بَابُ الْوُضُوءِ مِنْ الْعَيْنِ
وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ أَنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ حَتَّى إِذَا كَانَ بِشِعْبِ الْخَرَّارِ مِنَ الْجُحْفَةِ ، ( فَنَزَعَ جُبَّةً كَانَتْ عَلَيْهِ ، وَعَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ ) بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الْعَنْزِيُّ - بِسُكُونِ النُّونِ - حَلِيفُ الْخَطَّابِ أَسْلَمَ قَدِيمًا ، وَهَاجَرَ ، وَشَهِدَ بَدْرًا ، مَاتَ لَيَالِيَ قَتْلِ عُثْمَانَ ( يَنْظُرُ ) إِلَيْهِ ، ( قَالَ ) أَبُو أُمَامَةَ : ( وَكَانَ سَهْلٌ رَجُلً أَبْيَضَ حَسَنَ ) مَلِيحَ ( الْجِلْدِ قَالَ : فَقَالَ لَهُ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ : مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ عَذْرَاءَ ) أَيْ بِكْرٌ ( قَالَ : فَوُعِكَ سَهْلٌ مَكَانَهُ وَاشْتَدَّ ) قَوِيَ ( وَعْكُهُ ) أَيْ أَلَمُهُ . وَفِي الطَّرِيقِ الثَّانِي : فَلُبِطَ أَيْ صُرِعَ ، فَكَأَنَّهُ صُرِعَ مِنْ شِدَّةِ الْوَعْكِ . ( فَأُتِيَ ) - بِضَمِّ الْهَمْزَةِ - ( رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأُخْبِرَ ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ ( أَنَّ سَهْلًا وُعِكَ وَأَنَّهُ غَيْرُ رَائِحٍ مَعَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ) لِعَدَمِ اسْتِطَاعَتِهِ بِشِدَّةِ الْوَعْكِ .
( فَأَتَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرَهُ سَهْلٌ بِالَّذِي كَانَ مِنْ شَأْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ ) أَيْ نَظَرِهِ إِلَيْهِ وَقَوْلِهِ مَا ذُكِرَ . ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) وَفِي رِوَايَةٍ : فَدَعَا عَامِرًا فَتَغَيَّظَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : ( عَلَامَ ) بِمَعْنَى لِمَ ، وَفِيهِ مَعْنَى الْإِنْكَارِ ( يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ ) فِي الدِّينِ ، زَادَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ : وَهُوَ غَنِيٌّ عَنْ قَتْلِهِ . ( أَلَّا ) بِالْفَتْحِ وَالتَّشْدِيدِ بِمَعْنَى هَلَّا ، وَبِهَا جَاءَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ ( بَرَّكْتَ ) أَيْ قُلْتَ : بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُبْطِلُ الْمَعْنَى الَّذِي يُخَافُ مِنَ الْعَيْنِ ، وَيُذْهِبُ تَأْثِيرَهُ .
قَالَ الْبَاجِيُّ : وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : يَقُولُ : تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ اللَّهُمَّ بَارِكْ فِيهِ ، فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ أَعْجَبَهُ شَيْءٌ أَنْ يُبَارِكَ ، فَإِذَا دَعَا بِالْبَرَكَةِ صُرِفَ الْمَحْذُورُ لَا مَحَالَةَ ، انْتَهَى . وَرَوَى ابْنُ السُّنِّيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ حَكِيمٍ قَالَ : كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا خَافَ أَنْ يُصِيبَ شَيْئًا بِعَيْنِهِ ، قَالَ : اللَّهُمَّ بَارِكْ فِيهِ وَلَا تَضُرَّهُ ، وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ ، وَابْنُ السُّنِّيِّ ، عَنْ أَنَسٍ رَفَعَهُ : مَنْ رَأَى شَيْئًا فَأَعْجَبَهُ فَقَالَ : مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ لَمْ يَضُرَّهُ ، ( إِنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ ) أَيِ الْإِصَابَةُ بِهَا شَيْءٌ ثَابِتٌ فِي الْوُجُودِ مقضي بِهِ فِي الْوَضْعِ الْإِلَهِيِّ لَا شُبْهَةَ فِي تَأْثِيرِهِ فِي النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : هَذَا قَوْلُ عَامَّةِ الْأُمَّةِ وَمَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ ، وَأَنْكَرَهُ قَوْمٌ مُبْتَدِعَةٌ وَهُمْ مَحْجُوجُونَ بِمَا يُشَاهَدُ مِنْهُ فِي الْوُجُودِ ، فَكَمْ مِنْ رَجُلٍ أَدْخَلَتْهُ الْعَيْنُ الْقَبْرَ ، وَكَمْ مِنْ جَمَلٍ أَدْخَلَتْهُ الْقِدْرَ لَكِنْ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ ، وَلَا يُلْتَفَتُ إِلَى مُعْرِضٍ عَنِ الشَّرْعِ وَالْعَقْلِ يَتَمَسَّكُ بِاسْتِبْعَادٍ لَا أَصْلَ لَهُ ، فَإِنَّا نُشَاهِدُ مِنْ خَوَاصِّ الْأَحْجَارِ ، وَتَأْثِيرِ السِّحْرِ مَا يَقْضِي مِنْهُ الْعَجَبَ ، وَيُحَقِّقُ أَنَّ ذَلِكَ فِعْلٌ بِسَبَبِ كُلِّ سَبَبٍ ، انْتَهَى .
( تَوَضَّأَ لَهُ ) الْوُضُوءُ الْمَذْكُورُ فِي الطَّرِيقِ التَّالِيَةِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ بِاغْتَسَلَ ، لَيْسَ عَلَى صِفَةِ غَسْلِ الْأَعْضَاءِ فِي الْوُضُوءِ وَغَيْرِهِ ، كَمَا يَأْتِي بَيَانُهُ ، وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ ، قَالَ الْمَازِرِيُّ : وَالصَّحِيحُ عِنْدِي لِلْوُجُوبِ ، وَيَبْعُدُ الْخِلَافُ فِيهِ إِذَا خَشِيَ عَلَى الْمَعِينِ الْهَلَاكَ ، وَكَانَ وُضُوءُ الْعَائِنِ مِمَّا جَرَتِ الْعَادَةُ بِالْبُرْءِ بِهِ ، أَوْ كَانَ الشَّرْعُ أَخْبَرَ بِهِ خَبَرًا عَامًّا ، وَلَمْ يَكُنْ زَوَالُ الْهَلَاكِ إِلَّا بِوُضُوءِ الْعَائِنِ ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ مِنْ بَابِ مَنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ إِحْيَاءُ نَفْسٍ مُشْرِفَةٍ عَلَى الْهَلَاكِ ، وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى بَذْلِ الطَّعَامِ لِلْمُضْطَرِّ ، فَهَذَا أَوْلَى ، وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَرْتَفِعُ الْخِلَافُ . ( فَتَوَضَّأَ لَهُ عَامِرٌ ) عَلَى الصِّفَةِ الْآتِيَةِ فِي الطَّرِيقِ بَعْدَهُ ، ثُمَّ صَبَّ عَلَى سَهْلٍ ( فَرَاحَ سَهْلٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ ) أَيْ شِدَّةٌ لِزَوَالِ وَعْكِهِ الَّذِي صَرَعَهُ ، وَفِيهِ إِبَاحَةُ النَّظَرِ إِلَى الْمُغْتَسِلِ مَا لَمْ تَكُنْ عَوْرَةٌ ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَقُلْ لِعَامِرٍ : لِمَ نَظَرْتَ إِلَيْهِ ، إِنَّمَا لَامَهُ عَلَى تَرْكِ التَّبْرِيكِ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَقَدْ يَسْتَحِبُّ الْعُلَمَاءُ أَنْ لَا يَنْظُرَ الْإِنْسَانُ إِلَى الْمُغْتَسِلِ خَوْفَ أَنْ يَرَى عَوْرَتَهُ ، وَإِنَّ مِنَ الطَّبْعِ الْبَشَرِيِّ الْإِعْجَابَ بِالشَّيْءِ الْحَسَنِ وَالْحَسَدَ عَلَيْهِ ، وَهَذَا لَا يَمْلِكُهُ الْمَرْءُ مِنْ نَفْسِهِ ، فَلِذَا لَمْ يُعَاتَبْ عَامِرٌ عَلَيْهِ ، بَلْ عَلَى تَرْكِ التَّبْرِيكِ الَّذِي فِي وُسْعِهِ ، وَأَنَّ الْعَيْنَ قَدْ تَقْتُلُ ، وَتَوْبِيخُ مَنْ كَانَ مِنْهُ أَوْ بِسَبَبِهِ سُوءٌ ، وَإِنْ كَانَ النَّاسُ كُلُّهُمْ تَحْتَ الْقَدَرِ السَّابِقِ بِذَلِكَ كَالْقَاتِلِ يَقْتُلُ ، وَإِنْ كَانَ الْمَقْتُولُ يَمُوتُ بِأَجْلِهِ ، وَأَنَّ الْعَيْنَ إِنَّمَا تَعْدُو إِذَا لَمْ يَبِرِّكْ ، فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ أَعْجَبَهُ شَيْءٌ أَنْ يُبَارِكَ ، انْتَهَى مُلَخَّصًا .
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : لَوْ أَتْلَفَ الْعَائِنُ شَيْئًا ضَمِنَهُ ، وَلَوْ قَتَلَ فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ ، أَوِ الدِّيَةُ إِذَا تَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ بِحَيْثُ يَصِيرُ عَادَةً ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ كَالسَّاحِرِ الْقَاتِلِ بِسِحْرِهِ عِنْدَ مَنْ لَا يَقْتُلُهُ كُفْرًا ، وَأَمَّا عِنْدَنَا فَيُقْتَلُ ، قَتَلَ بِسِحْرِهِ أَمْ لَا ؛ لِأَنَّهُ كَالزِّنْدِيقِ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ : لَا يُقْتَلُ الْعَائِنُ وَلَا دِيَةَ ، وَلَا كَفَّارَةَ ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ إِنَّمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى مُنْضَبَطٍ عَامٍّ دُونَ مَا يَخْتَصُّ بِبَعْضِ النَّاسِ ، وَبَعْضِ الْأَحْوَالِ مِمَّا لَا انْضِبَاطَ لَهُ ، كَيْفَ وَلَمْ يَقَعْ مِنْهُ فِعْلٌ أَصْلًا ، وَإِنَّمَا غَايَتُهُ حَسَدٌ وَتَمَنٍّ لِزَوَالِ النِّعْمَةِ ، وَأَيْضًا فَالَّذِي يَنْشَأُ عَنِ الْإِصَابَةِ بِالْعَيْنِ حُصُولُ مَكْرُوهٍ لِذَلِكَ الشَّخْصِ ، وَلَا يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ الْمَكْرُوهُ فِي إِزَالَةِ الْحَيَاةِ ، فَقَدْ يَحْصُلُ لَهُ مَكْرُوهٌ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَثَرِ الْعَيْنِ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَلَا يُعَكِّرُ عَلَيْهِ إِلَّا الْحُكْمُ بِقَتْلِ السَّاحِرِ ، فَإِنَّهُ فِي مَعْنَاهُ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا عَسِرٌ . وَنَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ مَنْعُ الْعَائِنِ إِذَا عُرِفَ بِذَلِكَ مِنْ مُدَاخَلَةِ النَّاسِ ، وَيَأْمُرُهُ بِلُزُومِ بَيْتِهِ ، وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا رَزَقَهُ مَا يَكْفِيهِ وَيَكُفُّ أَذَاهُ عَنِ النَّاسِ ، فَإِنَّ ضَرَرَهُ أَشَدُّ مِنْ ضَرَرِ آكِلِ الثُّومِ وَالْبَصَلِ الَّذِي مَنَعَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دُخُولِ الْمَسْجِدِ لِئَلَّا يُؤْذِيَ الْمُسْلِمِينَ ، وَمِنْ ضَرَرِ الْمَجْذُومِ الَّذِي مَنَعَهُ عُمَرُ وَالْعُلَمَاءُ بَعْدَهُ الِاخْتِلَاطَ بِالنَّاسِ ، وَمِنْ ضَرَرِ الْمُؤْذِيَاتِ مِنَ الْمَوَاشِي الَّذِي يُؤْمَرُ بِإِبْعَادِهَا إِلَى حَيْثُ لَا يَتَأَذَّى بِهَا أَحَدٌ . قَالَ عِيَاضٌ : وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ هَذَا الْقَائِلُ صَحِيحٌ مُتَعَيَّنٌ ، وَلَا يُعْرَفُ عَنْ غَيْرِهِ تَصْرِيحٌ بِخِلَافِهِ .