باب جَامِعِ السَّلَامِ
( فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَذَهَبَ وَاحِدٌ ) هُمَا أَقْبَلَا كَأَنَّهُمْ أَقْبَلُوا أَوَّلًا مِنَ الطَّرِيقِ ، فَدَخَلُوا الْمَسْجِدَ مَارِّينَ كَمَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ عِنْدَ الْبَزَّارِ ، وَالْحَاكِمِ ، فَإِذَا ثَلَاثَةُ نَفَرٍ ، فَلَمَّا رَأَوْا مَجْلِسَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقْبَلَ اثْنَانِ مِنْهُمْ ، وَاسْتَمَرَّ الثَّالِثُ ذَاهِبًا . ( فَلَمَّا وَقَفَا عَلَى مَجْلِسِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَلَّمَا ) أَيْ عَلَى مَجْلِسِهِ ، أَوْ عَلَى ، بِمَعْنَى عِنْدَ قَالَهُ الْحَافِظُ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهَا لَمْ تَجِئْ بِمَعْنَاهَا ، وَجَوَابُهُ أَنَّ حُرُوفَ الْجَرِّ تَنُوبُ عَنِ الْأَسْمَاءِ ، وَتَأْتِي بِمَعْنَاهَا ، وَفِي الْقُرْآنِ مِنْ ذَلِكَ كَثِيرٌ كَقَوْلِهِ : ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ ﴾ ( سورة الِانْشِقَاقِ : الْآيَةَ : 19 ) أَيْ بَعْدَ طَبَقٍ ، فَعَنْ نَائِبٌ عَنْ الِاسْمِ ، وَفِيهِ أَنَّ الدَّاخِلَ يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ وَأَنَّ الْقَائِمَ يُسَلِّمُ عَلَى الْقَاعِدِ ، وَلَمْ يُذَكَرْ رَدُّ السَّلَامِ عَلَيْهِمَا اكْتِفَاءً بِشُهْرَتِهِ ، وَأَنَّ الْمُسْتَغْرِقَ فِي الْعِبَادَةِ يَسْقُطُ عَنْهُ الرَّدُّ ، وَلَمْ يُذْكَرْ أَنَّهُمَا صَلَّيَا تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ ، إِمَّا لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ أَنْ تُشْرَعَ ، أَوْ كَانَا عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ ، أَوْ كَانَ فِي غَيْرِ وَقْتِ تَنَفُّلٍ ، قَالَهُ عِيَاضٌ بِنَاءً عَلَى مَذْهَبِهِ : أَنَّهَا لَا تُصَلَّى فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ . ( فَأَمَّا ) - بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ ، وَشَدِّ الْمِيمِ - ( أَحَدُهُمَا ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ( فَرَأَى ) دَخَلَتْهُ الْفَاءُ لِتَضَمُّنِ أَمَّا مَعْنَى الشَّرْطِ ، ( فُرْجَةً ) - بِضَمِّ الْفَاءِ ، وَفَتْحِهَا - مَعًا ، هِيَ الْخَلَلُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ ، ( فِي الْحَلْقَةِ ) بِإِسْكَانِ اللَّامِ كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَدِيرٍ خَالِي الْوَسَطِ ، وَحُكِيَ فَتْحُهَا ، وَهُوَ نَادِرٌ ، وَالْجَمْعُ حَلَقٌ بِفَتْحَتَيْنِ .
( فَجَلَسَ فِيهَا ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ التَّحْلِيقِ فِي مَجَالِسِ الذِّكْرِ وَالْعِلْمِ ، وَأَنَّ مَنْ سَبَقَ إِلَى مَوْضِعٍ كَانَ أَحَقَّ بِهِ . ( وَأَمَّا الْآخَرُ ) - بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ - أَيِ الثَّانِي ، فَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِالْأَخِيرِ لِإِطْلَاقِهِ هُنَا عَلَى الثَّانِي . ( فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ ) بِالنَّصْبِ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ .
( وَأَمَّا الثَّالِثُ فَأَدْبَرَ ) حَالَ كَوْنِهِ ( ذَاهِبًا ) أَيْ أَدْبَرَ مُسْتَمِرًّا فِي ذَهَابِهِ ، وَلَمْ يَرْجِعْ ، وَإِلَّا فَأَدْبَرَ بِمَعْنَى : مَرَّ ذَاهِبًا . ( فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - ) مِمَّا كَانَ مُشْتَغِلًا بِهِ مِنْ تَعْلِيمِ الْعِلْمِ ، أَوِ الذِّكْرِ ، أَوِ الْخُطْبَةِ ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ ، ( قَالَ : أَلَا ) - بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالتَّخْفِيفِ - حَرْفُ تَنْبِيهٍ لَا تَرْكِيبَ فِيهِ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ ، فَمَعْنَاهَا التَّنْبِيهُ وَالِاسْتِفْتَاحُ مَحَلُّهَا ، فَهِيَ حِرَفٌ يُسْتَفْتَحُ بِهِ الْكَلَامُ لِتَنْبِيهِ الْمُخَاطَبِ عَلَى ذَلِكَ لِتَأَكُّدِ مَضْمُونِهِ عِنْدَ التَّكَلُّمِ ، ( أُخْبِرُكُمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ ؟ أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأَوَى ) - بِالْقَصْرِ - لَجَأَ ( إِلَى اللَّهِ ) تَعَالَى ، ( فَآوَاهُ ) - بِالْمَدِّ - ( اللَّهُ ) إِلَيْهِ ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ بِقَصْرِ الْأَوَّلِ ، وَمَدِّ الثَّانِي ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي اللُّغَةِ ، وَفِي الْقُرْآنِ : إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ ( سورة الْكَهْفِ : الْآيَةَ : 10 ) بِالْقَصْرِ : وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ( سورة الْمُؤْمِنُونَ : الْآيَةَ : 50 ) بِالْمَدِّ ، وَحُكِيَ الْقَصْرُ وَالْمَدُّ مَعًا فِيهِمَا لُغَةٌ ، وَمَعْنَى أَوَى إِلَى اللَّهِ : لَجَأَ ، أَوْ عَلَى الْحَذْفِ ، أَيْ إِلَى مَجْلِسِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَعْنَى آوَاهُ : جَازَاهُ بِنَظِيرِ فِعْلِهِ بِأَنْ ضَمَّهُ إِلَى رَحْمَتِهِ وَرِضْوَانِهِ ، أَوْ يُؤْوِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى ظِلِّ عَرْشِهِ ، فَنِسْبَةُ الْإِيوَاءِ إِلَى اللَّهِ مَجَازٌ لِاسْتِحَالَتِهِ فِي حَقِّهِ ؛ لِأَنَّهُ الْإِنْزَالُ مَعَهُ فِي مَكَانٍ حِسِّيٍّ ، فَالْمُرَادُ لَازَمَهُ وَهُوَ إِرَادَةُ إِيصَالِ الْخَيْرِ ، وَيُسَمَّى هَذَا الْمَجَازُ مَجَازَ الْمُشَاكَلَةِ وَالْمُقَابَلَةِ . وَفِي التَّمْهِيدِ : أَوَى إِلَى اللَّهِ يَعْنِي : فَعَلَ مَا يُرْضِي اللَّهَ فَحَصَلَ لَهُ مِنَ الثَّوَابِ ، وَمِثْلُهُ خَبَرُ : الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إِلَّا مَا أَوَى إِلَى اللَّهِ ، يَعْنِي مَا كَانَ لِلَّهِ وَرَضِيَهُ .
( وَأَمَّا الْآخَرُ ) - بِالْفَتْحِ - أَيِ الثَّانِي ، ( فَاسْتَحْيَا ) أَيْ تَرَكَ الْمُزَاحَمَةَ كَمَا فَعَلَ رَفِيقُهُ حَيَاءً مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمِنْ أَصْحَابِهِ ، قَالَهُ عِيَاضٌ . وَقَالَ الْحَافِظُ : أَيِ اسْتَحْيَا مِنَ الذَّهَابِ عَنِ الْمَجْلِسِ ، كَمَا فَعَلَ الثَّالِثُ ، فَقَدْ بَيَّنَ أَنَسٌ سَبَبَ اسْتِحْيَاءِ هَذَا الثَّانِي ، فَلَفْظُهُ عِنْدَ الْحَاكِمِ : وَمَضَى الثَّانِي قَلِيلًا ، ثُمَّ جَاءَ فَجَلَسَ ، ( فَاسْتَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ ) أَيْ رَحِمَهُ ، وَلَمْ يُعَاقِبْهُ فَجَازَاهُ بِمِثْلِ فِعْلِهِ ، وَهَذَا أَيْضًا مُشَاكَلَةٌ ؛ لِأَنَّ الْحَيَاءَ تَغَيُّرٌ وَانْكِسَارٌ يَعْتَرِي الْإِنْسَانَ مِنْ خَوْفِ مَا يُذَمُّ بِهِ ، وَهَذَا مُحَالٌ عَلَى اللَّهِ ، فَهُوَ مَجَازٌ عَنْ تَرْكِ الْعِقَابِ مِنْ ذِكْرِ الْمَلْزُومِ ، وَإِرَادَةِ اللَّازِمِ . ( وَأَمَّا الْآخَرُ ) - بِالْفَتْحِ - أَيِ الثَّالِثُ ، ( فَأَعْرَضَ ) عَنْ مَجْلِسِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ ، بَلْ وَلَّى مُدْبِرًا ، ( فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ ) أَيْ جَازَاهُ بِأَنْ سَخِطَ عَلَيْهِ ، وَهَذَا أَيْضًا مُشَاكَلَةٌ ؛ لِأَنَّ الْإِعْرَاضَ هُوَ الِالْتِفَاتُ إِلَى جِهَةٍ أُخْرَى ، وَذَلِكَ لَا يَلِيقُ بِاللَّهِ تَعَالَى ، فَهُوَ مَجَازٌ عَنِ السُّخْطِ وَالْغَضَبِ .
قَالَ الْحَافِظُ : وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ أَعْرَضَ لَا لِعُذْرٍ ، هَذَا إِنْ كَانَ مُسْلِمًا ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ مُنَافِقٌ وَأُطْلِعَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَمْرِهِ ، كَمَا يُحْتَمَلُ أَنْ قَوْلَهُ : فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ إِخْبَارا وَدُعَاء . وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ : فَاسْتَغْنَى فَاسْتَغْنَى اللَّهُ عَنْهُ ، وَهَذَا يُرَشِّحُ أَنَّهُ خَبَرٌ . وَقَالَ أَبُو عُمَرَ : يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مُنَافِقٌ ، إِذْ لَا يُعْرِضُ غَالِبًا عَنْ مَجْلِسِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا مُنَافِقٌ ، بَلْ بَانَ لَنَا بِقَوْلِهِ : فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّهُ مُنَافِقٌ لِأَنَّهُ لَوْ أَعْرَضَ لِحَاجَةٍ ، مَا قَالَ فِيهِ ذَلِكَ ، وَفِيهِ جَوَازُ الْإِخْبَارِ عَنْ أَهْلِ الْمَعَاصِي وَأَحْوَالِهِمْ لِلزَّجْرِ عَنْهَا - وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يُعَدُّ غَيْبَةً - ، مُلَازِمَةُ حَلَقِ الْعِلْمِ وَالذِّكْرِ ، وَجُلُوسُ الْعَالِمِ وَالذَّاكِرِ فِي الْمَسْجِدِ ، وَالثَّنَاءُ عَلَى الْمُسْتَحِي وَالْمُزَاحِمِ فِي طَلَبِ الْخَيْرِ ، وَاسْتِحْبَابُ الْأَدَبِ فِي الْمَجْلِسِ ، وَفَضْلُ سَدِّ الْحَلْقَةِ ، كَمَا وَرَدَ فِي التَّرْغِيبِ فِي سَدِّ خَلَلِ الصُّفُوفِ فِي الصَّلَاةِ ، وَجَوَازُ التَّخَطِّي لِسَدِّ الْخَلَلِ مَا لَمْ يُؤْذِ ، فَإِنْ خَشِيَ اسْتُحِبَّ الْجُلُوسُ حَيْثُ يَنْتَهِي بِهِ الْمَجْلِسُ كَمَا فَعَلَ الثَّانِي ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْعِلْمِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، وَفِي الصَّلَاةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَمُسْلِمٌ فِي الِاسْتِئْذَانِ عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ كُلُّهُمْ عَنْ مَالِكٍ بِهِ .