ) أَيْ جَاءَ لَهُمْ بِمَاءٍ عَذْبٍ ، وَكَانَ أَكْثَرُ مِيَاهِ الْمَدِينَةِ مَالِحَةً ، وَفِيهِ حِلُّ اسْتِعْذَابِ الْمَاءِ ، وَأَنَّهُ لَا يُنَافِي الزُّهْدَ .

( فَعُلِّقَ فِي نَخْلَةٍ ) لِيُصِيبَهُ بَرْدُ الْهَوَاءِ ، فَيَصِيرُ عَذْبًا بَارِدًا . ( ثُمَّ أَتَوْا بِذَلِكَ الطَّعَامِ ) خُبْزِ الشَّعِيرِ ، وَالشَّاةِ ، رُوِيَ أَنَّهُ شَوَى نِصْفَهُ ، وَطَبَخَ نِصْفَهُ ، ثُمَّ أَتَاهُمْ بِهِ فَلَمَّا وَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخَذَ مِنَ الْجَدْيِ ، فَوَضَعَهُ فِي رَغِيفٍ ، وَقَالَ لِلْأَنْصَارِيِّ : أَبْلِغْ بِهَذَا فَاطِمَةَ لَمْ تُصِبْ مِثْلَهُ مُنْذُ أَيَّامٍ ، فَذَهَبَ بِهِ إِلَيْهَا ، ( فَأَكَلُوا مِنْهُ وَشَرِبُوا مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ ) الْعَذْبِ الْبَارِدِ ، ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَتُسْأَلُنَّ عَنْ نَعِيمِ هَذَا الْيَوْمِ ) قِيلَ : سُؤَالُ امْتِنَانٍ لَا سُؤَالُ حِسَابٍ . وَقِيلَ : سُؤَالُ حِسَابٍ دُونَ مُنَاقَشَةٍ حَكَاهُمَا الْبَاجِيُّ .

وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ : هَذَا سُؤَالُ تَشْرِيفٍ وَإِنْعَامٍ وَتَعْدِيدِ فَضْلٍ ، لَا سُؤَالُ تَقْرِيعٍ وَتَوْبِيخٍ وَمُحَاسَبَةٍ ، وَالْمُرَادُ أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يُسْأَلُ عَنْ نَعِيمِهِ الَّذِي كَانَ فِيهِ هَلْ نَالَهُ مِنْ حِلِّهِ أَمْ لَا ؟ فَإِذَا خَلَصَ مِنْ ذَلِكَ ، سُئِلَ هَلْ قَامَ بِوَاجِبِ الشُّكْرِ فَاسْتَعَانَ بِهِ عَلَى الطَّاعَةِ أَمْ لَا ؟ فَالْأَوَّلُ سُؤَالٌ عَنْ سَبَبِ اسْتِخْرَاجِهِ ، وَالثَّانِي عَنْ مَحَلِّ صَرْفِهِ . وَفِي مُسْلِمٍ : فَلَمَّا أَنْ شَبِعُوا ، وَرَوَوْا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هَذَا النَّعِيمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمُ الْجُوعُ ، ثُمَّ لَمْ تَرْجِعُوا حَتَّى أَصَابَكُمْ هَذَا النَّعِيمُ . وَفِي التِّرْمِذِيِّ : فَقَالَ هَذَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي تُسْأَلُونَ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؛ ظِلٌّ بَارِدٌ وَرُطَبٌ طِيِّبٌ وَمَاءٌ بَارِدٌ .

وَإِنَّمَا ذَكَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذَا فِي هَذَا الْمَقَامِ إِرْشَادًا لِلْآكِلِينَ وَالشَّارِبِينَ إِلَى حِفْظِ أَنْفُسِهِمْ فِي الشِّبَعِ عَنِ الْغَفْلَةِ ، وَالِاشْتِغَالِ بِالْحَدِيقَةِ وَالتَّنَعُّمِ عَنِ الْآخِرَةِ ، أَوْ هُوَ تَسْلِيَةٌ لِلْحَاضِرِينَ الْمُفْتَقِرِينَ عَنْ فَقْرِهِمْ بِأَنَّهُمْ وَإِنْ حُرِمُوا عَنِ التَّنَزُّهِ ، فَقَدِ اتَّقَوُا السُّؤَالَ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . وَفِي رِوَايَةٍ : فَكَبُرَ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِهِ ، فَقَالَ : إِذَا أَصَبْتُمْ مِثْلَ هَذَا فَصَارَ بِأَيْدِيكُمْ ، فَقُولُوا : بِسْمِ اللَّهِ ، فَإِذَا شَبِعْتُمْ فَقُولُوا : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هُوَ أَشْبَعَنَا ، وَأَنْعَمَ عَلَيْنَا وَأَفْضَلَ ، فَإِنَّ هَذَا كَفَاءُ هَذَا ، فَأَخَذَ عُمَرُ الْعِذْقَ فَضَرَبَ بِهَا الْأَرْضَ حَتَّى تَنَاثَرَ الْبُسْرُ ، ثُمَّ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا لَمَسْئُولُونَ عَنْ هَذَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ : كِسْرَةٍ يَسُدُّ بِهَا الرَّجُلُ جُوعَهُ ، أَوْ ثَوْبٍ يَسْتُرُ بِهَا عَوْرَتَهُ ، أَوْ حُجْرٍ يَدْخُلُ فِيهِ مِنَ الْقُرِّ وَالْحَرِّ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث