مَا جَاءَ فِي الْمُتَحَابِّينَ فِي اللَّهِ
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَبْدَ قَالَ لِجِبْرِيلَ : قَدْ أَحْبَبْتُ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ ، فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ ، ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ : إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ ، وَإِذَا أَبْغَضَ اللَّهُ الْعَبْدَ . قَالَ مَالِكٌ : لَا أَحْسِبُهُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي الْبُغْضِ مِثْلَ ذَلِكَ . 1778 1730 - ( مَالِكٌ ، عَنْ سُهَيْلِ ) - بِضَمِّ السِّينِ - ( ابْنِ أَبِي صَالِحٍ ) ذَكْوَانَ ( عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَبْدَ ) أَيْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَأَرَادَ بِهِ خَيْرًا وَهَدَاهُ وَوَفَّقَهُ ، قَالَ عِيَاضٌ : الْمَحَبَّةُ : الْمَيْلُ وَهُوَ عَلَى اللَّهِ مُحَالٌ ، فَالْمَعْنَى إِرَادَةُ الْخَيْرِ لَهُ ، وَإِيصَالُهُ إِلَيْهِ ، انْتَهَى .
فَيَرْجِعُ الْأَوَّلُ إِلَى صِفَةِ مَعْنًى ، هِيَ الْإِرَادَةُ ، وَالثَّانِي إِلَى صِفَةِ فِعْلٍ ، هِيَ الْإِيصَالُ . ( قَالَ لِجِبْرِيلَ : قَدْ أَحْبَبْتُ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ ) أَنْتَ يَا جِبْرِيلُ ، بِهَمْزَةِ قَطْعٍ مَفْتُوحَةٍ ، وَكَسْرِ الْحَاءِ ، وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ ، ثَقِيلَةٍ بِإِدْغَامِ أَحَدِ الْمِثْلَيْنِ ، وَالْأَصْلُ : فَأَحْبِبْهُ . ( فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ ، ثُمَّ يُنَادِي ) بِأَمْرِ اللَّهِ ، إِذْ لَا يَفْعَلُونَ إِلَّا مَا يُؤْمَرُونَ ( فِي أَهْلِ السَّمَاءِ ) زَادَ فِي مُسْلِمٍ : فَيَقُولُ : ( إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ ) مَا قَابَلَ الْأَرْضَ ، فَالْمُرَادُ : السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ .
قَالَ الْمَازِرِيُّ : هَذَا إِعْلَامٌ مِنْهُ سُبْحَانَهُ ، وَأَمْرُهُ الْمَلَائِكَةَ بِذَلِكَ تَنْوِيهٌ بِهِ وَتَشْرِيفٌ لَهُ فِي ذَلِكَ الْمَلَأِ الْكَرِيمِ ، وَهُوَ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى : أَنَا مَعَ عَبْدِي إِذَا ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي ، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ . قَالَ عِيَاضٌ : مَحَبَّةُ جِبْرِيلَ ، وَالْمَلَائِكَةِ تَحْتَمِلُ الْحَقِيقَةَ مِنَ الْمَيْلِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهَا ثَنَاؤُهُمْ عَلَيْهِ ، وَاسْتِغْفَارُهُمْ لَهُ . ( ثُمَّ يَضَعُ لَهُ الْقَبُولَ ) - بِفَتْحِ الْقَافِ - : الْمَحَبَّةُ وَالرِّضَى ، وَمَيْلُ النَّفْسِ ( فِي ) أَهْلِ ( الْأَرْضِ ) أَيْ يُحْدِثُ لَهُ فِي الْقُلُوبِ مَوَدَّةً ، وَيَزْرَعُ لَهُ فِيهَا مَهَابَةً ، فَتُحِبُّهُ الْقُلُوبُ ، وَتَرْضَى عَنْهُ النُّفُوسُ مِنْ غَيْرِ تَوَدُّدٍ مِنْهُ ، وَلَا تَعَرُّضٍ لِلْأَسْبَابِ الَّتِي يَكْتَسِبُ بِهَا مَوَدَّاتِ الْقُلُوبِ مِنْ قَرَابَةٍ ، أَوْ صَدَاقَةٍ ، أَوِ اصْطِنَاعِ مَعْرُوفٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ اخْتِرَاعٌ مِنْهُ تَعَالَى ابْتِدَاءً ، تَخْصِيصًا مِنْهُ لِأَوْلِيَائِهِ بِكَرَامَةٍ خَاصَّةٍ ، كَمَا يَقْذِفُ فِي قُلُوبِ أَعْدَائِهِ الرُّعْبَ وَالْهَيْبَةَ إِعْظَامًا لَهُمْ ، وَإِجْلَالًا لِمَكَانِهِمْ ، قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ : وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِيهِ : إِنَّ اللَّهَ يَبْتَدِئُ الْمَحَبَّةَ بَيْنَ النَّاسِ ، وَالْقُرْآنُ يَشْهَدُ بِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا ﴾ ( سورة مَرْيَمَ : الْآيَةُ 96 ) ، قَالَ الْمُفَسِّرُونَ : يُحِبُّهُمْ وَيُحَبِّبُهُمْ إِلَى النَّاسِ ، انْتَهَى .
قَالَ بَعْضُهُمْ : وَفَائِدَةُ ذَلِكَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، وَيَنْشَأُ عِنْدَهُمْ هَيْبَتُهُ وَإِعْزَازُهُمْ لَهُ : وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ( سورة الْمُنَافِقُونَ : الْآيَةُ 8 ) ، قَالَ الْأَبِيُّ : وَلَا يشكل عَلي الْحَدِيثِ أَنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ يُحِبُّهُ اللَّهُ لَا يَعْرِفُ فَضْلًا عَنْ وَضْعِ الْقَبُولِ لَهُ بِدَلِيلِ خَبَرِ : رُبَّ أَشْعَثَ أَغْبَرَ مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى إِذَا أَحَبَّهُ قَدْ يَضَعُ ، فَالْقَضِيَّةُ مُهْمَلَةٌ فِي قُوَّةِ الْجُزْئِيَّةِ ؛ لِأَنَّ إِذَا وَإِنْ إِهْمَالٌ فِي الشَّرْطِيَّاتِ ، لَا كُلِّيَّةٌ عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي الْمَنْطِقِ . ( وَإِذَا أَبْغَضَ اللَّهُ الْعَبْدَ ) أَيْ أَرَادَ بِهِ شَرًّا وَأَبْعَدَهُ عَنِ الْهِدَايَةِ ، ( قَالَ مَالِكٌ : لَا أَحْسِبُهُ ) لَا أَظُنُّ سُهَيْلًا ( إِلَّا قَالَ فِي الْبُغْضِ مِثْلَ ذَلِكَ ) ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَمْ تَخْتَلِفْ رِوَايَةُ مَالِكٍ فِيمَا عَلِمْتُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ سُهَيْلٍ جَمَاعَةٌ لَمْ يَشُكُّوا ، مِنْهُمْ : مَعْمَرٌ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَذْكُرِ الْبُغْضَ ، انْتَهَى . وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ جَرِيرٍ ، عَنْ سُهَيْلٍ بِسَنَدِهِ فَقَالَ : وَإِذَا أَبْغَضَ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَيَقُولُ : إِنِّي أُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضْهُ فَيُبْغِضُهُ جِبْرِيلُ ، ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ : إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضُوهُ فَيُبْغِضُونَهُ ، ثُمَّ تُوضَعُ لَهُ الْبَغْضَاءُ فِي الْأَرْضِ ، ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ يَعْقُوبَ الْقَارِيِّ ، وَعَبْدِ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيِّ ، وَالْعَلَاءِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، وَقَالَ : كُلُّهُمْ عَنْ سُهَيْلٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، غَيْرَ أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ الْمُسَيَّبِ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْبُغْضِ ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ سُهَيْلٍ قَالَ : كُنَّا بِعَرَفَةَ فَمَرَّ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَهُوَ عَلَى الْمَوْسِمِ ، فَقَامَ النَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ ، فَقُلْتُ لِأَبِي : يَا أَبَتِ إِنِّي أَرَى اللَّهَ يُحِبُّ عُمَرَ ، قَالَ : وَمَا ذَاكَ ؟ قُلْتُ : لِمَا لَهُ فِي قُلُوبِ النَّاسِ ، قَالَ : بِأَبِيكَ ! أَنْتَ سَمِعْتَ أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ جَرِيرٍ ، عَنْ سُهَيْلٍ .
وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ بِدُونِ ذِكْرِ الْبُغْضِ .