بَابُ الْوُضُوءِ مِنْ الْعَيْنِ
وَحَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ أَنَّهُ قَالَ : رَأَى عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ يَغْتَسِلُ فَقَالَ : مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ وَلَا جِلْدَ مُخْبَأَةٍ ، فَلُبِطَ سَهْلٌ ، فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَلْ لَكَ فِي سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ ، وَاللَّهِ مَا يَرْفَعُ ، رَأْسَهُ ، فَقَالَ : هَلْ تَتَّهِمُونَ لَهُ أَحَدًا ؟ قَالُوا : نَتَّهِمُ عَامِرَ بْنَ رَبِيعَةَ ، قَالَ : فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامِرًا فَتَغَيَّظَ عَلَيْهِ وَقَالَ : عَلَامَ يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ ؟ أَلَّا بَرَّكْتَ ؟ اغْتَسِلْ لَهُ . فَغَسَلَ عَامِرٌ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَمِرْفَقَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَأَطْرَافَ رِجْلَيْهِ وَدَاخِلَةَ إِزَارِهِ فِي قَدَحٍ ، ثُمَّ صُبَّ عَلَيْهِ فَرَاحَ سَهْلٌ مَعَ النَّاسِ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ . 1747 1698 - ( مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ ، أَنَّهُ قَالَ : رَأَى عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ ، سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ ) ظَاهِرُهُ الْإِرْسَالُ لَكِنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ وَالِدِهِ ، فَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ شَبَابَةٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ عَامِرًا أَمَرَ بِهِ وَهُوَ ( يَغْتَسِلُ ) وَلِأَحْمَدَ وَالنَّسَائِيِّ ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ وَسَارُوا مَعَهُ نَحْوًا مَا حَتَّى إِذَا كَانُوا بِشِعْبِ الْخَرَّارِ مِنَ الْجُحْفَةِ اغْتَسَلَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ ، وَكَانَ أَبْيَضَ حَسَنَ الْجِسْمِ وَالْجِلْدِ ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ ، ( فَقَالَ : مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ وَلَا جِلْدَ مُخَبَّأَةٍ ) - بِضَمِّ الْمِيمِ وَخَاءٍ مُعْجَمَةٍ ، وَمُوَحَّدَةٍ وَالْهَمْزِ - وَهِيَ الْمُخَدَّرَةُ الْمَكْنُونَةُ الَّتِي لَا تَرَاهَا الْعُيُونُ ، وَلَا تَبْرُزُ لِلشَّمْسِ فَتُغَيِّرُهَا ، يَعْنِي أَنَّ جِلْدَ سَهْلٍ كَجِلْدِ الْمُخَبَّأَةِ إِعْجَابًا بِحُسْنِهِ ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ الرُّقَيَّاتِ : ذَكَّرَتْنِي الْمُخَبَّآتُ لَدَى الْحِجْرِ يُنَازِعْنَنِي سُجُوفَ الْحِجَالِ .
وَمَرَّ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ أَبِي أُمَامَةَ : وَلَا جِلْدَ عَذْرَاءَ بَدَلَ مُخَبَّأَةٍ ، فَكَأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ ، فَقَالَ : عَذْرَاءُ مُخَبَّأَةٌ ، فَاقْتَصَرَ كُلُّ رَاءٍ عَلَى مَا سَمِعَهُ مِنْهُ ، أَوْ إِحْدَاهُمَا بِالْمَعْنَى ، لَكِنْ لَا شَكَّ أَنَّ مُخَبَّأَةً أَخَصُّ . ( فَلُبِطَ ) - بِضَمِّ اللَّامِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَطَاءٍ مُهْمَلَةٍ - أَيْ صُرِعَ وَسَقَطَ إِلَى الْأَرْضِ ( بِسَهْلٍ ) يُقَالُ مِنْهُ لُبِطَ بِهِ يَلْبِطُ لَبَطًا . وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : لُبِطَ : وُعِكَ وَكَأَنَّهُ فَسَرَّهُ بِالرِّوَايَةِ السَّابِقَةِ جَمْعًا بَيْنَهُمَا لِاتِّحَادِ الْقِصَّةِ ، وَلَا يَتَعَيَّنُ لِجَوَازِ أَنَّ سُقُوطَهُ مِنْ شِدَّةِ وَعْكِهِ كَمَا قَدَّمْتُهُ ، وَهَذَا أَوْلَى إِبْقَاءُ لِلَّفْظَيْنِ عَلَى حَقِيقَتِهِمَا .
زَادَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ : حَتَّى مَا يَعْقِلَ لِشِدَّةِ الْوَجَعِ ، ( فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقِيلَ لَهُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ لَكَ فِي سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ ، وَاللَّهِ مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ ) مِنْ شِدَّةِ الْوَعْكِ وَالصَّرَعِ ، ( فَقَالَ : هَلْ تَتَّهِمُونَ لَهُ أَحَدًا ؟ ) عَانَهُ ، ( قَالُوا : نَتَّهِمُ عَامِرَ بْنَ رَبِيعَةَ ) ، وَكَأَنَّهُمْ لَمَّا قَالُوا ذَلِكَ ذَهَبَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى سَهْلٍ لِتَثَبُّتِ الْخَبَرِ مِنْهُ ، كَمَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ : فَأَتَاهُ رَسُولُ اللَّهِ فَأَخْبَرَهُ سَهْلٌ ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الطَّرِيقِ السَّابِقَةِ أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ : هَلْ تَتَّهِمُونَ . إِلَخْ ، فَفِي كُلٍّ مِنَ الطَّرِيقَيْنِ اخْتِصَارٌ . ( قَالَ : فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامِرَ بْنَ رَبِيعَةَ فَتَغَيَّظَ عَلَيْهِ ، وَقَالَ : عَلَامَ ) أَيْ لِمَ ( يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ ) أَيْ يَكُونُ سَبَبًا فِي قَتْلِهِ بِالْعَيْنِ ( أَلَّا ) ، وَفِي رِوَايَةٍ : هَلَّا ( بَرَّكْتَ ) أَيْ دَعَوْتَ لَهُ بِالْبَرَكَةِ .
وللنسائي وَابْنِ مَاجَهْ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ : إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مِنْ أَخِيهِ مَا يُعْجِبُهُ ، فَلْيَدْعُ لَهُ بِالْبَرَكَةِ ، وَمِثْلُهُ عِنْدَ ابْنِ السُّنِّيِّ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ ( اغْتَسِلْ لَهُ ) وُجُوبًا ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ حَقِيقَتُهُ الْوُجُوبُ ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَمْنَعَ أَخَاهُ مَا يَنْفَعُهُ ولا يضره لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ بِسَبَبِهِ ، وَكَانَ هُوَ الْجَانِيَ عَلَيْهِ ، فَوَاجِبٌ عَلَى الْعَائِنِ الْغُسْلُ عَنْهُ ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ . ( فَغَسَلَ عَامِرٌ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ ) ، وَفِي رِوَايَةٍ : بَدَلَ هَذَا ، وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ ، ( وَمَرْفِقَيْهِ ) ، زَادَ فِي رِوَايَةٍ : وَغَسَلَ صَدْرَهُ ، ( وَرُكْبَتَيْهِ ، وَأَطْرَافَ رِجْلَيْهِ ، وَدَاخِلَةَ إِزَارِهِ ) هِيَ الْحَقْوُ تُجْعَلُ مِنْ تَحْتِ الْإِزَارِ فِي طَرَفِهِ ، ثُمَّ يُشَدُّ عَلَيْهِ الْإِزْرَةُ ، قَالَهُ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، وَنَحْوُهُ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ : هِيَ الطَّرَفُ الْمُتَدَلِّي الَّذِي يَضَعُهُ الْمُؤْتَزِرُ أَوَّلًا عَلَى حَقْوِهِ الْأَيْمَنِ . وَقَالَ الْأَخْفَشُ : هِيَ الْجَانِبُ الْأَيْسَرُ مِنَ الْإِزَارِ الَّذِي تَعْطِفُهُ إِلَى يَمِينِكَ ، ثُمَّ يُشَدُّ الْإِزَارُ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ .
وَقَالَ الْمَازِرِيُّ : ظَنَّ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ كِنَايَةٌ عَنِ الْفَرْجِ ، وَالْجُمْهُورُ أَنَّهُ الطَّرَفُ الْمُتَدَلِّي الَّذِي يَلِي حَقْوَهُ الْأَيْمَنَ . وَقَالَ عِيَاضٌ : الْمُرَادُ بِدَاخِلَةِ الْإِزَارِ مَا يَلِي الْجَسَدَ مِنَ الْمِئْزَرِ ، وَقِيلَ : مَوْضِعُهُ مِنَ الْجَسَدِ ، وَقِيلَ : مَذَاكِيرُهُ ، كَمَا يُقَالُ : عَفِيفُ الْإِزَارِ أَيِ الْفَرْجِ ، وَقِيلَ : وِرْكُهُ إِذْ هُوَ مَعْقِدُ الْإِزَارِ . ( قَدَحٍ ) زَادَ فِي رِوَايَةٍ ، قَالَ : وَحَسِبْتُهُ قَالَ ، وَأَمَرَ فَحَسَا مِنْهُ حَسَوَاتٍ ، ( ثُمَّ صَبَّ عَلَيْهِ فَرَاحَ سَهْلٌ مَعَ النَّاسِ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ ) لِزَوَالِ عِلَّتِهِ .
قَالَ الزُّهْرِيُّ : هَذَا مِنَ الْعِلْمِ يَغْتَسِلُ الْعَائِنُ فِي قَدَحٍ مِنْ مَاءٍ يُدْخِلُ يَدَهُ فِيهِ ، فَيُمَضْمِضُ وَيَمُجُّهُ فِي الْقَدَحِ ، وَيَغْسِلُ وَجْهَهُ فِيهِ ، ثُمَّ يَصُبُّ بِيَدِهِ الْيُسْرَى عَلَى كَفِّهِ الْيُمْنَى ، ثُمَّ بِالْيُمْنَى عَلَى كَفِّهِ الْيُسْرَى ، ثُمَّ يُدْخِلُ يَدَهُ الْيُسْرَى ، فَيَصُبُّ بِهَا عَلَى مِرْفَقِ يَدِهِ الْيُمْنَى ، ثُمَّ بِيَدِهِ الْيُمْنَى عَلَى مِرْفَقِ يَدِهِ الْيُسْرَى ، ثُمَّ يَغْسِلُ قَدَمَهُ الْيُمْنَى ، ثُمَّ يُدْخِلُ الْيُمْنَى فَيَغْسِلُ قَدَمَهُ الْيُسْرَى ، ثُمَّ يُدْخِلُ يَدَهُ الْيُمْنَى ، فَيَغْسِلُ الرُّكْبَتَيْنِ ، ثُمَّ يَأْخُذُ دَاخِلَةَ إِزَارِهِ فَيَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ صَبَّةً وَاحِدَةً ، وَيَضَعُ الْقَدَحَ حَتَّى يَفْرَغَ ، هَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، وَهُوَ أَحْسَنُ مَا فُسِّرَ بِهِ لِأَنَّ الزُّهْرِيَّ رَاوِي الْحَدِيثِ . وَزَادَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي قَوْلِ الزُّهْرِيِّ هَذَا : يَصُبُّ مِنْ خَلْفِهِ صَبَّةً وَاحِدَةً يَجْرِي عَلَى جَسَدِهِ ، وَلَا يُوضَعُ الْقَدَحُ فِي الْأَرْضِ ، وَيَغْسِلُ أَطْرَافَهُ الْمَذْكُورَةَ كُلَّهَا ، وَدَاخِلَةُ الْإِزَارِ فِي الْقَدَحِ ، قَالَهُ فِي التَّمْهِيدِ . زَادَ فِي الْإِكْمَالِ : أَنَّ الزُّهْرِيَّ أَخْبَرَ أَنَّهُ أَدْرَكَ الْعُلَمَاءَ يَصِفُونَهُ ، وَاسْتَحْسَنَهُ عُلَمَاؤُنَا وَمَضَى بِهِ الْعَمَلُ .
قَالَ : وَجَاءَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ مِنْ رِوَايَةِ عَقِيلٍ مِثْلَهُ إِلَّا أَنَّ فِيهِ الِابْتِدَاءَ بِغَسْلِ الْوَجْهِ قَبْلَ الْمَضْمَضَةِ ، وَفِيهِ غَسْلُ الْقَدَمَيْنِ أَنَّهُ لَا يَغْسِلُ جَمِيعَهُمَا ، وَإِنَّمَا قَالَ : ثُمَّ يَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ فِي طَرَفِ قَدَمِهِ الْيُمْنَى مِنْ عِنْدِ أُصُولِ أَصَابِعِهِ وَالْيُسْرَى كَذَلِكَ اهـ . وَهُوَ أَقْرَبُ لِقَوْلِ الْحَدِيثِ : وَأَطْرَافِ رِجْلَيْهِ ، وَهَذَا الْغَسْلُ يَنْفَعُ بَعْدَ اسْتِحْكَامِ النَّظْرَةِ ، أَمَّا عِنْدَ الْإِصَابَةِ بِهِ ، وَقَبْلَ الِاسْتِحْكَامِ ، فَقَدْ أَرْشَدَ الشَّارِعُ إِلَى دَفْعِهِ بِقَوْلِهِ : أَلَّا بَرَّكْتَ ؟ قَالَ الْمَازِرِيُّ : وَهَذَا الْمَعْنَى مِمَّا لَا يُمْكِنُ تَعْلِيلُهُ ، وَمَعْرِفَةُ وَجْهِهِ مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ ، وَلَيْسَ فِي قُوَّةِ الْعَقْلِ الِاطِّلَاعُ عَلَى أَسْرَارِ جَمِيعِ الْمَعْلُومَاتِ ، فَلَا يُرَدُّ لِكَوْنِهِ لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ . وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : إِنْ تَوَقَّفَ فِيهِ مُتَشَرِّعٌ قُلْنَا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، وَقَدْ عَضَّدَتْهُ التَّجْرِبَةُ ، وَصَدَّقَتْهُ الْمُعَايَنَةُ ، أَوْ مُتَفَلْسِفٌ فَالرَّدُّ عَلَيْهِ أَظْهَرُ ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ أَنَّ الْأَدْوِيَةَ تَفْعَلُ بِقُوَاهَا بِمَعْنًى لَا يُدْرَكُ ، وَيُسَمُّونَ مَا هَذَا سَبِيلُهُ الْخَوَاصَّ .
وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ : هَذِهِ الْكَيْفِيَّةُ لَا يَنْتَفِعُ بِهَا مَنْ أَنْكَرَهَا ، وَلَا مَنْ سَخِرَ مِنْهَا ، وَلَا مَنْ شَكَّ فِيهَا أَوْ فَعَلَهَا مُجَرِّبًا غَيْرَ مُعْتَقِدٍ ، وَإِذَا كَانَ فِي الطَّبِيعَةِ خَوَاصٌّ لَا تَعْرِفُ الْأَطِبَّاءُ عِلَلَهَا ، بَلْ هِيَ عِنْدَهُمْ خَارِجَةٌ عَنِ الْقِيَاسِ ، وَإِنَّمَا تُفْعَلُ بِالْخَاصِّيَّةِ ، فَمَا الَّذِي يُنْكِرُهُ جَهَلَتُهُمْ مِنَ الْخَوَاصِّ الشَّرْعِيَّةِ ؟ هَذَا مَعَ أَنَّ الْمُعَالَجَةَ بِالِاغْتِسَالِ مُنَاسَبَةٌ لَا تَلْقَاهَا الْعُقُولُ الصَّحِيحَةُ ، فَهَذَا تِرْيَاقُ سُمِّ الْحَيَّةِ ، يُؤْخَذُ مِنْ لَحْمِهَا ، وَهَذَا عِلَاجُ النَّفْسِ الْغَضَبِيَّةِ بِوَضْعِ الْيَدِ عَلَى بَدَنِ الْغَضْبَانِ ، فَيَسْكُنُ فَكَانَ أَثَرُ تِلْكَ الْعَيْنِ كَشُعْلَةِ نَارٍ وَقَعَتْ عَلَى جَسَدٍ ، فَفِي الِاغْتِسَالِ إِطْفَاءٌ لِتِلْكَ الشُّعْلَةِ ، ثُمَّ لَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْكَيْفِيَّةُ الْخَبِيثَةُ تَظْهَرُ فِي الْمَوَاضِعِ الرَّقِيقَةِ مِنَ الْجَسَدِ لِشَدَّةِ الْمَنْفُوذِ فِيهَا ، وَلَا شَيْءَ أَرَقُّ مِنَ الْمُعَايِنِ ، فَكَانَ فِي غَسْلِهَا إِبْطَالٌ لِعَمَلِهَا ، وَلَا سِيَّمَا أَنَّ لِلْأَرْوَاحِ الشَّيْطَانِيَّةِ فِي تِلْكَ الْمَوَاضِعِ اخْتِصَاصًا ، وَفِيهِ أَيْضًا وُصُولُ أَثَرِ الْغَسْلِ إِلَى الْقَلْبِ مِنْ أَرَقِّ الْمَوَاضِعِ وَأَسْرَعِهَا نَفَاذًا ، فَتُطْفِئُ تِلْكَ النَّارَ الَّتِي أَثَارَتْهَا الْعَيْنُ بِهَذَا الْمَاءِ اهـ . وَفِي الْحَدِيثِ : أَنَّ الْعَائِنَ إِذَا عُرِفَ يُقْضَى عَلَيْهِ بِالِاغْتِسَالِ ، وَأَنَّهُ مِنَ النُّشْرَةِ النَّافِعَةِ ، وَأَنَّ الْعَيْنَ تَكُونُ مَعَ الْإِعْجَابِ بِغَيْرِ حَسَدٍ ، وَلَوْ مِنَ الرَّجُلِ الْمُحِبِّ وَمِنَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ ، وَأَنَّ الَّذِي يُعْجِبُهُ الشَّيء يُبَادِرُ إِلَى الدُّعَاءِ لِمَنْ أَعْجَبَهُ بِالْبَرَكَةِ ، وَيَكُونُ ذَلِكَ رُقْيَةً مِنْهُ ، وَأَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ طَاهِرٌ ، وَأَنَّ الْإِصَابَةَ بِالْعَيْنِ قَدْ تَقْتُلُ ، وَفِي الْقِصَاصِ خِلَافٌ تَقَدَّمَ بَيْنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ .